عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: سراب التنمية

التنمية بصيغتها المهيمنة تكرّس تبعية الجنوب وإثراء الشمال، فيما يبدأ التحرّر بكسر منظومة الهيمنة وبناء السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

0:00

سيتضمّن هذا البحث العناوين الآتية:

مقدمة. 

1-    لماذا التنمية مفهوم ونموذج خطير واستعماري؟ 

-        بعض أدوات السيطرة على التنمية

-        برامج التكيّف الهيكلي.

-        مؤسسات التبعيّة.

-        خلاصة: التنمية ليست مجرّد سياسة اقتصادية، بل ساحة صراع.  

2-    الاستعمار والرأسمالية المتوحّشة والتنمية طبقات لبنية واحدة. 

-        التقسيم العالمي للتراكم التاريخي لرأس المال، والعلم، والعمل.

-        شرق آسيا ليس مجرّد ملجأ للنموذج الرأسمالي المتوحّش.

-        تطوّر مفهوم التنمية مع مراحل تطوّر الاستعمار والرأسمالية المتوحّشة.

-        الوسائل الأساسية لإفقار الجنوب.

3-    إفقار الجنوب شرط لإغناء الشمال. 

-        التدفّقات المالية. مَن يموّل مَن؟

-        التبادل اللامتكافئ.

-        نهب الموارد والتدفّقات القسرية.

-        الجذور التاريخية ليست صدفة وانتهت.

-        فخّ الديون.

4-    هل هناك حتمية مطلقة وقدر نهائي.

-        البدائل والمرتكزات.

-        الخروج والقطيعة.

عرفت دول ما يُسمّى بـ"العالم الثالث" أو البلدان الفقيرة والمستعمَرة، مفهوم التنمية ونماذج مختلفة منه في القرن العشرين. رغم أنّ إشكاليات تطوّر أو إفقار البلدان المستعمَرة قد طُرحت قبل ذلك بصيغ متعدّدة. لكنّ مفهوم التنمية قد طُرح كنموذج على هذه البلدان في القرن العشرين وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية. وإننا انطلاقاً من أنّ الاستعمار القديم والجديد، أو منظومة الهيمنة قد هيكلت العالم كلّه تحت قيادتها. لذلك نعتبر أنّ مفهوم التنمية وتجاربها هي في الأساس جزء من منظومة الهيمنة. وهي جاءت لإحكام السيطرة على العالم وكيفية إدارته، وليس لتطوير البلدان المستعمَرة. لهذا تفشل نماذج التنمية في معظم هذه الدول، ولهذا هناك تجارب وسطية تظهر وتختفي لتؤدّي أدواراً لا يمكن فهمها من دون فهم شمولية المنظومة العالمية. ولهذا نتفق مع الرأي القائل بأنّ تقدّم وتطوّر الغرب، لم يأتِ كنتيجة حتمية لمنطق التاريخ.    

فالنظام الاقتصادي/الاجتماعي، والنظام العبودي، والنظام الإقطاعي، والنظام الرأسمالي، والنظام الاشتراكي أو الشيوعي، أو النظم التنموية، لم تكن فعلاً أنظمة؟ بل هي إدارات ومنظومات تحملها دوافع ذاتية وليست موضوعية؟ فالنظام System بالتعريف الأولي له، هو كلّ ما يتعاقب بانتظام خارج وعينا، ويستطيع الإنسان بوعيه وتفكيره وتجاربه أن يستثمره ويستفيد منه لمصلحته. لهذا هناك فارق بين النظم الطبيعية من جهة والنظم الاقتصادية والمجتمعية من جهة أخرى. ففي الأخيرة لا توجد دورة طبيعية تفرض نفسها خارج وعي الإنسان. بل الإنسان وقراراته هو مصدر حركتها وتوقّفها. مع التحفّظ أنّ حركة الإنسان والجماعات البشرية على المدى الطويل قد تكون لها حركة تعاقب منتظمة. فاليد الخفية لآدم سميت، أو الحتمية التاريخية لكارل ماركس لم تبرهن عن نفسها. لا في خروج الرجل الأبيض مستعمراً ومسخّراً العالم كله لمصلحته. ولا في قيام الرأسمالية العالمية بشقّيها المتقدّم والمتخلّف. 

لهذا نُظر للنظم الاقتصادية المتعاقبة باعتبارها أنظمة شمولية حتمية في مساراتها. تجري خارج وعي الإنسان في نشأتها وصعودها وانهيارها. بينما هي –بحسب وجهة نظر مغايرة- مجرد أنماط إدارة خاصة ومحدودة. يديرها الإنسان –أو بالأصح فريق محدود - لتحقيق مصالح خاصة. وبحسب دراساتنا فإنّ "الرأسمالية" مثلاً ارتبطت ارتباطاً عضوياً بالاستعمار والنهب. ولا يمكن فهم شموليتها، أو عالميتها بمعزل عن عملية الاستعمار والنهب. أي إنها تلازمت مع العملية المتوحّشة التي قام بها في القتل والاستباحة والإبادة والاستيطان. وتدمير كل ما عداه، ليبقى هو السيد السائد. وهي عملية تجري بكلّ إدراك ووعي.

وإنّ الرأسمالية بسياقاتها التاريخية لم تتطوّر فقط في نيويورك ولندن وباريس و"تل أبيب" وغيرها من مراكز متقدّمة. بل تطوّرت أيضاً في بيجين ونيودلهي والقاهرة وأديس بابا وهافانا وطهران وغيرها من مراكز مستعمَرة وفقيرة. فما دام العالم توحّده منظومة مهيمنة واحدة، فهناك ترابط بين العالم المتقدّم والعالم المتخلّف. أو اصطلاحاً الشمال والجنوب. فالجنوب جزء من المنظومة، وضرورة لتغذية تقدّم ونهضة الشمال. والشمال قمة النظام وحاكميته، وهو من يسيطر في نهاية التحليل على السياسات الأساسية للجنوب. وإنّ مفهوم التنمية هو النموذج للاقتصاديات التابعة في جوهرها لمنظومة الهيمنة العالمية. وهو ما سنحاول إلقاء بعض الضوء عليه في هذا البحث. 

