غينيا بيساو: أي مستقبل بعد الانقلاب؟

مستقبل المشهد السياسي في غينيا بيساو مرهون بمدى قدرة القوى الوطنية على استعادة الحوار السياسي، وتحييد الجيش عن الحكم، وإعادة الثقة بالعملية الديمقراطية.

  •  الانقلاب في غينيا بيساو لم يكن مصادفة انتخابية.
    الانقلاب في غينيا بيساو لم يكن صدفة انتخابية.

عادت غينيا بيساو الدولة الصغيرة الواقعة في غرب أفريقيا، مجددا إلى حكم العسكر، فبعد عدة محاولات انقلابية فاشلة، تمكن العسكر من إطاحة الرئيس عمر سيسكو إمبالو، وسط تضارب في دوافع الانقلاب المثير للجدل، ما يؤكد أن البلاد ما زالت أسيرة لدائرة الانقلابات والفوضى السياسية. وبينما كان يُفترض أن تكون المؤسسات الديمقراطية قد ترسّخت بعد التجارب المتكررة، إلا أن ما حدث يكشف هشاشة الدولة، وعمق أزمتها السياسية والأمنية.

الانقلاب العسكري المثير للجدل في غينيا بيساو، والذي أطاح الرئيس عمر سيسكو إمبالو، بات أبرز الملفات التي تشغل الرأي العام الأفريقي منذ أيام، نظراً لما طبعه من غموض وتناقض. والسؤال لماذا وقع الانقلاب بينما كانت البلاد تترقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية في غينيا بيساو؟ وما هي دلالاته وتداعياته وأي مستقبل مرتقب للمشهد السياسي في بيساو؟

بعد ثلاثة أيام فقط من إجراء الانتخابات الرئاسية وفي تطور مفاجئ ودراماتيكي وقع الانقلاب العسكري في وقت كان البيساو غينيون ينتظرون الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت يوم 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

تعددت الروايات التي تجيب عن سؤال لماذا وقع الانقلاب وأُجهضت الانتخابات؟ وتصاعد الجدل بعد تصريحات عدد من المسؤولين ومنظمات المجتمع المدني حول دوافع الانقلاب الحقيقية، ولا سيما بعد وصف رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونغو،  أن ما حدث بـ"الخدعة". وقد اعتبر سونغو أن الانقلاب العسكري الذي أطاح سيسوكو إمبالو، مجرد "خدعة لوقف العملية الانتخابية، وذلك في الوقت الذي كانت فيه نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية على وشك الإعلان".

وهو التوصيف ذاته الذي تبنّاه رئيس وزراء غينيا بيساو الأسبق أريستيدس غوميز بأن الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس منتهي الولاية عمر سيسوكو إمبالو بـ"المدبر". واعتبر أن ما حدث "مسرحية تهدف إلى منع إعلان نتائج الانتخابات"، مضيفا أن اعتقال إمبالو كان الهدف منه جعل "الانقلاب يبدو وكأنه حقيقي".

وقد تعزز الجدل مع تصريحات الرئيس النيجيري الأسبق غودلاك جوناثان، الذي شارك في مراقبة الانتخابات الأخيرة، حيث اعتبر أن ما حدث "انقلاب صوري" رتّبه الرئيس المخلوع نفسه. وقال: "إنها مسرحية أخرجها إمبالو، ونحن في أفريقيا سئمنا هذه الممارسات". وأوضح أن العسكريين الذين اعتقلوا إمبالو هم من مؤيديه، مشيراً إلى أن ما حصل هو خطة دبرها سيسوكو إمبالو لتصفية العملية الانتخابية.

بدورها اعتبرت الجبهة الشعبية وهي من منظمات المجتمع المدني ومقربة من المعارضة، أن ما حصل هو "انقلاب صوري" هدفه "منع نشر نتائج الانتخابات".

أما مبررات العسكر والدفوع في روايتهم التي أعلنها الجنرال البيساو غيني دينيس نكانها، قائد القوة العسكرية الملحقة بالرئاسة، تقول إن دافع لإطاحة نظام الرئيس عمر سيسوكو إمبالو هو "ضمان الأمن على المستوى الوطني وأيضاً استعادة النظام". وتحدث الجنرال نكانها في بيان، عن اكتشاف "الاستخبارات العامة خطة لزعزعة استقرار البلاد بمشاركة تجار مخدرات محليين"، مؤكدا "دخول أسلحة إلى البلاد بهدف تغيير النظام الدستوري".

يُذكر أن غينيا بيساو منذ استقلالها عن البرتغال أيلول/ سبتمبر 1974 شهدت أكثر من 10 انقلابات ومحاولات انقلاب. ودائماً كان الجيش لاعبًا أساسيًا في الحياة السياسية، ما جعل تداول السلطة الديمقراطي هشًّا، ومشروطًا برضى العسكر أو توازنات القوى داخل المؤسسة الأمنية.

الانقلاب الأخير جاء في ظل توترات بين الرئيس عمر سيسوكو إمبالو وبعض وحدات الجيش، وفي سياق اتهامات متبادلة بالفساد والتقصير في الحكم. ورغم نفي بعض الأطراف وجود "انقلاب كامل"، فإن الأحداث على الأرض تُظهر أن الشرعية الدستورية باتت مهددة.

الذهاب إلى الانتخابات جاء في ظل غياب التوافق، وقد كان موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية محلًّا للخلاف والجدل بين القوى والأحزاب السياسية المختلفة في غينيا بيساو؛ كانت القوى المعارضة للرئيس "سيسكو" ترى أن موعد انتهاء ولايته الرئاسية الأولى التي استمرت لمدة 5 سنوات، محدد في تاريخ 27 شباط/ فبراير 2025م، بينما كان الرئيس سيسكو يرى أن موعد انتهاء فترة ولايته في تاريخ 4 أيلول/سبتمبر 2025م.

