فشل العدوان على إيران ينهي حلم الأحادية القطبية الأميركي
ترامب بالسيطرة على إيران كان يهدف عملياً إلى تدمير مبادرة حزام وطريق الصينية برمّتها، وفتح المجال أمام تركيا لتشكّل جسر عبور بالنسبة للولايات المتحدة عبر جنوب القوقاز باتجاه آسيا الوسطى.
-
الحرب على إيران.. دلائل الفشل الأميركي.
في ليلة الثلاثاء – الأربعاء فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بخطوة تتناقض مع التهديدات التي كان قد أطلقها بتدمير "الحضارة الإيرانية"، عندما قبل بوقف اطلاق النار وفقاً للشروط الإيرانية التي كانت طهران قد قدّمتها إلى الوسيط الباكستاني.
وعلى الرغم من محاولات التنصّل اللاحقة من بعض البنود مثل عدم شمول لبنان في وقف إطلاق النار، إضافة إلى الحديث عن تفاوض محتمل بالنسبة لبند يتعلّق بتخصيب اليورانيوم، وهو ما عهدته جميع الشعوب والدول التي دخلت في عمليات تفاوض مع الولايات المتحدة أو "إسرائيل"، إلا أنّ القبول بوقف إطلاق النار بحدّ ذاته يشكّل اعترافاً بالهزيمة خصوصاً أنّ الولايات المتحدة لم تحقّق أهدافها المعلنة وغير المعلنة من وراء مهاجمة إيران، عدا عن فشل "إسرائيل" في تحقيق أهدافها.
دلائل الفشل الأميركي
وبالعودة إلى أهداف الولايات المتحدة فلقد كانت تتمثّل ليس فقط بتغيير النظام في إيران بغية السيطرة عليها، بل هي كانت تتمثّل أيضاً بتقسيم إيران إلى عدة دول كما أعلن قادة أميركيون وإسرائيليون، مراهنين بالتالي على جماعات في كردستان – إيران وفي مقاطعتي أذربيجان الغربية والشرقية ومنطقة خوزستان إضافة إلى منطقة بلوشستان.
وكان من شأن ذلك تسهيل عملية السيطرة على الهضبة الإيرانية التي تتكوّن من سلاسل جبلية تمتد من جبال زاغروس غرباً إلى مرتفعات أفغانستان شرقاً، ومن جبال البروز شمالاً إلى جبال الهندوكوش في باكستان جنوباً، علماً أنّ كلّاً من أفغانستان وباكستان تشكّلان امتداداً جيوسياسياً للهضبة الإيرانية التي تشكّل أعلى نقطة في أوراسيا تمكّن من يسيطر عليها من الإطلالة على سهول آسيا الوسطى إلى الشمال – شرق وعلى السهل الممتد من بلاد ما بين النهرين إلى البادية السورية وسفوح جبل حرمون الشرقية غرباً، ومن سفوح جبال طوروس شمالاً إلى جبال عسير وعمان جنوباً.
وكانت الولايات المتحدة تنوي من خلال ذلك ضمان هيمنتها على الشرق الأوسط من جهة، والانطلاق عبر سهول آسيا الوسطى لتهديد الخاصرة الرخوة لروسيا في سيبريا، وتهديد الأمن القومي الصيني عبر الخاصرة الرخوة للصين في منطقة جينجيانغ والتيبت.
إضافة الى ذلك فإنّ الولايات المتحدة التي باتت تشعر بأنها فقدت السبق في المنافسة الاقتصادية مع الصين بنتيجة ترهّل البنى التحتية والإنتاجية في الولايات المتحدة في مقابل القفزات الكبيرة التي حقّقتها الصين التي باتت مصنع العالم ومحرّكه الاقتصادي.
لذلك فإنّ الولايات المتحدة أعلنت عزمها صراحة على احتكار سوق الطاقة العالمي لا لحاجتها للنفط، علماً أنها تعتبر أكبر منتج للنفط عالمياً، لكن لنيّتها ابتزاز الصين عبر السيطرة على مصادر الطاقة التي تذهب إلى الصين التي تعتبر المستورد الأول للنفط في العالم بواقع نحو عشرة ملايين برميل يومياً.