أولاً: لماذا التنمية مفهوم ونموذج خطير واستعماري:

التنمية Development في صيغتها المهيمنة، ليست مفهوم تحرّر. إنها آلية تبعيّة. إنها الآلية التي تمثّل الطُعم الذي به يتمّ صيدنا، وضبطنا، واستغلالنا. إنها تحوّلت الى تقنية إدارة التبعيّة. ولقد تبلور ذلك وتمّ تبنّيه رسمياً في الخطاب الافتتاحي لولاية رئاسية ثانية للرئيس الأميركي هاري ترومان في 20 كانون الثاني/يناير 1949. وتحديداً بطرحه "برنامج النقطة الرابعة". قسّم ترومان العالم علناً الى مناطق "متقدمة Developed" وأخرى "متخلفة Underdeveloped"، وجعل الغرب النموذج والمقياس. وبهذا التوصيف أصبح للمفهوم نماذج تطبيقية تعنى بنظريات "التنمية". فروّجت نظريات أنّ على الدول الفقيرة أن تمرّ بمراحل تحاكي فيها الغرب، متجاهلة تاريخ الاستعمار ونهب الثروات. لتقول للعالم الخارج من الاستعمار، لم تنل استقلالك الحقيقي، بل دخلت مرحلة "التخلّف" وعليك أن تلحق بالركب العالمي. ونحن من يعرّف اللحاق؟ ومن يقيسه؟ ومن يشرف على التمويل؟ ومن يضع الشروط؟ 

فباتت التنمية تعني نظرياً وعملياً بالنسبة للجنوب، اللحاق بالشمال والغرب. وتعني قياس شعوب ومجتمعات البلدان المستعمرة السابقة (الجنوب) بمعايير أحادية، وفرض شروط خارجية. إنها، تجديد الاستعمار، لكن بأدوات ناعمة وزرع الأوهام والأحلام، التي ستكتشف الأجيال المتعاقبة في هذه البلدان، أنها تركض وراء سراب لن يتحقّق، ما لم تكسر هذه الدورة المفرغة القاتلة التي وضعت فيها.

تنبيه مهم: لا بدّ من تأكيد نقطة مهمة طالما يقود تجاهلها الى نقاش خارج الموضوع، فعندما نتكلم عن الاستعمار ونظام الهيمنة، فنحن لا نتكلم عن أمور عرفتها الشعوب في كل وقت وزمان. كالاحتلال، أو الحروب، أو الغزوات، التي وإن كانت ترافق الاستعمار لكنها ليست الاستعمار. فالاستعمار له صفة أساسية يتميز بها في تاريخ البشرية كلها. وهي بناء منظومة عالمية فيها قطبان موجب وسالب، لا بدّ منهما. الأول تمثّله حاكمية عالمية مقتدرة، من أقلية من الدول والشعوب التي تثرى وتتقدّم. والثاني تمثّله الأغلبية المحكومة من الدول والشعوب التي تستنزف وتفقر وتتخلّف. أقلية مهيمنة، تحكم –مباشرة أو غير مباشرة، بوسائل عنفية أو سلمية، بالقناعات أو الإملاءات. وأيّ تحليل أو بحث لا يضع هذه الحقيقة أمامه، عند بحث شؤون الدول والشعوب المحكومة، سيفتقد العنصر الأساس لعلمية وموضوعية التحليل والبحث.

فتغلب العوامل الداخلية كتخلّف العقل أو ضغط الموروثات أو طبيعة الشعوب المتخلّفة. التي قد يكون بعضها صحيحاً. لكنها في كلياتها هي إفرازات الهيمنة الاستعمارية. بكلّ أبعادها الاقتصادية والسياسية والأمنية والمؤسساتية والقيمية. لهذا كتبنا في بحث في ثمانينيات القرن الماضي، ووجد رواجاً معيّناً، بعنوان "الاستبداد الشرقي، دولة الغرب في الشرق". وحاضرنا في مؤتمر فلسطين الثاني الذي أقيم في كانون الأول/ديسمبر 1990 في الولايات المتحدة محاضرة بعنوان "النظام الدولي الجديد". وكان ذلك في مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود نظام الهيمنة الأحادي. وشرحنا ما أسميناه انتصار نظام الهيمنة على صعيد بناه الفوقية، وتراجعه، وضرورة ترقّب انهياره على صعيد بناه القاعدية.  

1-   بعض أدوات التنمية للسيطرة على بلدان الجنوب

 إذ تم تطوير الكثير من النظريات في سياق العلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع. لتشكّل الإطار الفكري للسياسات الاستعمارية، قديمها وجديدها. وهذه أبرزها بحسب سياقها التاريخي والوظيفي.

أ‌-      نظريات التبرير الاستعماري الكلاسيكي (القرن التاسع عشر  ومطلع القرن العشرين).

- الدور "الأخلاقي" للرجل الأبيض: مفهوم سوسيولوجي وثقافي روّج لفكرة أنّ الشعوب غير الأوروبية "متأخّرة" وتعيش في "همجية". وأنّ من واجب الدول الغربية الرأسمالية "تمدينها" وتطويرها وهو ما برّر استعمار ونهب ثروات الجنوب تحت غطاء إنساني.

- الداروينية الاجتماعية: تطبيق لنظرية التطوّر في المجال الاجتماعي كـ"البقاء للأقوى". واعتبرت أنّ المجتمعات الغربية هي "الأقوى والأكثر تطوّراً"، وبالتالي فإنّ سيطرتها على المجتمعات الأضعف في الجنوب هي "قانون طبيعي" للتفوّق والبقاء. 

ب‌-  نظريات التنمية والهيمنة بعد مراحل الاحتلال والانتداب (منتصف القرن العشرين).

نظرية التحديث: صاغها مفكّرون أميركيون مثل والت روستو في كتابه "مراحل النمو الاقتصادي". معتمدة نظرية أنّ التطور يسير في خط مستقيم واحد. وأنّ على دول الجنوب -لتحقيق التقدّم- السير حرفياً على خطى الغرب (التصنيع، الليبرالية، إضعاف التقاليد، إلخ). واعتبرت هذه النظرية تخلّف الجنوب مشكلة "داخلية"، بسبب ثقافته وبناه التاريخية وتشبّثه بالماضي. متجاهلة تماماً أعمال الهدم المدمّرة لحضارات كانت أرقى من الدول الاستعمارية عند بداية خروجها، واستبدالها بالبنى الاستعمارية التي غرستها والتي قادت إلى تخلّف وانسداد تطوّر هذه البلدان.

