لا لكاتم الصوت الإسرائيلي.. حجب "الميادين" في فلسطين المحتلة لن يكتم صوتها!

تسلحت "الميادين" بفهمٍ واعٍ لدور الإعلام المقاوم ومساهمته في عملية "بناء الوعي الوطني" في إطار الفضاء الإعلامي العالمي المتنوع. وتبنّت كذلك إستراتيجية إعلامية وطنية تخدم احتياجات النضال الفلسطيني.

  •  حجب
    حجب "الميادين" في فلسطين المحتلة لن يكتم صوتها!

لم يكن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي حجب بث قناة "الميادين" وموقعها الإلكتروني وصفحتها على الـ"يوتيوب"، لمدة 90 يوماً، مُستغرباً.

فقد وافق كنيست الاحتلال الشهر الماضي، على تعديلٍ يسمح لوزير الاتصالات بإغلاق المنافذ الإعلامية الأجنبية، بغض النظر عن إعلان حالة الطوارئ بناءً على تقييمات أمنية متخصصة، بأن "جهة بث أجنبية" تُلحق الضرر بأمن الدولة. سبقه كذلك مصادقة مجلس الوزراء الإسرائيلي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، على إيقاف عمل شبكة "الميادين" الإعلامية في فلسطين المحتلّة، بذريعة أنّها تضرّ بـ"أمن إسرائيل".

ولا شك في أن القرارات الإسرائيلية المتواصلة بحقّ شبكة "الميادين" تأتي انتقاماً من تغطيتها للأحداث الدائرة في فلسطين منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وفضحها جرائم الاحتلال وانتهاكاته في القطاع، واعتداءاته المتصاعدة على الضفة الغربية. تعتمد "إسرائيل" في "سردية المُلاحقة" على اتهام "شبكة الميادين" بالإضرار بالأمن الإسرائيلي وبأن صحفييها "إرهابيون" "يُحرّضون على العنف" ويسعون إلى تشويه صورة "إسرائيل". 

من السهل الافتراض أن تصديق وزير الاتصالات الصهيوني على حجب "الميادين"، يُعد خطوة واضحة في مسار التعتيم والمنع المستند إلى صيغ قانونية للتعامل مع القنوات "المعادية" والعاملين فيها من حَمَلة الجنسية الإسرائيلية؛ فهم "مواطنون ويعملون بموجب القانون، لذلك لجأت إلى "شيطنتهم" والتحريض عليهم ومحاولة إقناع المجتمع الإسرائيلي بأنهم خطر على "الدولة"، حتى اضطر بعضهم للعمل متخفين خشية المساس بهم.
تأتي الخطوة الإسرائيلية أولاً، في إطار التضييق على كل رأي مخالف أو فاضح للاحتلال؛ فالمسألة هي "أن يعرف العالم الحقيقة"، ولا سيما أنها حقيقة مروّعة لا يمكن لـ"إسرائيل" أن تترك وسائل الإعلام تنقلها بأريحية ومن دون تعطيل أو اعتداء بالقانون أو السلاح. كما أنها تستمر في منع وسائل الإعلام العربية والأجنبية من دخول غزة وتغطية ما يجري، لأنها تخشى مما يمكن أن يُكشف عنه، ومن ثم تحاول اللجوء إلى كل الخيارات، ومنها الخيار القانوني.

كما أن الحجب يمثل تراجُعاً لادّعاء "إسرائيل" أنها "واحة للديمقراطية والحريات العامة في الشرق الأوسط"، ووظفت ذلك في مسار التطبيع مع بعض الدول العربية، لذا فالإجراء بوصفه نابعاً من ظروف حرب وعدم قدرة إسرائيلية على إقناع العالم برؤيتها أو روايتها، هو قانون فاضح للنيّات الحقيقية التي حاولت إخفاءها على مدار سنوات. فقد يئست "إسرائيل" من أن تظهر في ثوب ديمقراطي في ما يخص التعامل مع وسائل الإعلام، فاندفعت بكل قوة في اتجاه الكشف عن وجه احتلالي تشريعي قبيح، يمنع الإضرار بصورتها الديمقراطية المُدعاة. 