هذا يفسّر الانقلاب الذي قادته الولايات المتحدة في فنزويلا حين اختطفت الرئيس نيكولاس مادورو لتعلن بعدها أنها ستحرم الصين من النفط الفنزويلي، لتبدأ بعدها بتصعيد لهجتها ضدّ إيران وصولاً إلى شنّها العدوان عليها بعد شهرين من اختطاف مادورو.
ولم يكن هدف الولايات المتحدة من وراء محاولة إسقاط إيران كدولة فقط السيطرة على النفط الإيراني الذي يباع معظمه إلى الصين، بل كان أيضاً السيطرة على مضيق هرمز وابتزاز الصين التي تستورد أكثر من نصف حاجياتها النفطية من منطقة الخليج بواقع 14 بالمئة أو 1.4 مليون برميل من المملكة العربية السعودية، و700 ألف برميل من الإمارات العربية المتحدة و300 ألف برميل من الكويت، ونحو مليون برميل من إيران إضافة إلى كميات أخرى من النفط من سلطنة عمان و800 ألف برميل من سلطنة عمان ومليون ومئة ألف برميل من العراق.
أما الهدف الاستراتيجي الثالث الذي كانت الولايات المتحدة تريد تحقيقه فكان محاصرة الصين عبر منعها من الخروج إلى طرق الملاحة البحرية من جهة، وهذا يفسّر سلسلة التحالفات التي تقوم بها الولايات المتحدة مع عدد من الدول في شرق آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين وماليزيا، بالتوازي مع إقامة علاقات وثيقة مع الهند وكذلك مع حضورها البحري العسكري في بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، إضافة إلى ضرب شبكة الطرق البرية التي تحاول الصين تعزيزها عبر وسط آسيا وباكستان والتي تلتقي جميعها في إيران لتنطلق منها باتجاه أوروبا.
من هنا فإنّ هدف ترامب بالسيطرة على إيران كان عملياً تدمير مبادرة حزام وطريق الصينية برمّتها وفتح المجال أمام تركيا لتشكّل جسر عبور بالنسبة للولايات المتحدة عبر جنوب القوقاز باتجاه آسيا الوسطى. من هنا فإن فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أيّ من الأهداف الآنفة الذكر سيشكّل هذا دليلاً على هزيمة واشنطن بمعزل عن حجم الدمار الذي تسبّبت به داخل ايران.
دلائل الفشل الإسرائيلي
بالتوازي مع الفشل الأميركي، فلقد منيت "إسرائيل" بفشل كبير خصوصاً لجهة تطبيق مخطّطها بالهيمنة على منطقة المشرق ومن بعدها المنطقة العربية.
وإذا عدنا إلى العام 2023 فإننا نجد توجّهاً مطرداً من قبل الكيان الصهيوني لتطبيق مخطّطه بإعادة رسم الجغرافيا السياسية لمنطقة المشرق بغية فرض هيمنته عليها. فابتداء من تشرين الأول/أكتوبر 2023 شنّت "إسرائيل" حرب إبادة ضدّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بغية طرده من أرضه وإقامة وطن بديل له في سيناء.
وإن لم تنجح "إسرائيل" في هذه الخطوة، إلا أنها وجّهت ضربة قوية للمقاومة الفلسطينية في غزة، في وقت وسّعت فيه الاستيطان في الضفة الغربية. بعد ذلك قامت "إسرائيل" في أيلول/سبتمبر 2024 باغتيال عدد كبير من قادة حزب الله قبل أن تغتال الأمين العامّ للحزب الشهيد السيد حسن نصر الله في 27 أيلول/سبتمبر 2024.
بعد شهرين من ذلك التاريخ نجحت "إسرائيل" بالتعاون مع تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا في الإطاحة بحكومة الرئيس بشار الأسد ما نقل سوريا من محور المقاومة إلى كنف الهيمنة الأميركية. عندها بدأ رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بالمجاهرة بمشروعه لإقامة نظام شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية عبر إقامة "إسرائيل الكبرى".
وفي هذا الإطار سارع "الجيش" الصهيوني إلى شنّ مئات الغارات التي ساهمت بدرجة كبيرة بتدمير الجيش العربي السوري بالتوازي مع تقدّم قوات الاحتلال الإسرائيلي للسيطرة على أعلى قمة في جبل الشيخ وإعلانها صراحة نيّتها لتقسيم سوريا الى عدة كيانات طائفية.
