في إيران العواصف لا تقتلع الجبال!
النظام الإسلامي في إيران أصلب من أن يتم إسقاطه عن طريق شراذم العملاء والمخربين، وهو أقوى من أن يتم تفكيكه وتدميره من خلال القوة العسكرية لقوى الشر في العالم.
-
إلى أي مدى ستصل الحملة العدوانية التي تشنّها أميركا ومحور الشر على إيران؟
تتميّز الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات المليون وستمائة ألف كيلومتر مربع بتضاريس جغرافية صعبة ومعقّدة، تغلب عليها الجبال والمرتفعات الشاهقة، التي تعطيها الكثير من الميزات التي لا تملكها دول أخرى، حتى تلك القريبة من حدودها مترامية الأطراف.
وعلى الرغم من أن الطقس في إيران مضطرب في كثير من الأحيان، ويشهد تقلبات جوية لا سيّما على صعيد العواصف والأعاصير، بالإضافة إلى الكثير من المشكلات الأخرى على صعيد العامل الجيولوجي، والذي يجعل من مسألة حدوث زلازل أمراً طبيعياً ومُتوقعاً، فإن سلاسل الجبال الإيرانية الهائلة تحدّ كثيراً من أضرار العواصف، وتقلّل كذلك من تأثيرات الزلازل، إذ إنها تشكّل عنصر حماية طبيعياً يجعل من معظم الأضرار ثانوية، وليست ذات قيمة، وإن كانت في بعض الأحيان تؤدي إلى وقوع خسائر مادية وبشرية.
في هذه الأيام، تواجه إيران عواصف وزلازل من نوع آخر، وهي ليست نتاج تقلّبات جوّية، ولا تصدّعات جيولوجية، بل هي ثمرة مؤامرات جرى الإعداد لها بعناية داخل غرف عمليات محور الشر المنتشرة في أرجاء المنطقة والعالم، والتي يقع بعضها على بعد عشرات الكيلومترات فقط من الحدود الإيرانية، فيما يقع البعض الآخر في عواصم كبرى في مقدمتها واشنطن ولندن، اللتان تقودان إلى جانب العدو الصهيوني حملة من الضغوط القصوى على الجمهورية الإسلامية، يرافقها تصعيد أمني لافت بهدف الإطاحة بالنظام الإسلامي الإيراني، والتخلّص من "عدو" لطالما أسقط مؤامراتهم، وتصدّى لمشاريعهم رغم ما لحق به من خسائر طوال أكثر من ستّة وأربعين عاماً.
في إيران تبدو العاصفة الحالية أشد من سابقاتها، إذ تستخدم فيها الكثير من الأدوات ذات الطيف الواسع، والتي نجحت في تجارب أخرى في إسقاط دول، وتفكيك أنظمة، بل ونجحت في "التجربة" الفنزويلية حديثة العهد في اختطاف الرئيس الشرعي للبلاد من وسط جيشه وشعبه، في عملية عدوانية قل نظيرها، وفي تجاوز واضح وفاضح لكل القوانين والأعراف الدولية.
في "التجربة" الإيرانية التي لا تسير حتّى الآن كما تشتهي سفن ترامب ونتنياهو، تستخدم أجهزة استخبارات محور الشر كل ما بين يديها من إمكانيات، وتلجأ إلى مروحة واسعة من الأدوات، فمن وسائل الإعلام المأجورة والموجّهة، والتي تتحدّث بكل لغات الأرض، مروراً بتسهيل تهريب السلاح والمجموعات التخريبية إلى الداخل الإيراني، وصولاً إلى تجيير كل ما توصلوا إليه من تكنولوجيا رقمية، وما ابتدعوه من حرب نفسية، بالإضافة إلى أنواع أخرى لا يتّسع المجال لذكرها في محاولة لتحقيق ما فشلوا فيه منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 من القرن الماضي، والتي أسقطت حينذاك بقيادة الإمام الخميني، رضوان الله عليه، أكبر منظومة فساد في المنطقة، وفكّكت أحد أكبر الأنظمة العميلة والخائنة، والتي كانت تشكّل الحليف الأوثق والأهم لقوى الشر العالمية في الإقليم.