وعندما أعلنت حكومة غينيا بيساو في كانون الثاني/ يناير 2025م عن رغبتها في تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في وقتٍ واحد خلال شهري تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2025م، اعترضت أحزاب المعارضة كذلك على هذا الموعد، معتبرةً اقتراح الحكومة غير قانوني وغير ملزم، غير أن الرئيس “سيسكو قام بإصدار مرسوم رئاسي في آذار/ مارس 2025م حدَّد فيه موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025م، وذلك رغم رفض أحزاب المعارضة لهذا التاريخ ومقاطعتها اجتماع الرئيس وإصدارها بيانًا أعربت خلاله عن كون المرسوم الرئاسي باطلًا، رافضين المشاركة في عمليات الحوار.

بغض النظر عن تعدد الروايات المُفسرة لانقلاب غينيا بيساو سواء كان ما حدث مدبراً أم مجرد مسرحية، أم انقلاباً حقيقياً للعسكر، فإننا أمام حدث أُلغيت بموجبه عملية انتخابية طال انتظارها؛ وأُجهضت تجربة يُفترض أن تكون ديمقراطية، واعادت العسكر إلى  واجهة المشهد السياسي والتحكم في مفاصل البلاد، وهو حدث يعني في دلالاته وتداعياته ما يلي: 

- جميع الانقلابات التي عرفتها غينيا بيساو سواء الناجحة منها أم الفاشلة كانت تسيل فيها الدماء في صفوف القيادات العسكرية المستهدفة أو الشخصيات الرسمية المدنية أو حتى المواطنين العاديين، وبالتالي الانقلاب في بيساو ليس حدثاً جديداً، بل هو جزء من المشهد السياسي في البلاد، ولكن في الانقلاب الأخير لم يُرق أي دم وهذا يرجّح فرضيّة أن الانقلاب قد يكون مدبراً. والمتغير الجديد عن الانقلابات السابقة، هو أن هذا الانقلاب جاء في وقت كانت تتنظر فيه البلاد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

- بدلاً من أن تكون الانتخابات أداة للتحول الديمقراطي المُفضي إلى  الاستقرار السياسي أصبحت مدعاة لتدخل العسكر والانقلاب واستباق الإعلان عن النتائج الرسمية، وفي غينيا بيساو كان الذهاب إلى الانتخابات جزءاً من الإعلان عن الأزمة السياسية؛ ذلك أن المعارضة حُرمت المشاركة في الانتخابات، ما جعل الانتخابات تُنظَّم في جو مشحون من عدم الثقة السياسية. إضافة إلى غياب الشفافية واستباق إعلان النتائج رسمياً، فكلٌّ من المعارضة والنظام الحاكم أعلنا فوزهما في الانتخابات قبل أن تعلن النتائج، وبالتالي الصدام كان وراداً جداً.

- تدفع الحيثيات الحاصلة إلى أن تجربة الانتخابات أُجهضت وانتهت، ذلك أن العسكر في بيساو ماضون في بسط سيطرتهم على السلطة، عينوا رئيساً انتقالياً منهم، وشكلوا حكومة، وسيواصلون تنفيذ أجندتهم في الحكم؛ بغض النظر عما إذا كانوا قد استولوا عليها بالقوة، أو بالتفاهم مع الرئيس السابق عمرو سيسوكو إمبالو. وما يُقال بأنه مرحلة انتقالية سيصبح مرحلة دائمة. وهذا يعني فقدان الناخب الثقة بأي عملية انتخابية ديمقراطية لاحقة، وقد تمتد هذه الفرضية إلى دول أفريقية مجاورة تخطو خطواتها الأولى نحو التحول الديمقراطي.

- ما حدث في غينيا بيساو يعني ضعف مؤسسات الدولة وافتقارها إلى الاستقلالية، ويجعل نزاهة الانتخابات وترسيخ الديمقراطية عرضة للتشكيك، في المقابل، يعزز ثقافة الانقلابات ويقدم العسكر كخيار بديل وحل مُِتاح وحامٍ للنظام وداعم للاستقرار، يتحكم في المشهد السياسي بكل تفاصيله، بذريعة أن الانتخابات سبب للفوضى.

- انقلاب غينيا بيساو ليس منعزلاً عن موجة الانقلابات في غرب ووسط أفريقيا، ولا سيما في الدول التي تعاني ضعف مؤسسات الدولة، وبالتالي قد تتدحرج تبعاته إلى الدول المجاورة، ويُضاف إلى سلسلة من الانقلابات في الساحل وغرب أفريقيا (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، ما يُشير إلى تراجع الديمقراطية في المنطقة.   

ختاماً، الانقلاب في غينيا بيساو لم يكن صدفة انتخابية، أو مؤامرة مدبرة، بل نتيجة حتمية لمجموعة معطيات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعي، تقاطعت فيها المصالح الشخصية والمصالح الاقتصادية في بنية هشة وبيئة رخوة ومؤسسات ضعيفة سمحت بتقدم العسكر. 

وعليه يبقى مستقبل المشهد السياسي في بيساو مرهوناً بمدى قدرة القوى الوطنية على استعادة الحوار السياسي، وتحييد الجيش عن الحكم، وإعادة الثقة بالعملية الديمقراطية. وإلا، فإن غينيا بيساو ستبقى نموذجًا لدولة لا تعرف الاستقرار إلا مؤقتًا، ولا تغادر مربع الأزمات والانقلابات إلا لتعود إليه.