صحيح أنّ هذه النظريات اعتمدت النظريات الكلاسيكية التي سمّيت "رأسمالية" كما تطوّرت قبل القرن العشرين (آدم سميت، ريكاردو، جون ستيورت ميل، كارل ماركس، إلخ). والتي طُوّرت في القرن العشرين من قبل "جون مينارد كينز" و"ميلتون فريدمان" وغيرهما. لكنها في الحقيقة أخفت الجانب المتوحّش للمنظومة الاقتصادية وهو الجزء الأهم. فالمنظومة المهيمنة في مراكزها كانت تخفي الفوضى والوحشية في استغلال الجنوب والمستعمرات، بينما كانت الفوضى والوحشية في الجنوب والمستعمرات هي الزخم والقوة الأعظم لتوفير الشروط لاستقرار وتقدّم النظام في المراكز الغربية وفي بلدان الشمال.

ج-  دور المؤسسات الدولية في إلحاق الجنوب:

عملت سلسلة المؤسسات الدولية خصوصاً بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية على دمج الجنوب بهيكلية المنظومة العالمية. وذلك باستخدام مفاهيم "المجتمع الدولي" و"القانون الدولي" لإجبار دول الجنوب على الانضمام إلى منظومة عالمية صمّمتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. مما جعل قواعد اللعبة الاقتصادية تصبّ دائماً في مصلحة المركز الغربي، أو الشمالي.

د-  مفاهيم "الرأسمالية" الحديثة والعولمة (أواخر القرن العشرين وحتى اليوم)

 وهو ما يفسّر التشوّهات المخالفة لتقديرات وتوقّعات المؤسسين الكلاسيكيين في مآلات الأنظمة التي تكلّموا عنها سواء "الرأسمالية" أو "الاشتراكية".

- الليبرالية الجديدة Neoliberalism: وهي نتاج مدرسة شيكاغو الاقتصادية لـ"ميلتون فريدمان". والتي اعتمدت على مفاهيم أكاديمية مثل "السوق الحر المطلق"، و"خصخصة القطاع العام"، وتقليص دور "الدولة"، والهيمنة على أيّ اقتصاد موازٍ غير مسيطرٍ عليه. وقد فُرض هذا النموذج على الجنوب. عبر ما يسمّى "إجماع واشنطن" Washington consensus كشروط مسبقة للحصول على قروض، مما أدى الى تفكيك الاقتصاديات الوطنية وفتح أسواق الجنوب أمام الشركات عابرة القارات.

- الاعتماد المتبادل المعقّد: مفهوم في العلاقات الدولية طوّره "جوزيف نأي وروبرت كوهين" في كتابهما المشهور في سبعينيات القرن الماضي (القوة والاعتماد المتبادل Power and Interdependence)، والذي يروّج لفكرة أنّ العولمة جعلت الدول مترابطة، ولا تستغني عن بعضها. لكن في الواقع، يتمّ استخدام هذا المفهوم لدفع دول الجنوب لدمج اقتصادها –كأطراف لتوفير المواد الخام والعمالة الرخيصة- مع اقتصاد الشمال كمركز للتكنولوجيا ورأس المال. وأنّ هذا هو أمر حتمي ومفيد، بينما هو في الحقيقة يكرّس التبعية.

2- برامج التكيّف الهيكلي:

هدفت هذه الآلية خصوصاً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي الى تحويل الاقتصاد المحلي من نظام "فالت"، غير مسيطر عليه، إلى اقتصاد سوق مفتوح مرتبط بالمنظومة الاقتصادية العالمية عبر خطوات أساسية منها:

- الخصخصة.

- تحرير التجارة والأسواق

- خفض الإنفاق الحكومي والتقشّف

- خفض أو تعويم قيمة العملة المحلية.

- تحرير أسعار الفائدة والقطاع المالي

3- مؤسسات التبعية:

التي أدّت دوراً مركزياً في إحداث "تعديل هيكلي" لفتح أسواق دول الجنوب. وخصخصة القطاع العام، وتعميق الاعتماد على الديون، وتعميق مرتكزات التبعية والفقر في الكثير من دول الجنوب، وتدمير مقوّمات الاقتدار الاقتصادي، والاكتفاء والاعتماد الذاتيين.

أ‌- صندوق النقد الدولي (IMF): الذي يتحكّم بالتعاملات النقدية ويفرض سياسات "التكيّف الهيكلي"، عبر اشتراطه تحرير الأسعار، وخفض الإنفاق الحكومي، وتعويم العملات مقابل تقديم القروض المشروطة لبلدان الجنوب التي تعاني من أزمات مديونية. وذلك عبر القروض المباشرة، أو "حقوق السحب الخاصة" SDR، التي أنشأها الصندوق عام 1969. وهي وحدة حسابية وليست عملة بحدّ ذاتها. تسمح بتوفير السيولة للدول الأعضاء في الصندوق في فترة الأزمات.

ب‌- البنك الدولي (World Bank Group): المكلّف بتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية بشروط تعزّز التوجّهات الرأسمالية واقتصاد السوق. مع ممارسة الضغط لدفع دول الجنوب نحو التركيز على التصدير واستقطاب الاستثمارات الأجنبية على حساب الاكتفاء الذاتي. ولعلّ أبرز مثال توقّفه (بعد رفض الولايات المتحدة وبريطانيا التمويل) عن تمويل 200 مليون دولار أميركي لبناء السدّ العالي في مصر عام 1956. وذلك للضغط على عبد الناصر لتغيير سياساته التي لم ترق للغرب. ولتقاربه مع الاتحاد السوفياتي آنذاك. مما دفع عبد الناصر لتأميم قناة السويس، وأعقب ذلك العدوان الثلاثي (الإسرائيلي، الفرنسي والبريطاني) على مصر.

ج- منظمة التجارة العالمية (WTO): الضاغطة لحرية التجارة الدولية.. ورغم أنّ من أهمّ أهداف المنظمة منع أو تخفيف السياسات الحمائية، وتعزيز حرية التجارة وإزالة القيود الجمركية. لكنّ دول الشمال كانت تمارس الحمائية، بأبشع أشكالها كلما شعرب بالحاجة إلى ذلك لخدمة مصالحها الوطنية. بينما يتمّ الضغط على دول الجنوب لمنعها من فعل ذلك. ولعل ما يقوم به الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" من فرض الرسوم الجمركية وفق المصالح الأميركية، هو خير مثال على ذلك.

د- المؤسسات المالية الإقليمية: مثل بنك التنمية للبلدان الأميركية، وبنوك التنمية الإقليمية الأخرى التي تتبنّى الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية ذاتها.

خلاصة: التنمية ليست مجرّد سياسة اقتصادية، بل ساحة صراع. 

- داخل كل من الدول المهيمن عليها يدور صراع على السلطة والسطوة ومصادر القوة والنفوذ.

- صراع بين الدول المهيمن عليها لتحسين موقعها ومكاسبها في المنظومات الإقليمية والعالمية.