والخلاصة، أن حجب "الميادين" هو تتويج لمحاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ونهجها المستمر في طمس الحقائق، حين ارتفعت "الميادين" ومعها الإعلام المقاوم الحر بمستوى إظهار هذه الحقيقة في الحرب الأخيرة، وقدموا للعالم كشفاً كاملاً للحقائق المجردة التي ضربت سردية الاحتلال؛ لذلك فإن الانتقام منهم كان بقتل الصحفيين أو بحجب القنوات وملاحقة المراسلين. يُثبت الإجراء أن "الميادين" وكل وسائل الإعلام المهنية "أوجعت إسرائيل" وأثرت في صورتها المُدعاة؛ وما انقضاضها على "الميادين" إلا دليل على رفع الراية البيضاء في مواجهة انتشار كذب ادعاءاتها بحق الفلسطينيين.

ولكن قصة الحجب لا تقف عند دوافع كتم الحقيقة وإسكات الخصوم، فالتعامل الإسرائيلي مع "الميادين" يعبّر عن اجتماع ذروتي الكذب والاستعلاء معاً، وهذا بالضبط ما يفسّر سلوك ممثلي "إسرائيل" تجاه النقد، من أي جهة كان، فهي، أي "إسرائيل"، لا تعيش إلا في مناخ العدوان والحقد وكراهية الآخر، على نحو لا يُفسح مجالاً لأي مستوى من التساهل. 

كما أن "إسرائيل" المعجبة بنفسها حين تبكي، تؤمن أن البكاء دليل على أنها هي فقط الضحية، المحقة، البريئة، وأن ألمها يسمح لها بكل شيء، وأنها لا تتحمل أي مسؤولية أو لوم في أي شيء تفعله. فالصرخة الإسرائيلية تعمي أعين المجتمع عن الأهوال التي تعيشها والتي تنتهجها هي نفسها وتعمل على ديمومتها. ويشير البكاء دائماً إلى أن هذا ليس الوقت المناسب للحديث معها عن الحقائق الصعبة ومطالبتها بالنظر المباشر إلى الواقع. دائماً من السابق لأوانه فعل ذلك، ما بكم، ألا ترون أنها "تبكي"؟ 

تدرك "إسرائيل" أنّ عليها، أمام حجم الكارثة التي أحدثتها في غزة وحجم مسؤوليتها عمّا حدث، أن تلجأ إلى مقاربات تُعفيها من تحمّل التبعات الثقيلة التي قد تترتّب عليها مستقبلاً. فاستعانت أولاً بكتم الأصوات وتعتيم الكاميرات للهروب إلى الأمام من تبعات حربها على القطاع، على أمل أن تتحوّل، مع الوقت، من مذنب مُلاحق إلى كيان طبيعي استطاع طمس الحقيقة وتبييض صورته. لكنها تعلم أن هذا وحده لا يكفي، ولا بد من أجل منع ظهور كلّ صوت منتقد لسلوكها وإسكاته، في طريق الصراع على كسب الرأي العام العالمي، أن تلجأ إلى شيطنة وسائل الإعلام المناوئة ورفع الشرعية عنها وتجريمها عبر حملة محمومة في الإعلام العبري ومواقع التواصل الاجتماعي وفي التشريعات. وكنتيجة لهذه المقاربة، وجدت وسائل الإعلام العربية المناوئة لـ"إسرائيل" وسرديتها نفسها في خضمّ حملة تحريض ونزع شرعية شرسة من قبل وزراء وأعضاء كنيست بهدف قمعها وإسكاتها. 

