قراءة في دلالات الانتخابات التشريعية بالمغرب

شكلت الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب مرحلة سياسية فاصلة ومتجددة ومنفردة، لا سيما في إعادة تدوير مقاعد الأحزاب في البرلمان، وفي تجاوز عقدة الإسلاميين وعودتهم إلى المشهد.

0:00
  • الانتخابات الحالية شارك فيها 6 ملايين ناخب وناخبة فقط.
    الانتخابات الحالية شارك فيها 6 ملايين ناخب وناخبة فقط.

أفضت نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في 23 أيلول/سبتمبر 2026، والتي شارك فيها 28 حزباً سياسياً على 395 مقعداً في مجلس النواب، إلى ظهور تنافس حزبي لم يخلُ من دلالات وتحوّلات مهمة في مكونات المشهد السياسي في المغرب. وقد صعدت أحزاب جديدة لأول مرة إلى المشهد، بينما تراجعت أحزاب أخرى كانت في صميمه، فما هي دلالات ما أفرزته الانتخابات التشريعية في المغرب؟!

أظهرت البيانات التي أعلن عنها وزير الداخلية المغربي، السيد عبد الوافي لفتيت، تصدُّر حزب "الأصالة والمعاصرة"، المعروف باسمه المختصر "البام"، نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395 مقعداً، متقدماً على حزب "التجمع الوطني للأحرار" الذي حصل على 66 مقعداً، وحزب "الاستقلال" الذي نال 65 مقعداً، ليصبح القوة الرئيسية المؤهلة لقيادة مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة.

لكن النسبة التي حصل عليها لا تمنحه الأغلبية المنفردة ليشكل الحكومة، وبالتالي فإن أحد أهم التحديات التي تواجه الحزب هو القدرة على تشكيل حكومة من خلال التحالف. يُذكر أن حزب "الأصالة والمعاصرة" تأسس في 7 آب/أغسطس 2008.

وعطفاً على نتائج الانتخابات، عيّن العاهل المغربي الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب "الأصالة والمعاصرة"، رئيسةً للحكومة، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. ولا يخلو تعيين المنصوري من دلالات سياسية وتاريخية؛ إذ أصبحت أول امرأة تتولى منصب رئيس الحكومة في المملكة المغربية، وتعدّ هذه أولى الدلالات التي أفضت إليها نتائج الانتخابات في المغرب، وهو ما يعني بدء مرحلة سياسية جديدة.

ترى بعض القراءات أن نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب لم تحمل مفاجآت كبرى للمشهد السياسي، وأن أحزاب الائتلاف الحكومي بقيت متصدرة المشهد، وأن ما حدث هو تبادل للأدوار ما بين تلك الأحزاب. لكن هذه القراءة تكتفي بقراءة الخارطة الحزبية فقط، وتتجاهل باقي الدلالات.

إن أهم الدلالات التي أظهرتها نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب هي وجود عزوف واضح وظاهر وغير مسبوق لدى الناخب المغربي عموماً، وفئة الشباب على وجه الخصوص، عن التوجه إلى صناديق الاقتراع. ووفق المعطيات الحاصلة، فإن 62% من الناخبين غابوا، أي امتنعوا عن المشاركة في الانتخابات، وأن نسبة المشاركة لم تتجاوز 38%، في حين أن نسبة المشاركة في انتخابات 2021 كانت 50%.

وهذا يعني أن الانتخابات الحالية شارك فيها 6 ملايين ناخب وناخبة فقط، بينما تشير الأرقام الرسمية إلى أن عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت بلغ 15 مليوناً و801 ألف و162 شخصاً. وهذه النسبة تفضي إلى دلالة أخرى، هي تراجع ثقة الناخب المغربي بالأحزاب أو في جدية أن تقدم الانتخابات التشريعية ومخرجاتها حلولاً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمواطن المغربي.

ورغم عزوف الناخبين الكبير، إلا أن الذين قرروا المشاركة في الانتخابات كانت لديهم رؤية وقراءة تعكس وعياً سياسياً ملحوظاً، انعكس في اختيارات الناخبين الذين أعادوا ترتيب مقاعد مجلس النواب بين الأحزاب؛ وبالتالي تقدمت أحزاب إلى واجهة المشهد السياسي بينما تراجعت أحزاب أخرى، وإن كانت تلك الدلالة تقتصر على أحزاب الائتلاف الحكومي.

وهناك دلالة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي صعود حزب "العدالة والتنمية"؛ إذ انتقل من 13 مقعداً إلى 54، وبالتالي ضاعف تمثيله بأكثر من أربع مرات. قراءة دلالات الانتخابات هنا — أي في موضع الربط بين النتائج ونسبة المشاركة — تعني أن هناك توجهاً سياسياً كان حاكماً وضابطاً لإيقاع الانتخابات ونتائجها، بمعنى أن المشاركة في الانتخابات رغم العزوف كانت موجهة ومؤطرة سياسياً وحزبياً.

