فخ الوصاية: اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين الواقعية والمخاطر
ما يجري اليوم ليس خيارًا وطنيًا مثاليًا ولا مسارًا مكتمل الشروط، بل هو واقع فرضته الحرب وموازين القوى. التعامل معه يجب أن يكون بوعي سياسي لا بأوهام، وبحذر وطني لا بخوف مشلول.
-
الأولويات الوطنية الثلاث: الصمود والهوية والحياة.
أثناء قراءتي لتصريح البيت الأبيض حول تشكيل "مجلس السلام"، وتفحّصي لأسماء أعضائه، توقفت عند مسمّى المندوب السامي لغزة (نيكولاي ميلادينوف).
هذا المسمّى استدعى مباشرة إلى الذهن تجربة الانتداب البريطاني على فلسطين، وصورة المندوب السامي الأول هربرت صموئيل، الذي قُدِّم آنذاك بوصفه ممثلًا لبريطانيا العظمى و"العالم الحر" وعصبة الأمم، لمساعدة الفلسطينيين على بناء دولة حديثة بعد الحكم العثماني، قبل أن تنتهي تلك المرحلة بنكبة عام 1948 وتهجير غالبية الشعب الفلسطيني من أرضه.
لسنا أمام تكرار حرفي للتاريخ، لكن من الصعب تجاهل أن المشروع الصهيوني لم يغيّر جوهره: السيطرة على الأرض وتفريغها من أهلها، وإن تبدّلت الأدوات والعناوين. من هنا، يصبح من الضروري قراءة أي صيغة سياسية جديدة لا من زاوية نياتها المعلنة فقط، بل من زاوية أثرها المباشر على الوجود الفلسطيني على أرضه وحقوقه الوطنية. إن اختيار شخصية مثل ميلادينوف، الدبلوماسي الأممي السابق، وتعيينه "مندوباً سامياً" كحلقة وصل بين "مجلس السلام" واللجنة الوطنية، يعززان فكرة تدويل الوصاية على القطاع، ويؤكدان أننا أمام ترتيبات إقليمية ودولية لا تهدف بالضرورة إلى تمكين القرار الوطني المستقل.
الأولويات الوطنية الثلاث: الصمود والهوية والحياة
في هذا السياق، تبرز الحاجة الفلسطينية إلى إعادة ترتيب الأولويات. إن البقاء شرط سابق لأي مسار سياسي، وعليه، فإن الأولوية الأولى هي تثبيت الناس في أرضهم. الثانية هي اغتنام أي فرصة واقعية لتحسين شروط الحياة في غزة، وزراعة الأمل، وتعزيز إرادة النضال من أجل نيل الحقوق الوطنية، في مجتمع أنهكته الحروب والحصار.
أما الثالثة، فهي حماية الهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها العنوان الجامع، في لحظة تتعرض فيها هذه الهوية لمحاولات تهميش وتفكيك متعمّدة، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب يسعى لتقرير مصيره، إلى مجرد مسألة إنسانية لأناس يبحثون عن مأكل ومشرب ومسكن. الرهان في كل ذلك يبقى على الشعب الفلسطيني نفسه: صموده، ووعيه، وتمسكه بأرضه وهويته.
الإعمار: معركة سياسية لا ملف تقني
إعلان بدء المرحلة الثانية، ثم الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة علي شعث، يشكّلان تطورًا سياسيًا مهمًا، رغم ما يحيط بهما من غموض وأسئلة مشروعة. هذه الأسئلة لا تلغي حقيقة أن ما يجري هو انتقال إلى صيغة جديدة لإدارة واقع شديد التعقيد فرضته الحرب وموازين القوى.
العنوان المركزي في المرحلة المقبلة فلسطينيًا هو الإعمار، وهو ليس ملفًا تقنيًا أو إنسانيًا فحسب، بل قضية سياسية بامتياز. نجاح هذا الملف مرتبط أولًا بقدرة الولايات المتحدة على إلزام "إسرائيل" بالانسحاب من قطاع غزة، وبدء الإعمار في كامل الجغرافيا الغزية، وثانيًا برفع الحظر عن إدخال متطلبات الإعمار والتعافي المبكر، من كرفانات ومواد بناء وبضائع أساسية يحتاجها الناس للبقاء، لا للرفاه. إن الخطة المعلنة تتحدث عن إعمار بتكلفة تقديرية بـ 53 مليار دولار على مدى خمس سنوات، وهي أرقام ضخمة تضع الملف في قلب التجاذبات السياسية الدولية.
اللجنة الوطنية: بين الواقعية والمخاطر
من حيث المبدأ، يمكن النظر إلى هذه الخطوة كبداية قابلة للبناء إذا أُديرت بحس وطني واقعي، وبلا أوهام. غير أن ذلك يتطلب إدراك طبيعة البيئة التي ستعمل فيها اللجنة: صلاحيات محدودة، وتعدد جهات مؤثرة، وفي مقدمتها "إسرائيل"، التي ستسعى بكل الوسائل إلى إفراغ المرحلة الثانية من مضمونها أو توجيهها بما يخدم مصالحها الخاصة فقط.
لهذا السبب، فإن رفع سقف التوقعات الشعبية من اللجنة لن يكون في مصلحتها، بل قد يحمّلها ما لا تملك أدواته. المطلوب منذ البداية مصارحة الناس: هذه خطوة ضرورية ومبشّرة نسبيًا، لكنها ليست حلًا شاملًا، ولا تملك مفاتيح كل أزمات غزة المتراكمة.
