قوس قزح الجاذبية
في سقوطها الحرّ تدمّر الرأسمالية التقليدية كلّ ما في طريقها، فهي تعلم أنّ زمناً جديداً يحمل مبادئ ثقافات وشروطاً تختلف عنها في طريقة للظهور، وأنّ سقوطها مهما كان مدويّاً، فإنّ البشرية طوّرت أدوات للتعافي.
-
لم تختلف الرأسمالية البيضاء في نظرتها إلى الإنسان عن النازية
عنوان واحدة من أطول الروايات التي كتبت باللغة الإنكليزية بعد "ذهب مع الريح"، للروائي الأميركي توماس بنشن. عالجت الرواية تطوّر الحضارة الغربية من خلال قصة يرويها محارب قديم من الحرب العالمية الثانية اسمه "سلوثروب".
تبدأ الرواية بصرخة تأتي من السماء تنذر مجموعة من الجالسين في قاعة سينما بقرب سقوط صاروخ عليهم، وتسير الرواية لتعيد ترتيب البنية السياسية الاجتماعية للمجتمع الأميركي من خلال الصراع بين "نحن" و"هم".
في خليط يمزج الأدب بالعلم فبالتاريخ يأخذنا "بنشن" في رحلة تصل في نهايتها إلى استنتاج مفاده أنّ الحضارة الغربية التي صعدت مثل الصاروخ، اتخذت في سقوطها مساراً قوسياً (يشبه شكل قوس قزح)، وأنها قد وصلت إلى نقطة "انقطاع الوقود" لذلك تسقط نحو الأرض بفعل الجاذبية ومن دون القدرة على التحكّم بمسار سقوطها، أو بالآثار التي ستنجم عن ارتطامها بالأرض.
خلال سقوطها ما زالت هذه الحضارة تبدو جميلة للعين، لكنها مثل قوس قزح انعكاس للضوء، لكنها ليست الضوء نفسه. السقوط الذي تحدّثت عنه الرواية، سقوط أخلاقي، أي أنّ الحضارة الغربية فقدت محتواها الأخلاقي، وتحوّلت إلى شرّ مطلق ينذر البشرية بالخراب.
في العام 2022 وبعد بداية الحرب الروسية – الأوكرانية طرح مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل نظرية "الحديقة والأدغال"، يقول بوريل: "لقد بنينا حديقة بأفضل مزيج من الحرية السياسية والرخاء الاقتصادي والترابط الاجتماعي الذي استطاعت البشرية أن تبنيه... أغلب بقية العالم أدغال... على البستانيّين ألّا يكتفوا ببناء الأسوار لحماية الحديقة، عليهم الذهاب إلى الأدغال ومنع تمدّدها. هذا ما على أوروبا أن تفعله، أن تكون أكثر انخراطاً مع بقيّة العالم، وإلّا فإنّ بقيّة العالم سيتقدّم إلينا".
المثير في هذه النظرية أنها كانت تتحدّث عن روسيا، أي أنّ الأدغال ليست تلك الشعوب التي تعيش في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، بل هي كلّ من لا يقبل بالشروط الرأسمالية، حتى لو كان أبيض اللون، أشقر الشعر، وليس مسلماً، بل يمكن أن يكون مسيحياً من أميركا اللاتينية، أو بوذياً من الصين.
لم تختلف الرأسمالية البيضاء في نظرتها إلى الإنسان عن النازية، وهي وإن كانت لم تربط التفوّق بعرق معيّن من العروق الأوروبية، فقد ربطت مفهوم الرجل الخارق "السوبرمان" بالعرق الأبيض ككلّ، وأطلقت على بقيّة سكان العالم صفات بدأت من الهمجيّة كما حدث لسكان أميركا وأستراليا ونيوزلندا الأصليين، وصولاً إلى مصطلح الدول النامية الذي توصف به الدول التي تعيش على هامش النموذج الرأسمالي.