- وصراع بين الدول المهيمنة نفسها لضمان حصصها وتحسينها في الدول المهيمن عليها. 

فالتنمية، في صيغتها المطروحة، ليست مفهوم تحرّر بل هي تقنية إدارة التبعية، وُلدت من رحم النظام الاستعماري والرأسمالي، لتقول للعالم الخارج من الاستعمار القديم: لم تنل استقلالك الحقيقي، بل دخلت مرحلة "التخلّف" والاستعمار الجديد، وعليك أن تُلحق وتلتحق. فمن يعرّف اللحاق؟ ومن يقيسه؟ ومن يموّله؟ ومن يشترط؟ فهو الدول المهيمنة المتقدمة.

ثانياً:  الاستعمار، الرأسمالية المتوحّشة والتنمية طبقات لبنية واحدة. 

1- تقسيم التراكم التاريخي لرأس المال والعلم ومصادر القوة والعمل العالمي.

لم يمثّل مسار "التنمية" في المنظومة العالمية مساراً محايداً أو مستقلاً في نهاية التحليل. بل مثّل علاقة القوي بالضعيف، والسيد بالمسود. لكنّ الصورة ليست ميكانيكية وثنائية جامدة تماماً. إنها هرمية متحركة، وفيها فاعلية وصراع، لا مجرد قدر ميكانيكي.

إذ تقوم المنظومة العالمية على تقسيم عمل هرمي، فهناك مركز أو متربول يحتكر التمويل والتقنية والابتكار والتجديد والعلم والسلاح والمعايير، يقابله جنوب ومستعمرات يمدّه بالمواد والطاقة والعمالة الرخيصة والأسواق ومكبات النفايات. "التنمية" السائدة ليست سوى إدارة لهذه التبعية فتقوم بتجميلها حيناً، وتعميقها حيناً آخر عبر الديون، والتعديل الهيكلي، وفتح الأسواق، ونزع السيادة.

وكأي سياق تاريخي فإنّ فيه صوراً متضاربة، ومستويات مختلفة. فبعض المظاهر الإيجابية الجزئية والمحدودة التي يتمّ التغنّي بها، سرعان ما تأكلها المظاهر السلبية العامة والكبيرة. كما أنّ هناك مستويات وظروفاً خاصة تظهر فيها بعض البلدان وكأنها تجارب ناجحة. ومثال ذلك بعض بلدان شرق آسيا. وهو ما يتطلّب وقفة خاصة.

2-  شرق آسيا ليست مجرد "ملجأ" للنموذج الغربي.

دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة لم تنمُ بذاتها خارج دورة صراع يمكن تفسيرها. فكلّ هذه البلدان كانت محطات أمامية للغرب ولوجوده الموسّع فيها في مواجهة حركات تحرّر في المستعمرات القديمة. فكان لا بدّ من منح تسهيلات وتسامحات واسعة فيها، لتكون ليست مجرد قاعدة عسكرية أو محطة مؤقتة، بل بيئة مجتمعية، يرتبط رفاهها ومستويات معيشته، وبناءات عملاقة وللشركات متعددة الجنسيات. وتحوّلت "لدولٍ تنموية". تشهد إصلاحاً زراعياً، وبنوكاً عالمية، وتخطيطاً صناعياً، وتعليماً متقدّماً، وانضباطاً تصديرياً، وقمعاً للعمالة أحياناً. فسياق الحرب الباردة وفّّر لها سوقاً أميركية وغربية، وحماية جيوسياسية، ووفّر لها فرصاً لبناء قدراتها الذاتية أيضاً. 

ومع ذلك، يبقى سقفها محدّداً. ولعل أبرز مثال، هو أنه حين اقتربت اليابان في تحقيق تفوّق سلعها وبضاعتها وعملتها، جاء اتفاق بلازا (1985). وهو اتفاق بين الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة واليابان، القاضي بخفض قيمة الدولار الأميركي بشكل منظّم مقابل العملات الرئيسية الأخرى، خاصة الين الياباني والمارك الألماني بهدف معالجة العجز التجاري الكبير في الميزان التجاري الأميركي ودعم الصادرات الأميركية. فقامت البنوك المركزية للدول الخمس ببيع الدولار في أسواق الصرف الأجنبي لخفض قيمته، فارتفعت قيمة الين بشكل هائل خلال عامين. مما أضرّ بالصادرات اليابانية. فخفض بنك اليابان أسعار الفائدة بشكل حاد، مما تسبّب في نشوء فقاعة أصول عقارية ومالية في أواخر الثمانينيات، تلتها سنوات من الركود عُرفت باسم "العقد المفقود". 

وبعيداً عن بلدان شرق آسيا تواجه الصين اليوم بدورها حرباً تقنية وتجارية وحمائية، لأنها كسرت القيد. فالتسهيلات تُمنح وتُسحب بحسب مصلحة الغرب والشمال. ومنع دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي، هو مثال آخر عن الانتقائية الذاتية في تقريب أو استبعاد الآخرين عن مواقع المصلحة والقرارات الحقيقية.

بل يمكن طرح مثال احتلال العراق (2003) كأحد هذه الممارسات، أي بناء واحات صغيرة متطوّرة لخدمة المصالح في المساحات المحيطة الواسعة. فللسيطرة على منطقة غرب آسيا، ومواجهة إيران تمّ اجتياح العراق ووضعه تحت الاحتلال، بقرار من مجلس الأمن. إذ أقام الأميركيون حكمهم الكامل للعراق عبر "الإدارة المدنية" للسفير بريمر التي وضعت يدها على الصلاحيات التشريعية والتنفيذية للبلاد. وبدأت بتقديم امتيازات وتسهيلات للعراق تحت شعار "بناء الدولة، وبناء المجتمع" Society Building, State Building. مما يشير إلى طبيعة الفهم والمفاهيم التي تحملها القوى المهيمنة. فهذا كلّه حصل في القرن الحادي والعشرين ولبلد مؤسس للأمم المتحدة، مما يبيّن أنّ بلداننا ما زالت بلداناً مستعمرة في الواقع، في عقل بلدان الشمال.

3- تطوّر مفهوم التنمية مع مراحل تطوّر الاستعمار والرأسمالية المتوحّشة.

أ‌- من "مهمة التمدين" الاستعمارية إلى "التحديث" بعد 1945.

ب‌- من نظرية التبعية و"النظام الاقتصادي الدولي الجديد" في السبعينيات إلى "الاحتياجات الأساسية".

