فاطمة فتوني وعلي شعيب… هذا الجنوب الذي يكتب نفسه بالعدسة

فاطمة وعلي ومحمد لم يغادروا، بل صاروا جزءًا من الحكاية التي لم يعد يمكن إخفاؤها، حكاية تُكتب كل يوم، وتُقال ببساطة: نحن هنا. 

0:00
  • فاطمة فتوني وعلي شعيب.. الكاميرا حين تُصبح هدفاً.
    فاطمة فتوني وعلي شعيب... الكاميرا حين تُصبح هدفاً.

لم تكن فاطمة وحدها. ولا كان علي شعيب وحده يومًا. في هذا الجنوب، لا يمشي الصحافي باسمه. يمشي باسم أرضٍ كاملة، باسم شجرة تعرف صاحبها، وباسم حجرٍ لا يُزاح من مكانه، وباسم طريقٍ يعرف من مرّ عليه ومن سقط.

فاطمة لم تكن تذهب إلى الحدث. كانت تعود إليه. كأن الجنوب يستدعي أبناءه، واحدًا واحدًا، ليقفوا في المكان الذي يشبههم. كانت تمشي بالكاميرا، لكن الكاميرا لم تكن بيدها فقط. كانت في عينيها. في نبرتها. في الطريقة التي ترى بها الأشياء. لا كما تُقال، بل كما هي.

وعلي شعيب، منذ الطلقة الأولى، لم يكن مراسلًا يقف على الهامش، كان داخل الجملة وجزءًا منها. يكتبها ويُكملها ولا يسمح لها بأن تُحذف.

أعلن التحرير وبقي بعده، كأن التحرير لا يُعلن مرة واحدة، بل يُحرس كل يوم.


الميكروفون بينهما لم يكن أداة عمل، بل كان موقفًا. وفي مكانٍ كهذا، الموقف يُرى، وما يُرى، يُستهدف.

في جزين، لم تُقصف صورة. قُصفت عين. فاطمة رأت، وهذا كان كافيًا.

الطيبة… حين يخرج التراب من اسمه

من الطيبة، حيث لا تُربّى الأشياء على الخوف بل على الوقوف. هناك، لا يسألك أحد: من أنت؟ يكفي أن تمشي لتُعرف أنك من هنا.

البيوت منخفضة، لكن الكرامة عالية والطرقات ضيّقة لكن الخطى واسعة. والأسماء لا تُقال بل تُحمل.

فاطمة لم تكن تنتمي إلى الطيبة. كانت الطيبة بشكلٍ آخر، فيها شيء من ترابها: صلابة لا تُعلن نفسها وهدوء لا يعني الاستسلام وصبر يشبه انتظار المطر من دون شكوى. كانت تعرف أن هذه الأرض لا تعطي أبناءها طريقًا واحدًا، تعطيهم طريقين: إما أن تمشوا عليها أو تُحملوا إليها.

ومع ذلك، اختارت أن تمشي، لم تكن تبحث عن صورة، كانت تبحث عن معنى، عن لحظة تقول فيها: "هذا ما يحدث… كما هو".

وفي الجنوب، أن ترى كما هو، ليس أمرًا بسيطًا. هو انحياز، هو موقف، هو خطر. لهذا، حين حملت الميكروفون، لم تكن تغطّي حدثًا بل كانت تقول: “أنا من هنا… وأرى"، وهذه الجملة، في هذه الأرض، ليست جملة بل هي سيرة كاملة.

محمد… الاسم الذي لم يكن في الخبر

كان معها. كما يكون الأخ دائمًا قريبًا بما يكفي ليُرى وبعيدًا بما يكفي ليُختصر. الأخبار لا تتّسع للجميع. تبحث عن اسمٍ واحد وصورةٍ واحدة وقصةٍ تُروى بسرعة. لكن الحياة ليست كذلك والموت أيضًا.

محمد لم يكن تفصيلًا في الخبر ولم يكن "مرافقًا" بل كان جزءًا من اللحظة ومن المعنى. كان هناك، لا ليظهر بل ليكون مثل كثيرين في هذا الجنوب، لا يُكتبون لكنهم يحملون النصّ كلّه.