إن التعامل مع هذه الخطوة يتطلب وعياً كاملاً بالفرق بين الوعود المعلنة والمخاطر الكامنة. فبينما تهدف هذه الترتيبات إلى إعادة الإعمار وتوفير متطلبات الحياة، يكمن الخطر في تحويل الإعمار إلى أداة للضغط السياسي أو ربطه بشروط سيادية، مثل نزع السلاح.
وبينما يُعلن عن الانتقال إلى صيغة جديدة لإدارة القطاع، فإن الخشية الحقيقية هي تحول الإدارة المؤقتة إلى وصاية دائمة تفرغ القرار الوطني من مضمونه. كما أن محاولة توحيد الجهود الفلسطينية عبر ربط اللجنة بالسلطة قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بسبب غياب التوافق الوطني الشامل أو فرض أسماء غير متفق عليها. والأهم، أن فتح أفق سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية قد يتحول إلى مجرد تحويل للقضية إلى مسألة إنسانية وتثبيت الأمر الواقع من دون أفق سياسي واضح.
القرار الوطني على المحك
جوهر أي جهد سياسي أو إداري في هذه المرحلة يجب أن يظل واضحًا: تثبيت الفلسطيني في أرضه. الخطورة الحقيقية اليوم ليست في شكل الإدارة، بل في احتمال فقدان القرار الوطني من دون ضمانات واضحة، في سابقة نادرة بتاريخ حركات التحرر الوطني، حيث يُقبل بالوصاية تحت ضغط الواقع، لا في سياق تحرر مكتمل الشروط.
إن التحدي الأكبر يكمن في التناقض الجوهري بين ضرورة "تعزيز إرادة النضال" وبين ما تضمنته الخطة الأميركية المعلنة للمرحلة الثانية من شروط صريحة لـ "نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى"، إضافة إلى الإشارة إلى نشر "قوة استقرار دولية" لمراقبة الحدود وتدريب الشرطة الفلسطينية. هذه الشروط تعزز فكرة الوصاية وتضع القرار الوطني في مأزق حقيقي.
ومن هنا تفرض نفسها الأسئلة الجوهرية التي لا يمكن تجاوزها، والتي يجب أن تكون معايير للمراقبة الشعبية والوطنية:
1. من يملك القرار الحقيقي؟ هل اللجنة الوطنية هي صاحبة القرار أم أنها مجرد واجهة لإدارة تفرضها قوى خارجية (مجلس السلام) وإقليمية؟
2. هل المرحلة الانتقالية محددة بسقف زمني وخارطة طريق واضحة؟ أم أنها مفتوحة بلا أفق سياسي، ما يهدد بتحويل "إدارة الأزمة" إلى بديل دائم عن "حلّها"؟
3. هل تمهّد هذه الصيغة لإعادة وحدة سياسية وحكومية وجغرافية للوطن؟ بما يتيح استعادة مسار سياسي دولي يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية، أم أنها تكرس الانفصال الجغرافي والسياسي؟
ومن الجدير بالإشارة أن غالبية القوى الفلسطينية، بمن فيهم معارضو السلطة، يدفعون باتجاه ربط اللجنة بالسلطة الفلسطينية. وهذا يضع مسؤولية خاصة على السلطة، بأن تتعامل مع هذه اللحظة بوصفها فرصة وطنية، لا مجرد ترتيب إداري، وأن تبني عليها في اتجاه المصالحة الوطنية الشاملة، بما فيها المصالحة الفتحاوية الداخلية، لتجاوز تحديات الانقسام.
في المحصلة، ما يجري اليوم ليس خيارًا وطنيًا مثاليًا ولا مسارًا مكتمل الشروط، بل هو واقع فرضته الحرب وموازين القوى. التعامل معه يجب أن يكون بوعي سياسي لا بأوهام، وبحذر وطني لا بخوف مشلول. تشكيل اللجنة وإطلاق المرحلة الثانية يمكن أن يكونا مدخلًا لتثبيت الناس في أرضهم، أو بوابة جديدة لتآكل القرار الوطني، والفارق بين الاحتمالين هو كيفية إدارة هذه المرحلة، ومدى جدية المجتمع الدولي في إنجاحها.
الاختبار الحقيقي ليس في الأسماء ولا في العناوين، بل في النتائج: هل تحمي هذه الصيغة الوجود الفلسطيني على أرضه؟ هل تفتح أفق حياة كريمة من دون ثمن سياسي يمسّ الهوية والحقوق؟ وهل تبقى خطوة انتقالية محددة بسقف زمني وخارطة طريق واضحة، تقود في نهاية المطاف إلى دولة فلسطينية مستقلة، لا إلى وصاية دائمة؟ إذا لم تُضبط هذه المرحلة بهذه المعايير، فإن الخطر لن يكون في تعثر الإعمار أو فشل لجنة، بل في تحويل إدارة الأزمة إلى بديل عن حلّها، والوصاية إلى وضع دائم. أما إذا أُديرت بوعي ومسؤولية، فقد تتحول — رغم محدوديتها — إلى فرصة حقيقية لحماية الناس، وتحصين الهوية الوطنية، وإعادة بناء الحد الأدنى من القرار الفلسطيني المستقل.