ت‌- من "التنمية البشرية" عند الاقتصادي الهندي "أمارتيا سن" وغيره، إلى "التنمية المستدامة" و"الحكم الرشيد"، لإعادة البعد الأخلاقي والإنساني لعلم الاقتصاد. 

ث‌- من أهداف الألفية، إلى أهداف 2030 و"الاستثمار الأخضر ESG".

لكنّ المؤسسات المهيمنة احتوت جميع المحاولات الإصلاحية تقريباً، وأعادت تدوير هذه المفاهيم لخدمة تراكم رأس المال. فصار "الحكم الرشيد" شرطاً للقروض، وصارت الاستدامة أحياناً غلافاً لنهب جديد من استيلاء باسم البيئة، أو مقايضة الديون بالطبيعة، وأسواق الطاقة الأحفورية، إلخ.

4- الوسائل الأساسية لإفقار الجنوب

الوسائل معروفة، لكنها لا تعمل منفردة. إنها شبكة واحدة. وأهمها أنّ الاستقلال الشكلي يُترك للدولة التابعة، بينما تُحتكر القرارات الجوهرية كالمال، والتقنية، والسلاح، والغذاء، والطاقة، والمعرفة، والقيم والمعايير. وهذه أهم الوسائل لإفقار الجنوب، والتمكّن منه.

أ‌- القيد المالي: عبر الدين الخارجي، وصندوق النقد، والبنك الدولي، ووكالات التصنيف الائتماني، والدولار، ونظم التحويل كالسويفت SWIFT، وأسواق المال. فتبدو الدولة حرّة، لكنها لا تستطيع أن تتخلّف عن السداد، ولا أن تخرج من الدولار، ولا أن ترفع الدعم، ولا أن تؤمّم من دون أن تُعاقب. إذ يعني "الاستقلال" بالنسبة لها، أن تختار السياسات التي لا تمسّ جوهر التبعيّة.

ب‌- القيد التجاري والتقني: كالسلاسل العالمية، وبراءات الاختراع، والمعايير، وأشباه الموصلات، والأدوية، والبذور، والبرمجيات. فهي تسمح للدول التابعة بالتصنيع في القاع. وتمنع عنها الصعود الى القمة. فإن عارضت الدولة التابعة، وأتبعت سياسات تشم منها رائحة الاستقلالية، أو أقتربت من الإنفلات من السيطرة، فإن التكنولوجيا تُقطع عنها. وتبدأ توضع في طريقها، القرارات والعقبات، بل وحتى العقوبات.

ج- القيد الأمني: بفرض القواعد العسكرية، وصفقات الأسلحة، ودورات تدريب الضباط، وشبكات المخابرات، والأساطيل البحرية والسيطرة على الممرات، وتدريب الجيوش التابعة لتكون جزءاً من المنظومة عند الحاجة، وبناء التحالفات ومنحها الغطاءات السياسية عبر المؤسسات الدولية، كمجلس الأمن الذي تسيطر عليه. ومن يخرج عن ذلك، يُحاصر، أو يُحارب، بل ويُغزى. وإنّ كوبا، وإيران، وفنزويلا، وليبيا وسوريا والعراق هي مجرد أمثلة. والقائمة تطول. 

د- هندسة النخبة: بتمويل الأحزاب، والمنح الدراسية، والزيارات، والجوائز، والمناصب الدولية، والحسابات الخارجية، والعقارات في لندن وباريس ودبي. فالنخبة المحلية تُشترى، ولا تُقهر فقط. لتصبح شريكة في إدارة التبعية. ولذلك تدافع عنها باسم "الاستقرار" و"الإصلاح". و"الشرعية".

ه- صناعة القبول والموافقة والتأييد: ويتم ذلك عبر الإعلام، و"النت" ووسائل التواصل، والمسلسلات والسينما والاستعراضات والمعارض، والجامعات واللغة، ومراكز الأبحاث، والمنظمات غير الحكومية، والمؤتمرات، والتقارير، والمدوّنين، والأقلام المؤدلجة والغارقة في أمواج التبعية، وضيوف المناظرات التلفزيونية، إلخ. والتي تنتج كلها مفاهيم ومباني تنسجم مع منظومة الهيمنة وقيمها كتعريف "التنمية" و"التقدّم"، و"الاعتدال"، و"التطرّف"، و"الإرهاب"، و"الإصلاح"، و"الديمقراطية". من يوافق يُمدح ويروّج له، ومن يرفض يُشوّه ويقلّل من شأنه ويُعزل. فتزداد الهرولة لمزيد من الإندماج، لا للخروج.

و- المؤشرات والمعايير: فتُستخدم مؤشرات الناتج المحلي، والاستثمار الأجنبي، والتصنيف الائتماني، ومؤشر الديمقراطية، والحكم الرشيد، والشفافية، وحقوق الإنسان، والمناخ، وأجمل المدن، وأفضل حياة، والأقل فساداً، إلخ. فهذه ليست قياسات محايدة، بل أدوات توجيه. من يتبعها يُصنّف "ناجحاً"، ومن يخالفها يُصنّف "فاشلاً" أو "مارقاً". هكذا يشعر المتوهّمون بالسراب أنّ ما يفعلونه هو "الصحيح"، وأنّ معارضيهم هم "المخطئون".

ز- القانون الدولي الانتقائي: تطبّق القوانين على الضعفاء وتُعطّل على الأقوياء. كقرارات مجلس الأمن، ومحكمة العدل والمحكمة الجنائية، واتفاقيات الاستثمار، والتحكيم الدولي، والتعويضات، والملكية الفكرية. فالدولة التابعة تجد نفسها ملزمة بالتنفيذ، خلاف الدولة المهيمنة. وأفضل مثال مواقف الكيان الصهيوني، والموقف الأميركي وعدد من الدول من قرارات المحاكم الدولية ضد الابادة الجماعية في غزة.

ح- الإدارة غير المباشرة: فالمنظومة المهيمنة لم تعد –عموماً- بحاجة لاحتلال مباشر. يكفي أن تحافظ الدولة في الجنوب على علمها، ونشيدها ومقعدها في الأمم المتحدة، وانتخاباتها. وهذا يمنحها إحساس الاستقلال. لكنّ القرار الجوهري يُصنع خارجها: في واشنطن، ونيويورك، وبروكسل، وزيورخ، ودافوس، و"تل أبيب".

