فخ للبنان

الاتفاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان يتطلب ما هو مستحيل

0:00
  • فخ للبنان
    فخ للبنان

وقّع ممثلو لبنان والولايات المتحدة و"إسرائيل"، بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في واشنطن، اتفاقاً إطارياً ثلاثياً لتسوية النزاع.

وجاء توقيع الوثيقة نتيجة المفاوضات التي جرت في واشنطن بين ولبنان و اسرائيل . وبموجب الاتفاق، ستقدم الولايات المتحدة 100 مليون دولار كمساعدات إنسانية طارئة للبنان بالتنسيق مع الأمم المتحدة، وفقاً للبيان الصادر. كما تعتزم واشنطن تعزيز قدرات الجيش اللبناني النظامي للسيطرة على كامل أراضي البلاد، حيث تستعد وزارة الدفاع الأمريكية لتعويض القوات المسلحة اللبنانية بأكثر من 30 مليون دولار، وفقاً لما أعلنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وهكذا، يبدو للوهلة الأولى أن الأمور تسير بشكل جيد بالنسبة للبنان.

لكن خلال الأسبوعين اللذين مرا منذ توقيع الاتفاق، لم يتغير شيء تقريباً على أرض الواقع. ويعتقد الأمريكيون أن "إسرائيل" ستسحب قواتها من إحدى منطقتين في جنوب لبنان. إلا أن الوضع في هذه المنطقة لا يزال متوتراً، ويترافق مع ضربات متواصلة يشنها الجيش ال"إسرائيل"ي.

وقد عارض وزير الدفاع ال"إسرائيل"ي يسرائيل كاتس انسحاب القوات ال"إسرائيل"ية من جنوب لبنان، قائلاً: "لم نطلب الإذن من أحد لدخول لبنان، ولسنا بحاجة إلى إذن للبقاء هناك".

وعقد الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعاً مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، بحثا خلاله القضايا الأمنية والوضع في المناطق الجنوبية من البلاد. كما ناقشا تنفيذ الاتفاق الإطاري مع "إسرائيل"، الذي ينص على نشر الجيش اللبناني في ما يسمى بالمناطق التجريبية، بالتزامن مع انسحاب القوات ال"إسرائيل"ية من هذه المناطق.

وتكمن المشكلة في أن الجيش اللبناني الحالي لا يمتلك القدرات الكافية لحماية أراضي البلاد. إذ لا يتجاوز تعداده 70 ألف جندي، ويمتلك في حوزته ما لا يزيد على 120 دبابة و64 طائرة. كما أن لبنان لا يمتلك منظومة دفاع جوي على الإطلاق، ولذلك يبقى عاجزاً أمام القصف ال"إسرائيل"ي. وفي ظل هذه الظروف، فإن تسليم الجيش اللبناني السيطرة على المناطق الجنوبية من البلاد يبدو أشبه بإضفاء الشرعية على حالة الفوضى. لكن البيت الأبيض مستعجل، فترامب يحتاج إلى تحقيق انتصارات سريعة.

وتضع "إسرائيل" شرطاً لانسحاب قواتها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، يتمثل في نزع سلاح حزب الله، التي شاركت في المواجهة المسلحة مع الجيش ال"إسرائيل"ي.

وبعد أن الحرب المستمرة مع "إسرائيل"، يرفض حزب الله مناقشة مسألة نزع سلاحه مع أي طرف. ويتجاوز تعداد عناصره المسلحين تعداد الجيش اللبناني، كما أن تجهيزاته العسكرية أفضل بكثير. وفي الظروف الحالية، اكتسب حزب الله سمعة المدافع الموثوق عن البلاد.

أما الحكومة اللبنانية، فلا تعتزم الدخول في مواجهة مسلحة مع حزب الله، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن مسار نقل جميع الأسلحة إلى سيطرة الدولة. ويتطلب تحقيق ذلك من دون الدخول في صراع مسلح مع حزب الله قدراً كبيراً من المهارة الدبلوماسية. وللبنان تجربة سلبية سابقة في مثل هذا النوع من الصراعات. ولذلك، لا يزال حزب الله يحتفظ بمستوى مرتفع من النفوذ داخل البلاد.

وفي الوقت نفسه، يرى جزء من الطبقة السياسية اللبنانية أن ازدواجية السلطة في المجال الأمني تعرقل حصول البلاد على المساعدات المالية الخارجية. وتقول أوساط رجال الأعمال، والأحزاب المسيحية، وجزء من الطائفة السنية علناً إن السلاح الذي يحتفظ به حزب الله يبقي لبنان في حالة توتر دائم.

ويبدو أن هناك اتجاهاً موحداً للجهود التي ستبذلها القيادة اللبنانية في المرحلة المقبلة: تعزيز الجيش اللبناني، وزيادة الشفافية، والحد من استقلالية الجماعات المسلحة، وإطلاق حوار سياسي تدريجي.

لكن أحداث الأشهر الأخيرة تظهر أن التحرك في هذا الاتجاه يحتاج إلى وقت وموارد لا يملكها لبنان في الوقت الراهن.

ولا يملّ الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، من التأكيد على أن مسألة السلاح ليست مطروحة للنقاش ما دامت "إسرائيل" تحتفظ بوجود عسكري في جنوب البلاد. وبالنسبة إلى حزب الله، فإن التشكيلات المسلحة تمثل عنصراً من عناصر الدفاع الوطني، في حين أن مؤسسات الدولة لا تزال غير قادرة على توفير الردع في مواجهة التهديد القادم من الجار الجنوبي.

ولا يزال الحزب يستند إلى قاعدة اجتماعية متينة في لبنان. ولن تتمكن الدولة من نزع سلاح منظمة تتفوق في تسليحها على جيش الدولة نفسها.

ومع ذلك، يواصل الأمريكيون الإصرار على الاتفاقات التي تم التوصل إليهاوقال ماركو روبيو خلال زيارته إلى الكويت: "نتوقع أن تتمكن القوات المسلحة اللبنانية والحكومة اللبنانية الشرعية من بسط سيطرتها وضمان الأمن على مساحة أكبر من أراضيها مستقبلاً. وكلما تمكنت القوات المسلحة اللبنانية من السيطرة على مساحة أكبر من هذه الأراضي، تقلصت المساحة التي ستكون تحت سيطرة حزب الله، وتقلصت بالتالي المساحة التي ستكون "إسرائيل" موجودة فيها داخل لبنان".

وهكذا، يبدو ما يجري اليوم في جنوب لبنان وكأنه محاولة من الولايات المتحدة للتنصل من مسؤوليتها عن أمن "إسرائيل" وإلقاء هذه المسؤولية على عاتق اللبنانيين الهشّة، الأمر الذي سيؤدي، حتماً، إلى انفجار جديد.