من المبالغ فيه أن نقول إن إيران وبعد ما تعرّضت له خلال هذه السنوات الطويلة من عمر الثورة من حصار وتضييق، وبعد ما فُرض عليها من حروب استمرت إحداها ثماني سنوات، وبعد سلسلة طويلة من العمليات التخريبية التي استهدفت مراكزها العلمية، وبرامجها النووية السلمية، وأدت إلى سقوط عدد كبير من كبار علمائها في مختلف المجالات، إضافة إلى مجموعة من صفوة قادتها العسكريين، من المبالغ فيه أن نقول إنها تملك أفضلية في المواجهة الحالية، لا سيّما في حال انتقال هذه المواجهة من مجرّد عمليات تخريبية واحتجاجات داخلية موجّهة كما هي الحال الآن، إلى مواجهة عسكرية من الوزن الثقيل كما يتوقّع البعض، إذ إن هناك اختلالاً واضحاً في موازين القوى لصالح الطرف الآخر، والذي يبدو في ظل وجود شخص مثل دونالد ترامب، المضطرب نفسياً كما تشير العديد من الدراسات الأميركية، وسيطرة اليمين الشعبوي على الحكم في العاصمة الأميركية واشنطن، في حالة من الهيجان يُصعب معها توقّع الكثير من أفعاله، خصوصاً مع انتشار حالة من الخوف والرهبة لدى معظم دول العالم، والتي باتت تلتزم الصمت أمام تغوّله على دول مستقلّة ذات سيادة، كما جرى مع فنزويلا، وكما يمكن أن يحدث مع دول أخرى مثل كوبا والمكسيك وكولومبيا والدنمارك، ولم لا ضد إيران وغيرها.
وعلى الرغم من المحاولات الإيرانية الدؤوبة لتعويض جزء من هذا الاختلال المشار إليه أعلاه، خصوصاً عن طريق تعزيز وتطوير الصناعات الوطنية التي شهدت نقلة نوعية أبهرت العالم خصوصاً في المجالات العلمية والتكنولوجية والطبية، إلا أن الهوّة على الصعيد العسكري ما زالت كبيرة وواضحة، رغم التقدّم الملموس في هذا الجانب والذي تركّز بشكل أساسي في مجال صناعة الصواريخ البالستية طويلة المدى، والتي أثبتت قدرة فائقة في حرب الاثني عشر يوماً مع العدو الإسرائيلي، إلى جانب الطائرات المسيّرة التي تُعتبر من الأكفأ والأفضل على مستوى العالم، إلا أن ما يملكه الطرف الآخر من إمكانيات وقدرات فائقة الحداثة، يجعل من مجرّد المقارنة بين قدرات الجانبين أمراً صعباً، بل يكاد يكون مستحيلاً.
وبما أن القدرات والإمكانيات الماديّة ليست وحدها التي تشكّل الصورة الحقيقية للمشهد، ولا يمكن الاعتماد عليها لحسم المعركة المحتملة بشكل نهائي، فإنه يمكن لنا أن نتلمّس عوامل قوّة أخرى يمتلكها الجانب الإيراني، وهي من الأهمية بمكان حيث تستطيع من جانب تعويض جزء كبير من الاختلال العسكري والتكنولوجي، ومن جانب آخر، التقليل قدر الإمكان من الخسائر التي يمكن أن يتكبّدها نتيجة أي عدوان مُتوقّع ومُنتظر.
أحد أهم هذه العوامل هي قوة النظام الإسلامي في إيران وتماسكه، حيث تجلّى هذا الأمر بصورة لا تقبل الشك بعيد الضربة الإسرائيلية الخاطفة والغادرة فجر الثالث عشر من حزيران/يونيو من العام الماضي، والتي لو وُجّهت إلى دول عُظمى لسقطت على الفور، إذ إن استهداف مجموعة من كبار قادة النظام العسكريين والسياسيين، بالإضافة إلى تحييد معظم أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية في طول البلاد وعرضها، وتدمير العشرات من مواقع القيادة والسيطرة للجيش والحرس الثوري الإيرانيين، وما تلا ذلك من حملة ترهيب وضغط نفسي قصوى، كل ذلك لم ينجح في تحقيق الهدف المراد من ورائه، بل نجحت الدولة في إيران في غضون عشر ساعات فقط، وفي ظل حالة من التماسك والوحدة الداخلية قلّ نظيرها، وبفضل وجود شخصية مركزية ذات علم وبصيرة وخبرة مثل الإمام الخامنئي في تجاوز تلك الضربة، وفي استعادة زمام المبادرة، بل وفي بدء موجة من ردود الفعل النوعية التي دفعت الأعداء إلى استجداء وقف الحرب، في سابقة لم يحدث مثلها خلال عقود خلت.