ط- التقسيم والمدراء المحليون: النظام لا يحكم مباشرة، بل عبر "مدراء" محليين. الذين يظنون أنهم مستقلون، بينما هم ينفذون شروط السادة الحقيقيين. وإذا تجاوزوا، وخالفوا الشروط، يستبدلون بآخرين. فمن يخضع، له القروض وإعادة جدولتها إلى ما لا نهاية. وله المساعدات والترويج والأسواق والسلاح والشرعية والجوائز العالمية. أما من يرفض فله العقوبات، والحصار، والحروب، والانقلابات، وتجميد الأصول، والمحاكم، والعزل. وتحدّد الجرعة بحسب الدور: كبلد وسيط، أو مصدر خامات، أو سوق، أو مكبّ نفايات. وقس على ذلك.

الدول المهيمنة لا تحتاج إلى أن تقول للدولة التابعة: "أنت تابعة". بل تجعلها تشعر أنها مستقلة. لأنها تنتخب، وتقرّر، وتوقّع، وتتصدّر وتختار. لكنها تختار داخل ممر ضيق. والممر ترسمه العاصمة المهيمنة. 

الشعور بأنّ "ما نقوم به هو الصحيح" لا يأتي من القمع فقط، بل من احتكار تعريف الصحيح. من يملك المؤشرات، والجامعات، والبنوك، والإعلام، والسلاح، يملك معنى "النجاح". والدولة التابعة تصبح تلميذاً مجتهداً في مدرسة ليست لها.

الانعتاق لا يبدأ بمزيد من "التنمية" داخل هذا الممر، بل بفضح هندسته، ثم ببناء قدرات خارج شبكته. بتوفير الأمن والاكتفاء الغذائي، وأمن الطاقة، وأمن البلاد، والقدرة التقنية، واستقلالية جزء منها من القدرة المالية والمستويات المعرفية. وهذا مكلف. ومن لا يدفع الثمن، يبقى مستقلاً على الورق، تابعاً في الجوهر.

ثالثاً: إفقار الجنوب جزء رئيسي من إغناء الشمال. 

هذا هو جوهر المسألة. المعطيات لا تترك مجالاً للشك: فما يسمى "المساعدات"، وبرامج التنمية والمستشارين والقروض وبنوك التنمية وغيرها، ليست سوى غطاء لعلاقة نهب منظمة. الأرقام تتحدّث عن نفسها.

1- التدفّقات المالية: مَن يموّل من؟

أ‌- الاستنزاف الصافي: استولى الشمال على 242 تريليون دولار صافٍ من موارد الجنوب (1990-2015) عبر التبادل اللامتكافئ، أي ما يعادل ربع الناتج المحلي الإجمالي التراكمي للشمال خلال تلك الفترة. كما تشير لذلك دراسة اقتصادية أشرف عليها جيسون هيكل ومجموعة من الباحثين، ونشرت في المجلة العالمية Global Environmental Change .

ب‌- تدفّق رأس المال: في 2023، استخرج الشمال 921  مليار دولار من الجنوب عبر النظام المالي، أي 4 أضعاف ما أنفقه على "المساعدات".

ج- الأرباح: بين 30 إلى 50 مليار دولار سنوياً تخرج من الجنوب، كأرباح لشركات متعدّدة الجنسيات مقرها الشمال.

د- الفوائد: دفع الجنوب 971 مليار دولار خدمة ديون في 2024. وهذه تمتص 40% من إيراداتها العامة (50% للدول الأفريقية)

2- التبادل غير المتكافئ: ساعات العمل مقابل لا شيء.

أ‌- الأجور: أجور العمال في الجنوب أقل بنسبة 87-95% من نظيراتها في الشمال لمستوى المهارة نفسه.

ب‌-  العمل: يساهم عمال الجنوب بـ 90% من ساعات العمل التي تحرّك الاقتصاد العالمي، لكنهم يحصلون على 21% فقط من الدخل العالمي.

ت‌-   الموارد: 50% من المواد والعمالة المستهلكة في الشمال، يتمّ الاستيلاء عليها من الجنوب عبر التبادل غير المتكافئ والآليات الأخرى لانتقال الثروات والقيم من الجنوب إلى الشمال.

3- نهب الموارد والتدفّقات غير المشروعة.

أ‌- تخسر دول الجنوب العالمي ما يقرب من (1-1.1) تريليون دولار سنوياً نتيجة التدفّقات المالية غير المشروعة. 

ب‌- السيطرة: يفرض صندوق النقد والبنك الدوليان "التعديل الهيكلي" الذي يخفض الأجور ويفتح الأسواق، مما يعمّق التبعية.

4- الجذور التاريخية: ليست مجرّد صدفة، أو ماضٍ انتهى ولم يؤسّس للحاضر.

- من الهند وحدها: نُهب 64.82 تريليون دولار بين 1765-1900. فكم تمّ نهبه من بقية القارات.

- التعويضات: اقترضت بريطانيا 40% من إيرادات خزانتها لتعويض مالكي العبيد، بينما لم يتلقَ العبيد شيئاً.

5- فخ الديون. حجم الدين العام، والدين كأداة للسيطرة.

أ‌- حجم الدين: بلغ الدين الخارجي لـ 130 دولة من دول الجنوب، عام 2025 بحسب "الأونكتاد" 12.3 تريليون دولار. ووصل دين الحكومات في الأسواق كنسبة من الناتج، إلى 73.9%. فهو يتفاوت بحسب الدول. فهو في فنزويلا 309%، وفي مصر 90%، وفي السعودية 56.1%، وفي العراق 53%، إلخ.

ب‌- دول الشمال (الاقتصاديات المتقدّمة): بلغ إجمالي ديونها الحكومية مستوى قياسياً متوقّعاً يصل إلى 75.8 تريليون دولار بنهاية عام 2026. ووصلت كنسبة من الناتج المحلي، إلى 108% في 2025. وتشمل أرقاماً ضخمة. مثل اليابان  (206.5%)، والولايات المتحدة (123.9%).

ج- ارتفعت الفوائد الصافية على الديون العامة للجنوب العالمي من 363 مليار دولار في عام 2010 لتصل الى قرابة 995 مليار دولار في 2025.

د- آلية السداد: عالمان مختلفان.

في الشمال: 

- الإدارة وإعادة التمويل: لا يُسدّد الدين، بل يُستبدل دين قديم بدين جديد بشروط ميسّرة، مع إصدار سندات سيادية بعملاتها المحلية.

- القوة المالية: التحكّم بالعملة (مثل الدولار). فيمنح الاحتياطي الفيدرالي مرونة هائلة لتخفيف العبء عمن يريد، ومعاقبة من يريد. لأنّ الدَين بالعملة المحلية لا يمكن أن يؤدّي إلى تخلف عن السداد بطريقة الدَين بالعملات الأجنبية نفسه.