إن شيطنة "الآخر" لا تؤدي إلى إزالة مشاعر الذنب المكبوتة فحسب وخلق فواصل بين "الإنساني الإسرائيلي" و"الشيطاني الآخر"، ولكنها تساعد أيضاً في بناء نظام إسرائيلي "أخلاقي دفاعي" يقف في وجه الخطر الذي يأتي من "الآخر"، الذي يحاول مناوئة الرواية الإسرائيلية وفضحها، لذلك تبنّت "إسرائيل" رواية مفادها أن الميادين "تُجسد تهديداً لا يمكن السكوت عنه". ومن هنا، قُدّمَت "الميادين" ونشاطها للمجتمع الإسرائيلي كقوة شريرة تستخدم أساليب "إرهابية" في حربها ضد "الخير" الإسرائيلي، ويجري الافتراء المُمنهج على "الميادين" باعتبارها قناة "شريرة منخرطة في الإرهاب بلا توقف، تتلاعب للتغطية على صورة إسرائيل الخيّرة"! من الواضح للجميع أنَّ الوقود الذي يغذي المجتمع الإسرائيلي هو التخويف من خلال "شيطنة الآخر" والنتيجة الأكثر خطورة "لشيطنة الخصم" هي تجريده من شرعيته الإنسانية والقانونية بشكل كامل، بما يمنع أي ضبط للنفس في الصراع ضده. 

تدرك "إسرائيل" منذ تأسيسها عمق تأثير المنظور الإنساني في مخاطبة الغرب، على توظيف استعطاف العالم واستجداء دعمه لمشروعها الصهيوني الاستعماري، ولذلك حشدت الأموال الطائلة لدعم آلتها الدعائية الضخمة، كما جنّدت لوبيات المصالح الضاغطة في عواصم العالم، وسَعَت إلى استمالة النافذين في مراكز القرار الدولي لاستمرار زرع صورٍ ذهنية نمطية سلبية لتظل عالقة في مخيلة الغرب عن الفلسطينيين ومن يدعمهم، وهو ما تبدّى منذ بداية حربها الحالية الطاحنة ضد غزة، في الحملة المحمومة التي بثتها لمحاولة "شيطنة" الفلسطينيين وداعميهم ونزع الصفة الإنسانية والقانونية عنهم. 

وحين انبرت "الميادين" والإعلام الحر للتصدي لهذه السردية المعادية، وأحسنوا استخدام الفضاء الإعلامي خلال الحرب الإسرائيلية الحالية الطاحنة على القطاع، وبرعوا في نقل معاناة الفلسطينيين إلى العالم، سقطت الفبركات الإسرائيلية، وتغيير انطباعات الغرب حول الحرب ضد غزة، وهو ما تبدى في مواقف حكومات وشعوب غربية عديدة إزاء العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع. 

لم يكن خافياً أن المقاربة الإنسانية التي تبنتها وسائل الإعلام المناوئة لـ"إسرائيل"، وعلى رأسها "الميادين"، زعزعت السرديات الإسرائيلية التي هيمنت على الرأي العام الدولي طيلة العقود الماضية، بعدما بدأت بتعرية المشروع الصهيوني من مساحيقه المصطنعة، فأبدت شعوب العالم أجمع تجاوبها اللافت مع المُثيرات الإنسانية وقابليتها للتأثر بالأبعاد الأخلاقية التي عُرضت عليها أمام هول الفظائع التي ارتكبتها آلة الحرب الإسرائيلية في غزة.

ولأنّ الكلمات لها قوّتها وتأثيرها، ولها عواقبها المتوقعة على مستوى فهم "المجتمع" الإسرائيلي وإدراك كيفية التعاطي معه ومواجهته، تسلحت "الميادين" بفهمٍ واعٍ لدور الإعلام المقاوم ومساهمته في عملية "بناء الوعي الوطني" في إطار الفضاء الإعلامي العالمي المتنوع. وتبنّت كذلك، عبر سياستها التحريرية وشبكة العاملين والكُتّاب والباحثين العاملين معها أو لمصلحتها، إستراتيجية إعلامية وطنية تخدم احتياجات النضال الفلسطيني التحرري، وتتابع ما يحدث في "إسرائيل"، وتحلل وتنتقد الأخبار والروايات الكاذبة التي ينشرها الاحتلال، وتعطي مساحة للقراءة النقدية المتشككة "دائماً" في الرواية الإسرائيلية. 

تجد "الميادين" نفسها اليوم، في ظل الحجب الإسرائيلي، أمام اختبار قدرتها على تغطية الأحداث التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة والتي تتسارع وتيرتها، لكننا نثق أنها ستستمر في التصدي لرواية الاحتلال بما تملكه من ثقافة ووعي وطني ومعرفة بأساليبه...ولن تعدم الوسيلة.