لبنان بعد الحرب على إيران

التوصل إلى صيغة تكون معقولة ومقبولة لتقاسم مناطق النفوذ بين إيران وأميركا في المشرق العربي والخليج العربي، سينسحب بالضرورة والتبعية على لبنان.

0:00
  • هل يتغير الوضع في لبنان بعد الحرب على إيران؟
    هل يتغير الوضع في لبنان بعد الحرب على إيران؟

لن يبقى الوضع الإقليمي في المنطقة، بعد هذه الحرب، كما كان قبلها بطبيعة الحال. وبالتوازي، يُفترَض ألا يستمر الوضع المحلي أو الوضع الداخلي بالبلد، بعد هذه الحرب قياسًا، وكذلك بعد عدوان "إسرائيل" الأخير على لبنان أيضًا، كما هو عليه. هما ثابتتان، في التحليل لدى التقييم والتقدير، حتى وإن كانت الأولى أكثر تجليًا أو تجسيدًا من الثانية، بالنظر إلى خصوصية التجربة اللبنانية. 

في المعادلات والتوازنات في لبنان، لا بد من التنبيه إلى أن الانزلاق إلى التفريط، عن عمد أو عن غير قصد، من قبل الجماعة السياسية المناهضة للمقاومة، بالتوازنات الدقيقة في المعادلات الوطنية، إنما هو ضرب من ضروب المغامرة والمقامرة والمخاطرة بمصلحة البلد ومصيره؛ كما أن الانغماس، في المقابل، في الإفراط، عن حسن نية أو عن سوء تقدير، من قبل الجماعة السياسية المؤيدة للمقاومة، بالرهانات الكبيرة على التغييرات العميقة في هذه المعادلات الوطنية، لا يقل خطورة، وهو شكل من أشكال القصور أو التقصير في قراءة الوقائع والحقائق والمعطيات والمستجدات، كما في فهم واستيعاب التجارب التاريخية السابقة وسبر واستخلاص الحكم والعبر منها.

أما بالنسبة للترتيبات المستقبلية والمسارات الإقليمية، فتتجه البوصلة السياسية نحو مسار باكستان الدبلوماسي، ما بين أميركا وإيران، سواء اتخذ شاكلة المحادثات أو المباحثات المباشرة، أو سلك طريق المفاوضات غير المباشرة وتبادل الرسائل عبر الوسيط والوسطاء، لحين التوصل إلى اتفاق إطار، يفضي، في نهاية المطاف، إلى اتفاق نهائي وشامل لإنهاء حالة الحرب في المنطقة وتسوية العديد من القضايا والملفات.

أما مسار واشنطن بين "تل أبيب" وبيروت، فهو يبدو أقل أهمية، وكذلك هو الرهان عليه، والادعاء السريالي والسفسطائي بفصل أو انفصال المسار الثاني في واشنطن عن المسار الأول في باكستان.

فالرهان على نجاح هذا المسار من التسويات والصفقات إنما يعني تراجع وانخفاض احتمال الحرب العسكرية، وربما انحساره أو انعدامه، مع تبلور أو تحقق الإرادات السياسية بسلوك مثل هذا المسار لانعقاد التفاهمات والتعاهدات، ولا سيما أن الإدارة الأميركية تميل إلى إنهاء حرب أميركا مع إيران في منطقة الشرق الأوسط، بخلاف "إسرائيل" التي تميل إلى استئناف واستكمال مسار الحرب العسكرية في لبنان، كما ضد إيران.

وعليه، فإن التوصل إلى صيغة تكون معقولة ومقبولة لتقاسم مناطق النفوذ بين إيران وأميركا في المشرق العربي والخليج العربي، سينسحب بالضرورة والتبعية على لبنان، مع بت وحسم الإدارة المستقبلية لمضيق هرمز وحركة الملاحة البحرية وسلاسل التوريد والإمداد، وكذلك البرنامج النووي والقدرات الصاروخية والتعويضات والعقوبات بالنسبة لإيران، والقواعد العسكرية وأمن "إسرائيل" بالنسبة لأميركا...