عامل آخر يمنح الجمهورية الإسلامية هامشاً كبيراً للمناورة أمام أي عدوان محتمل، هو الالتفاف الشعبي الواسع حول القيادة والنظام، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في المسيرات المليونية التي خرجت في كل مدن ومحافظات البلاد، والتي على الرغم من محاولات تغييبها عن الكثير من محطّات التلفزة العالمية، ومحاولة التقليل من شأنها والتشكيك في جدواها، فإنها أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن النظام الإسلامي في إيران يحظى بشبكة حماية شعبية من الأوسع والأكبر على مستوى العالم، وعلى الرغم من وجود تباينات في وجهات النظر حول بعض السياسات لا سيّما الاقتصادية منها، وما تحتويه البلاد من أعراق مختلفة، ومذاهب متعدّدة، إلا أن كل هذه التباينات تسقط عند كل محطّة مفصليّة، وتذوب عند بروز تحدّيات تاريخية، بل ويُستعاض عنها بمزيد من الوحدة والتلاحم، وبكثير من الثبات حول المبادئ التي قامت على أساسها الثورة في إيران، والتي ما زالت راسخة ومتجذّرة في عقول معظم الإيرانيين، حتى عند أولئك الذين يختلفون مع النظام.
ثالث عوامل القوة الإيرانية هي الجغرافيا الواسعة والممتدة على مئات آلاف الكيلومترات، والتي وإن كانت تشكّل في بعض الأحيان مصاعب وتعقيدات للأجهزة المختصة في حفظ الأمن، إلا أنها تمنح الدولة في إيران المزيد من المساحة لاستيعاب أي هجمات عدوانية، بغض النظر أكانت هذه الهجمات محدودة أو واسعة، إذ إن هذه الجغرافيا تمنح صاحبها عمقاً استراتيجياً مهماً لإفراغ أي هجوم من مضمونه، ولتقليل حجم الخسائر، إضافة إلى تعويض جزء كبير مما يقع منها.
هذا الأمر يعرفه أعداء إيران جيداً، ويحاولون استغلاله لصالح مشروعهم الفتنوي والتخريبي من خلال السعي كما تشير بعض المعلومات لإنشاء كانتونات انفصالية على غرار ما فعلوا في سوريا سابقاً، في محاولة لتقسيم البلاد جغرافياً وطائفياً وعرقياً، للوصول في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام، وتحويل هذه الجمهورية العزيزة إلى دولة فاشلة وعميلة.
على كل حال، لا نعرف حتى كتابة سطور هذا المقال إلى أي مدى ستصل الحملة العدوانية التي تشنّها أميركا ومحور الشر على إيران، ولا نعرف إن كانت ستتدحرج لتصبح حرباً واسعة تُشعل كل المنطقة أم لا، فكل الاحتمالات، خصوصاً بعد تهديدات ترامب الأخيرة باتت واردة، وجميع الخيارات في ظل الكثير من المعطيات الميدانية باتت مفتوحة، والساعات والأيام القادمة يمكن أن تكون مفصلية لناحية حسم الأمور سواء باتجاه الهدوء أو التصعيد، وإن كنّا نعتقد كما الكثيرون أننا قريبون إلى التصعيد منا إلى الهدوء، غير أن ما نعرفه هو أن هذه الجمهورية العظيمة والمقتدرة لن تسقط أمام أي عدوان مهما كان حجمه، ومهما بلغ مداه، وهي تملك من عوامل القوة التي أشرنا إلى بعضها أعلاه ما يجعلها عصيّة على الانكسار، وما يمنحها منعةً أمام مؤامرات التفكيك والانهيار.
عود على بدء، أثناء زيارتي لإيران قبل ثلاثة عشر عاماً تقريباً، ورغم شدّة العواصف والرياح، لم أرَ جبلاً قد اقتلع من مكانه، ولم ألحظ انهيارات في حواف الطرق التي تم إنشاؤها في بطون الجبال وعلى أطرافها، إذ إنه ورغم مرور مئات السنين على وجود تلك الجبال، وعلى شق تلك الطرق، إلا أنها ظلّت صامدة في وجه كل العواصف والأعاصير، ولم تسقط رغم كل ما لحق بها من عوامل الطبيعة وتغيّر المناخات.
كذا الحال بالنسبة إلى النظام الإسلامي في إيران، فهو أصلب من أن يتم إسقاطه عن طريق شراذم العملاء والمخربين، وهو أقوى من أن يتم تفكيكه وتدميره من خلال القوة العسكرية لقوى الشر في العالم، فما بُني خلال سنوات طويلة من عمر الثورة الإسلامية المجيدة، وما تم تحقيقه من إنجازات لافتة، لا يمكن أن يذهب أدراج الرياح لمجرد أن مجنوناً يريد أن يبسط سيطرة مملكته على كل دول العالم، ولا يمكن أن ينهار من أجل الثأر لدولة مارقة ارتكبت جرائم حرب ضد شعب أعزل في قطاع غزة، فالجبال لا تُسقطها العواصف، والدول العظيمة لا تُسقطها نوائب الدهر ومؤامرات الأعداء.