وقف بجانبها، لا كظلّ، بل كامتداد وحين جاءت الضربة لم تختر اسمًا دون آخر ولم تفرّق بين من يحمل الكاميرا ومن يقف أمامها. ارتقيا معًا. كما عاشا من دون ضجيج.

لكن الفقد لا يختصر، البيت الذي فقد اثنين، لا يقرأ الخبر كما نقرأه، لا يرى “واقعة” بل يرى فراغًا. كرسيين فارغين. صوتين غائبين. وحياةٌ انقسمت إلى ما قبل… وما بعد.

محمد… لم يُذكر كثيرًا لكن الجنوب يعرفه، يعرف أن الأسماء التي لا تُقال، هي أحيانًا الأكثر حضورًا.

الكاميرا… حين تُصبح هدفًا

الاحتلال لا يقتل صدفة بل يختار. يختار أين يُصيب ومتى ومن والكاميرا ليست صدفة في هذا الاختيار، ليست لأنها تُصوّر، بل لأنها ترى. والرؤية في هذه الأرض خطر.

حين تُرفع العدسة يُرفع معها احتمال الحقيقة، وحين تخرج الصورة،يخرج معها شيء لا يمكن إعادته إلى الداخل. لهذا، لا تُستهدف الكاميرا لأنها حاضرة، بل لأنها تُحرج.

هي لا تطلق النار، لكنها تُصيب. لا تدمّر، لكنها تكشف. وفاطمة، لم تكن تقف أمام الكاميرا فقط بل كانت تقف داخلها.

كانت ترى الحقيقة كما هي من دون تعديل، من دون فلتر، من دون إذن، وهذا في منطق الاحتلال جريمة. في جزين، لم تُقصف مهنة بل قُصفت عين.

العين التي لا توافق، العين التي لا تنحاز للصمت، العين التي تقول: “أنا رأيت” والذي يرى لا يُترك. لكن ما لا يُدركه القاتل دائمًا، أن الصورة لا تموت مع صاحبها، تخرج، تنتشر وتبقى، وفاطمة، حين استُهدفت، لم تُطفأ بل صارت أكثر وضوحًا.

علي شعيب… من يكتب ولا يُمحى

في الجنوب، بعض الأسماء لا تُعرَّف. تُعرِّف. علي شعيب ليس مراسلًا فقط. بل كان زمنًا يمشي. منذ الطلقة الأولى، كان هناك. لا ينتظر البيان بل يسبقُه. لم يكن ينقل الخبر، كان يمنعه من أن يُسرق. في لحظة التحرير، لم يكن صوتًا فوق الصورة. كان الصورة نفسها.

أعلن النصر ولكن لم يغادره. بقي بعده، كأن النصر لا يُقال مرة واحدة، بل يُعاد كل يوم كي لا يُنسى. الجنوب بالنسبة له ليس مكان تغطية، هو مكان إقامة. يقف على الحافة، حيث لا يفصل بين الحياة والموت إلا خطوة أو كلمة.

يعرف أن الميكروفون قد يكون أخطر من الرصاصة، وأن الجملة إن وصلت تُربك أكثر مما تُدمّر. لهذا، حين تُستهدف فاطمة وعلي، لا ينكسر الخط، فالخط يمتد. من يدٍ حملت الكاميرا، إلى يدٍ ما زالت ترفعها. من صوتٍ انقطع، إلى صوتٍ يعرف أنه قد يكون التالي… ومع ذلك، يتكلم.

في الجنوب، لا تُكتب الحكاية مرة واحدة. تُورَّث. وعلي شعيب ليس شاهدًا عليها فقط، هو أحد سطورها.

الاحتلال لا يقتل صدفة، بل يختار، يختار من يرى ومن يقول، لأن ما يُخيفه ليس الجسد بل المعنى. حين تُقتل فاطمة لا يُستهدف شخص، بل محاولة إطفاء الحقيقة قبل أن تُروى، لكن هذه الأرض لا تنسى، ولا تقبل أن تُختصر. كل صوت يُغلق يُفتح مكانه صوت آخر، وكل عين تُطفأ تُصبح حضورًا أوسع. فاطمة وعلي ومحمد لم يغادروا، بل صاروا جزءًا من الحكاية التي لم يعد يمكن إخفاؤها، حكاية تُكتب كل يوم، وتُقال ببساطة: نحن هنا. 
 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.