من هنا، فإن التوصل إلى تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان مع "إسرائيل" هو أولوية وطنية وضرورة وطنية وحاجة وطنية. وهو المدخل الطبيعي والصحيح إلى الحل السياسي. إن منع انتهاك وقف إطلاق النار من قبل العدو الإسرائيلي هو الخطوة الأولى على طريق هذا الحل السياسي. الأمر الذي تتمسك به وتصر عليه إيران لدى باكستان في مقابل أميركا.

أما "إسرائيل"، فهي لا تزال تحاول، عبر الخروقات والانتهاكات والاعتداءات، تشويه الواقع والحقيقة عن التغييرات المهمة في البلد والمنطقة أولًا، ولا سيما واقع وحقيقة فشلها باحتلال جنوب لبنان أو اجتياحه، كما سحق المقاومة في لبنان والقضاء على حزب الله، وتعويم الوضع السابق والعودة إلى ما قبل العدوان ثانيًا، لناحية استمرار حرية العمل العسكري وحرية الحركة العسكرية في لبنان، بقصد تغطية عملية تبرير التفاوض المباشر للسلطة القائمة في لبنان، ومع تسريع وتيرته، بذريعة عدم قدرة المقاومة على لجم العدوان ودرء الاحتلال، مع العلم أن الأفق السياسي لمسار التفاوض المباشر بين "إسرائيل" ولبنان متعثر ومتعذر لأسباب عديدة، تتعلق بالتعقيدات والمحاذير والمحظورات الداخلية.

ويبقى أن نضيف أن ما بعد هذه الحرب ربما سيقع بين حدين أو احتمالين اثنين، لا ثالث لهما: إما الهدنة أو فض الاشتباك. لا سلام مع "إسرائيل"، ولا تطبيع. يُفترَض أن تكون مثل هذه المعادلة جامعة بين اللبنانيين، ومن ضمن الثوابت الوطنية اللبنانية! ليس من الضرورة على الإطلاق سلوك درب التفاوض المباشر، بل لا يجوز ذلك البتة، إذ لا توافق وطنياً ولا تفويض وطنياً.

هكذا تبدو صيغة الحل المعقولة والمقبولة معروفة ومعلومة: بعد تثبيت وقف إطلاق النار، العودة من جديد إلى الهدنة، وربما تكون طويلة أو تصبح دائمة، أو الذهاب نحو فض الاشتباك، لإنهاء حالة الحرب، بعيدًا من السلام والتطبيع، وكذلك بعيداً من الاعتراف، من قبل لبنان الرسمي، لا لبنان المقاوم، بالعدو عن طريق التفاوض المباشر. هذا هو ما يمكن القبول به والتوافق عليه والسير به في لبنان، إذا ما أردنا تغليب أولوية السلم الأهلي على أطروحة السلام الزائف والخائب مع العدو الإسرائيلي. وهي مصلحة لبنان بالتأكيد. 

قد يتغير الوضع في لبنان بعد الحرب على إيران. هكذا يُفترَض. وقد تكون ماهية التغيير الكيفي معروفة، لناحية انتعاش الحالة الوطنية لقوى المقاومة وحلفائها، وانتقال القوى المناوئة والمناهضة للمقاومة، التي تدور في الفلك الأميركي - الإسرائيلي - الخليجي، من وضعية المد إلى وضعية الجزر، بانحسار، لا انكسار، الاندفاعة الأميركية المفرطة والاستباحة الإسرائيلية المطلقة.

أما مقدار التغيير الكمي، فقد يكون محددًا ومحدودًا، بالنظر إلى التداخل والتشابك بالموازين الداخلية والخارجية للقوى الوطنية والأجنبية، مع مراعاة محدودية التفاهمات والتسويات والصفقات السياسية في البلد، من حيث التعديل الجزئي، لا التغيير الجذري، ولا الانقلاب الراديكالي أو الدراماتيكي.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.