- تسييل" الدين: تُستخدم سياسات مثل التضخّم، وأسعار الفائدة السلبية لتآكل القيمة الحقيقية للدَين بمرور الوقت.

- في الجنوب: التقشّف وخدمة الدين.

- نزيف الإيرادات: تُخصّص نسبة ضخمة من الإيرادات لخدمة الديون، مما يبتلع 39%-96% (بحسب المصادر) من إيرادات السنغال، و60% من إيرادات أنغولا. وقس على ذلك.

- قيود شديدة: تُفرض شروط قاسية عبر برامج صندوق النقد الدولي. مثل التقشّف، ورفع الدعم، وخصخصة القطاع العام. مقابل الحصول على المطلوب.

- تعاني 44 دولة في الجنوب من مستويات ديون "مرتفعة جداً"، و15 دولة تواجه خطراً بسبب خدمة الديون.

العلاقة ببساطة شديدة: الفرق ليس في حجم الدين، بل في من يملك القوة وسلطة القرار.

1- الشمال يملك "مفتاح المطبعة" (السيادة على العملة) والملاذات الآمنة لرؤوس الأموال، وجدولة ديونه. وتحميل أعبائها على الآخرين. فيدير دَينه كأداة سياسية، وهيمنة اقتصادية.

2- الجنوب يُجبر على اللعب بقواعد "الاقتصاد الحقيقي": فيسدّد الفوائد وأصل الدين من موارده الحقيقية. مما يؤدي إلى استنزاف اقتصاده وشعبه. هذه ليست علاقة دائن بمدين، بل علاقة هيمنة مالية منظمة. فإفقار الجنوب وتقييده بالديون هو شرط أساسي لاستمرار رفاهية الشمال.

خلاصة: هذه ليست "علاقات اقتصادية دولية". هذا نظام نهب منظّم. الشمال لا يساعد الجنوب. بل يبتزّه، ويستنزف موارده، ويسرق عمله، ويغرقه في ديون لا تنتهي، ويزرع فيه صراعات داخلية ترهقه وتفقده صوابه ورسم أولوياته. ما يُسمّى "التنمية" هي مجرد إدارة لهذه العملية، وإنّ إفقار الجنوب ليس نتيجة جانبية، بل هو شرط أساسي لإغناء الشمال. فنحن لسنا أمام تاريخ أغلقت حساباته، بل أمام واقع قام عليه تقدّم وانتصار الشمال، وتدهور وتراجع الجنوب. وهذا أمر مهم فهمه الآن خصوصاً، فكلما أغلقت مجالات النهب القديمة، اهتزّت الأسس التي يقف عليها نظام الهيمنة، وازدادت التناقضات الداخلية في مجتمعات الشمال، وتوسّعت فرص تحرّر الجنوب.

فهناك متربول ومراكز، وبلدان وسيطة، وبلدان خاضعة مستعمَرة. البلدان الوسيطة ليست مجرّد بلدان تابعة، إنها ساحة صراع وتغيّرات مستمرة، بعضه يتعزّز ويصعد (كوريا، الصين)، وبعضه يهبط (الأرجنتين، جنوب أفريقيا جزئياً). والبلدان الخاضعة ليست متجانسة، فهناك دول نفطية، ودول خامات، ودول أسواق عمالة، ودول تحوّلت إلى مناطق لتصدير المخلّفات ودفنها، ودول لغسيل الأموال والتهرّب من الضرائب، وجزر المتعة والجنس للأثرياء والتهرّب مما يحرمون منه في دولهم. لكنّ القاسم المشترك هو من يملك سلطة القرار النهائي؟

رابعاً: هل هناك حتمية مطلقة وقدر نهائي: 

البنية قاسية، لكنّ الفاعلية موجودة. هناك دول كيّفت نفسها وناورت (ماليزيا، تركيا، الهند والبرازيل أحيانًا). وهناك دول قاومت ودفعت الثمن، أو تدفع الثمن (كوبا، إيران، فنزويلا، إلخ). وهناك الصين نفسها خرجت من كونها من بلدان العالم الثالث إلى شبه المركز عبر مزيج من الملكية العامة للدولة من جهة، ولعبة السوق والتجارة الدولية من جهة أخرى. أو بلدان فيها سيادة قرار، نصفه بيدها، ونصفه الآخر خارجها. واقتصادها نصفه اقتصاد دولة، ونصفه اقتصاد موازٍ. 

بعض هذه الدول تكيّفت مع دول الشمال، أو أنها ضرورة لدول الشمال. وبعضها ما زال مُهيمناً عليه الى درجة كبيرة كمعظم الدول الأفريقية واللاتينية. وبعضها قطع شوطاً كبيراً في القطيعة والانفصال عن منظومة الهيمنة، كروسيا وإيران والصين وغيرها. فنحن أمام عالم متعدّد المستويات، وعالم قديم ينهار، وعالم جديد يعاد بناؤه. ويسجّل في كل يوم توسّعاً ونجاحاً لتحقيق المزيد من الاستقلالية والانعتاق. عالم يسلك نهجاً مستقلاً لبناء عالم جديد، عالم الأصول والقطاعات الحقيقية وليس الأرقام الوهمية وبورصات المضاربة. عالم التحالفات الجديدة. عالم الحزام والطريق، بريكس، شنغهاي. عالم متعدّد الأقطاب، فيه الكثير من القيم والمفاهيم الجديدة. عالم يميل للتحالف في المقوّمات الاستراتيجية، وليس في السياسات اليومية. عالم تبرز فيه قوة الشعوب، أكثر من قوة النظام أو الأنظمة. لهذا فهو في تحالفاته ومصالحه لا يقتصر على انتشال الجنوب فقط، بل على عودة الشمال أيضاً إلى احتلال وضعه الطبيعي بين بقية الأمم والحضارات.