إذا كان السكان الأصليون الذين وقفوا في وجه الطموحات الاستعمارية قد تعرّضوا للإبادة بالمعنى الفيزيائي، فإنّ الدول المسماة بالنامية (وهي في الحقيقة دول ممنوعة من النمو)، تتعرّض للإبادة بشكل مستمر وبأشكال متعدّدة: الإبادة الفيزيائية بقتل ملايين البشر من سكانها بالسلاح والجوع والفقر، والإبادة الاقتصادية بحرمانها من فرص التطوّر والاستقلال الاقتصادي وإجبارها على الخضوع لشروط المؤسسات المالية الدولية، وفي العصر الحديث دخلت الإبادة الرقمية (بحسب الدكتور محمد الشرقاوي) والتي تعني إزالة كلّ ما يتعلّق بقضايا الشعوب "غير البيضاء" من المحتوى الرقمي، ولعلّ أبلغ مثال على ذلك ما حدث في الحرب على غزّة إذ لم تكتفِ منصات التواصل الاجتماعي بإزالة المحتوى الفلسطيني إذ سجّل أحد التقارير 23 ألف انتهاك رقمي للمحتوى الفلسطيني تصدّرتها شركة ميتا بـ 58% من هذه الانتهاكات، فقد تجنّبت وسائل الإعلام من صحف ووسائل إعلام مرئي الإشارة إلى الشعب الفلسطيني أو فلسطين، وتبنّت الرواية الإسرائيلية القائمة على مواجهة بين "إسرائيل" وحماس، كما تجنّبت الإشارة إلى الشهداء بصفتهم فلسطينيين، واستبدلتها بمصطلح مدنيين.
ينطبق الأسلوب نفسه على التعامل مع فنزويلا، حيث تتمّ الإشارة إلى المدنيين العزّل الذين تقتلهم الغارات الأميركية، بصفتهم تجار مخدرات محتملين، ولا توجد وسيلة إعلام واحدة تشير إلى احتمال أن يكون هؤلاء الضحايا من الأبرياء.
لقد تجاوزت الرأسمالية الغربية بشكلها الحالي حتى حدود التمييز العنصري لصالح البيض، لكي يتحوّل إلى تمييز ضدّ كلّ من يقف ضدّ المخططات والمشاريع التي تحاك للهيمنة على العالم.
روسيا التي انتقلت إلى المعسكر الرأسمالي (اقتصادياً) منذ سنوات، لم يشفع لها هذا الانتقال، ولا انتماء سكانها إلى العرق الأبيض، المطلوب كان الخضوع السياسي والاقتصادي للمركز الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة. كلّ ما أرادته روسيا هو بناء رأسماليّتها بعيداً عن الإرث الاستعماري الإمبريالي للرأسمالية الغربية. كانت هذه الإرادة كافية لتحويل روسيا إلى عدوّ، فاق في صورته السلبية ما كان عليه الاتحاد السوفياتي.
الأمر نفسه ينطبق على إيران، التي حاولت بناء مشروعها السياسي الاقتصادي الخاصّ، فوجدت الحروب والعقوبات تحاصرها من جميع الجهات، ومثلها سوريا والعراق وليبيا وفنزويلا، الذنب الوحيد الذي ارتكبته كلّ هذه الدول هو محاولتها الخروج من السياق الرأسمالي، مما دفع إلى إسقاط بعضها، والاستمرار في محاولة إسقاط البقيّة.
لم يعد العدوان على الشعوب والدول ونهب ثرواتها ممارسة تقوم بها الرأسمالية، بل أصبحت هذه العدوانية جزءاً من بنية الرأسمالية نفسها، وهي موجّهة إلى الجميع، فقد تقتل مدنيين مختبئين في ملجأ كما حدث في ملجأ العامرية، أو تخطف رئيساً من قصره كما حدث في فنزويلا، والهدف إخضاع العالم بالقوة، أو بالخوف من بطش هذه القوة الغاشمة.
في سقوطها الحرّ تدمّر الرأسمالية التقليدية كلّ ما في طريقها، فهي تعلم أنّ زمناً جديداً يحمل مبادئ ثقافات وشروطاً تختلف عنها في طريقة الظهور، وأنّ سقوطها مهما كان مدويّاً، فإنّ البشرية طوّرت أدوات للتعافي وشروطاً جديدة لا يكون فيه رأس المال صاحب الكلمة الأخيرة في السياسة، وأنّ الصراع بين الخير الذي تمثّله الشعوب، والشرّ الذي تمثّله الرأسمالية مستمرّ إلى الأبد، وفي نهاية كلّ دورة تنتصر الشعوب وتسقط الإمبراطوريات، لتنهض إمبراطوريات مكانها، ولن تنتهي هذه الدورات إلا في اللحظة التي يتوقّف فيها استغلال الإنسان للإنسان.