خارطة مكونات المشهد السياسي في المغرب وسيناريوهات الائتلاف المتوقع والمرتقب للحكومة بدت واضحة؛ ذلك أن حزب "العدالة والتنمية" اختار أن يكون في المعارضة، واللافت أن موقفه هذا جاء سريعاً حتى قبل أن يُعلن عن الشخصية المرشحة لتولي منصب رئيس الحكومة. وقد أعلن الأمين العام للحزب عبد الإله بن كيران، مباشرة بعد ظهور النتائج الأولية، أنه لا يرى حزب "العدالة والتنمية" مشاركاً في حكومة يقودها حزب "الأصالة والمعاصرة"؛ ذلك أن العلاقة السياسية بين الحزبين اتسمت تاريخياً بالتنافس الحاد، بالإضافة إلى اختلاف المرجعية الفكرية لكلا الحزبين.

ولكن المسكوت عنه هو أن حزب "العدالة والتنمية" يراهن على أن الوقوف في المعارضة سيعزز موقعه ويوفر له فرصة ترميم حضوره في المشهد، بمعنى أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الحاصل في المغرب الآن يخدم أحزاب المعارضة.

دلالات نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب لا تقتصر ولا تختصر في إعادة تدوير ترتيب الأحزاب السياسية، ولا في ترميم حزب "العدالة والتنمية" لحضوره في المشهد، ولا في تولي امرأة رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب، ولا في نسبة العزوف عن الانتخابات؛ إذ يُعدّ كسب ثقة الناخب وإقناعه بجدوى مشاركته في الانتخابات أحد أهم التحديات التي تواجه الحكومة وأحزاب المعارضة.

إن نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب لا تتوقف عند القدرة على تشكيل حكومة جديدة من لون سياسي جديد، وإن لم يكن مختلفاً عما سبقه، بل تمتد إلى مدى قدرة تلك الحكومة على تجاوز التحديات الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة البطالة والفقر وتحسين الخدمات العامة من تعليم وصحة؛ ذلك أن تركيبة النظام السياسي في المغرب أوجدت تمايزاً ما بين الاستحقاقات الداخلية ورسم السياسة الخارجية.

بمعنى أن ما يهم المواطن الآن هو أن يشعر بجدوى الانتخابات في تفاصيل حياته اليومية، أما القضايا السياسية من علاقات وتطبيع واستثمارات فتُدار خارج أروقة الحكومة، وتحديداً في القصر الملكي، ومن جهة أخرى، لا يشعر المواطن المغربي بارتداداتها في حياته اليومية.

والمعنى هنا أن نتائج الانتخابات التشريعية في المغرب، بغض النظر عن نتائجها ومخرجاتها وتدويرها لمواقع الأحزاب في البرلمان، لن تؤثر في ملف التطبيع والعلاقة بين الرباط و"تل أبيب"، ولن تُفضي إلى تحولات جوهرية مركزية في علاقات المغرب الدولية ومحددات سياساته الخارجية، كحدوث تقارب محتمل مثلاً في العلاقات المغربية- الجزائرية.

قدمت الانتخابات التشريعية في المغرب 2026 جملة دلالات مهمة؛ كتدوير مقاعد الأحزاب في البرلمان، وتعزيز حضور المعارضة، والحيلولة دون هيمنة حزب واحد على تشكيل الحكومة منفرداً. صحيح أن الائتلاف الحكومي باقٍ في المشهد لكنه خسر 42 مقعداً مقابل عودة حزب "العدالة والتنمية"؛ وهذا يعني أن الناخب عاقب أحزاب الحكومة على أدائها، لكنه لم يكافئ أحزاب المعارضة ويفوّضها بالكامل لتشكل الحكومة.

ختاماً، شكلت الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب مرحلة سياسية فاصلة ومتجددة ومنفردة، لا سيما في إعادة تدوير مقاعد الأحزاب في البرلمان، وفي تجاوز عقدة الإسلاميين وعودتهم إلى المشهد. أما بخصوص النتائج الحاصلة، فإن هناك افتراقاً كبيراً حاصلاً بين الناخب والأحزاب السياسية، وهناك أزمة ثقة بنيوية بين الشارع والأحزاب، وهو ما يفسره العزوف الكبير عن المشاركة في الانتخابات التشريعية نتيجة القناعة بمحدودية صلاحيات الحكومة مقابل صلاحيات المؤسسة الملكية، الأمر الذي يقلل في نظر الناخبين من أهمية البرلمان والحكومة.