شكّلت السيطرة على أعلى قمة في جبل الشيخ إنجازاً كبيراً للكيان الصهيوني الذي بات يطلّ من هذه القمة على معظم الأراضي اللبنانية بغية التحضير لعدوانه على لبنان الذي كان يريد من خلاله احتلال كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني وتهجير سكانها اللبنانيين منها إلى العراق، بالتوازي مع تحريك جماعات متحالفة معه لإقامة كانتون مسيحي يجاور كانتوناً درزياً يمتد من الشوف غرباً عبر حاصبيا ووادي التيم إلى الجولان فجبل العرب شرقاً، على أن تضمّ بعض المناطق اللبنانية في البقاع والشمال إلى بعض المناطق السورية التي كان يجب أن تنتزع من سوريا، وذلك في إطار المخطّط الإسرائيلي العامّ.
وكان مقدّراً لذلك أن يكون جزءاً من إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة على أساس فصل الساحل السوري عن دمشق وضمّ حلب إلى تركيا، وضمّ شرق الفرات إلى كيان كردي يمتد إلى شمال العراق وشمال غرب إيران، عدا عن تقسيم العراق إلى كيان شيعي في الجنوب وسني في الوسط وكردي ينضمّ إلى الدولة الكردية.
كان لهذا المخطط أن يرسم المنطقة على الصورة التي تريدها "إسرائيل" بعدما امتلكت مفتاح المشرق وهو أعلى قمة في جبل الشيخ. لقد كانت قمة جبل الشيخ تمنح الصهاينة القدرة على كشف كامل السهل الممتدّ من دمشق عبر البادية السورية والأنبار إلى نهر الفرات ونهر دجلة. وحتى تتمكّن "إسرائيل" من إقفال المنطقة من جهة الشرق فلقد كان عليها أن تصل إلى معلم يحدّد حدود المشرق الذي تريد السيطرة عليه. وبما أنّ إيران كانت لا تزال تدعم فصائل المقاومة وتطلّ من جبال زاغروس على سهل دجلة والفرات، فلقد كان على "إسرائيل" ضرب وتدمير إيران وليس فقط تغيير نظام الحكم فيها.
استنتاجات
بناء على ذلك فلقد حوّل الفشل الإسرائيلي في الإطاحة بنظام الحكم في إيران ودفع البلاد إلى الفوضى والتقسيم، إضافة إلى خروج إيران أقوى مما كانت عليه قبل العدوان، حوّل طهران إلى قوة إقليمية عظمى باتت تطلّ بقوة على مضيق هرمز وتتحكّم فيه، إضافة إلى إطلالتها بقوة على سهل بلاد ما بين النهرين ومن بعده البادية السورية، عدا عن خروج حليفها حزب الله أقوى مما كان عليه قبل العدوان الأخير على إيران. هذا أفشل المخطّط الإسرائيلي بالوصول إلى معلم في الشرق يقفل منطقة المشرق ويحكم قبضة "إسرائيل" عليها.
وبالتالي فإنّ مجمل مخطّط "إسرائيل الكبرى" بات مهدّداً، إذ إنّ من شأن خروج إيران قوية أن يدعم وضع فصائل المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين واليمن، عدا عن أنّ ذلك من شأنه أن يغيّر التوازنات الحالية في سوريا إلى غير ما تريده "إسرائيل".
من هنا فإنّ "إسرائيل" التي وجدت نفسها تحقّق إنجازات ولو جزئية خلال الأعوام 2024 و2025، تجد نفسها الآن أمام مسار عكسي سيشهد تآكل إنجازاتها النسبية إن في العراق عبر حليفتها واشنطن، أو في سوريا، أو في لبنان حيث يتعزّز حالياً وضع المقاومة في مواجهة العدو الإسرائيلي وفي الداخل اللبناني، أو في فلسطين المحتلة من خلال تعزيز فصائل المقاومة الفلسطينية، أو في اليمن حيث بات أنصار الله طرفاً يحسب له حساب على المستويين الإقليمي وحتى الدولي.
قد يكون هذا ما يفسّر لجوء "إسرائيل" إلى ارتكاب مجازر وجرائم حرب جديدة للتغطية على فشل مشروعها في إقامة "إسرائيل الكبرى".