1- البدائل والمرتكزات

لا يعني خضوعنا "للتنمية" كجزء من نظام الهيمنة، أننا لا نريد التقدّم. أو لا نمتلك البديل، ولا نسعى لمشروع تحرّر اجتماعي واقتصادي. لهذا يجب إعادة تعريف مساراتنا باستغلال كلّ ما هو متبقٍ من تاريخنا وماضينا وممارساتنا وأنظمتنا التحتانية من مرتكزات صامدة، ومقاوِمة ومجرّبة وسليمة وصحيحة وعادلة وفعّالة. ومواءمة ذلك مع ما تتقبّله بنى أممنا من مكتسبات وإنجازات بشرية إنسانية، سواء أنتجها الشمال أو الجنوب. سواء من الماضي القديم، أو الحاضر المعاصر. ولا بدّ من بناء مرتكزات تستطيع الصمود في ظل الأوضاع العالمية الراهنة، وليس المتخيّلة أو الماضية. ففهم خارجنا هو تماماً كفهم داخلنا، ولعل أولى مقوّمات الصمود والمقاومة وبناء البدائل هو توفير الاستقلالية في الأمور الأساسية التي يحتاجها أيّ اجتماع بشري في ظروفنا الراهنة، لكي لا يصبح شعاراً فارغاً، ونقصد بها:

أ‌- السيادة الغذائية: أن ننتج ما نأكله، لا أن نستورد قوتنا من سيدنا. مثل هذه التربية والسياسة ليست أمراً جديداً. فهو موجود في معتقداتنا والكثير من ممارساتنا. والمقصود هنا ليس الامتناع عن التعامل مع الآخرين في الأمن الغذائي. بل المقصود هو أن نضع استراتيجية تمنع التجويع والإخضاع، فالمعلوم أنّ الاقتصاديّ الكبير "ريكاردو" نصح بأن تتخصّص المملكة المتحدة بصناعة النسيج وتترك الزراعة للبرتغال، بحسب نظرية "الكلف المقارنة". لكنّ تجربة الحرب العالمية الثانية، ومحاصرة ألمانيا للمملكة المتحدة، دفعت المملكة لوضع استراتيجية غذائية تؤمّن لها الأمن الغذائي عند الملمّات.

ب‌- السيادة في الطاقة: أن نتحكّم بمصادر طاقتنا لا أن نُبتزّ بها. فالطاقة تاريخياً واليوم هي مصدر قوة الأمم والدول. كان الخشب والزيت مصدر القوة قديماً. ثم الفحم، ثم النفط والغاز، ثم الطاقة النووية، وأشكال الطاقة النظيفة. فإن تخلّفنا عن امتلاك الطاقة سواء من أصولنا، أو من أصول حلفائنا، فإننا سنبقى أسرى، يسهل إضعافنا ليس أمنياً فقط بل اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً أيضاً. 

ج- السيادة التقنية: أن نبني قدراتنا العلمية، لا أن نستأجر تقنية تُقطع عنا عند أول خلاف. فأممنا (وآسيا عموماً) مهد التقنيات والعلوم والابتكارات. ولطالما يشار الينا بأننا من نقل العلوم الى الغرب. الذي كان يعيش ظلمات العصور الوسطى. وحالما أخذ الغرب هذه العلوم، نسبها لنفسه. وأنكرها علينا. وسمانا بالبرابرة والوحوش. وحاربنا بها. فالعلوم والتقنية والابتكار هي ما يضمن التقدّم، والعدالة، ويحمي البلدان من كيد الأعداء وتفوّقهم وغدرهم.

د- السيادة المالية: أن نتحكّم بعملتنا ومدخراتنا، لا أن تكون رهينة الدولار والدَين. فالعملة الوطنية، أو المتداولة في معاملاتنا يجب أن تكون دائماً جزءاً من قراراتنا، لا جزءاً من قرارات من يريد الضرر بنا. وأن تكون العملة المتداولة بيننا وطنية وموضع الثقة في المعاملات. لأنّ استقرار العملة، فيه استقرار المعاملات، وإنّ كثرة المعاملات وديمومتها هي ما ترتقي به الاقتصاديات والأمم.

ه- السيادة الأمنية: أن نملك قرارنا الدفاعي، لا أن نكون قاعدة أمامية أو ساحة وكالة لقوى نظام الهيمنة. وأن نمتلك كلّ ما يضمن لنا الأمن. فالاقتداء بالغرب ليس سياسة تضمن لنا النجاح. فنبني الجيوش، ونشتري الطائرات والدبابات المكلفة لتتحوّل إلى حديد وخردوات في أول معركة. فالعقيدة العسكرية، ومنها التسلّح وتشخيص وسائل الدفاع قد تكون بحفر الأنفاق، أو الهندسة العكسية، الرخيصة الكلفة، المنسجمة مع طبيعة شعوبنا. فهدفنا ليس غزو الآخرين بل الدفاع عن بلداننا وشعوبنا. 

و- الديمقراطية أو الشوروية الاقتصادية: أن يقرر الناس ما يُبنى، لا أن تترك هذه الأمور للنخبة المرتبطة بالخارج فقط. فنحن بحاجة لمراجعة تطبيقات ونتائج التجارب الديمقراطية في بلداننا. فليس كل ما هو ناجح في الغرب، او بلدان الشمال سيكون ناجحاً عندنا. فهم لديهم الاستعمار واستغلال الأمم الاخرى الذي يطفىء نار الفتن والصراعات الاجتماعية لديهم. بينما نحن بلدان وأمم تنهب ثرواتنا وتضعفنا وتفقرنا، فتزداد الفتن والصراعات الاجتماعية بين شرائح شعوبنا.

ز- العدالة الاجتماعية: أن يكون البناء للناس، لا للنخبة والشركات الأجنبية. فالهدف يجب أن يكون دائماً الإنسان. فالدولة والنظام هما لخدمة الإنسان، والإنسان هنا ليس النخبة والمسؤول والشرائح الميسورة فقط. بل الإنسان هنا هو الشعب بكليته. فله الأولوية في الإنصاف والخدمة والعدالة وإمكانيات البلاد.

بمعنى آخر: لا نسأل "كيف نلحق بالغرب؟" بل كيف نبني بلداننا وننصف شعوبنا. فمفهوم التنمية تطوّر بتطوّر الاستعمار والهيمنة ومنظومة التوحّش الرأسمالية. لكنّ جوهر الصراع بقي واحداً. من يملك فائض العالم، ومن يقرّر مصيره. فلا يوجد في التاريخ ما يشبه هذا المفهوم بمركزه وآلياته وأهدافه. الإمبراطوريات القديمة نهبت وقتلت واحتلت، لكنها لم تخترع جهازاً عالمياً واحداً يقيس "تقدّم" كلّ شعب بمؤشرات، ويصنّفهم، ويشترط عليهم سياساتهم الداخلية مقابل قروض ومعونات. هذا جهاز جديد. لا مثيل له في التاريخ. وهو جهاز يجب أن يُفهم بذاته لا مقارنته بشيء آخر.  

 التسهيلات تُمنح وتُسحب. فالغرب ليس نموذجاً، هذا استثناء تاريخي، وقيمي، وجيوسياسي. هذه منظومة تستخدم الأضداد النوعية. صيني ضدّ صيني، وكوري ضدّ كوري، ومسلم ضدّ مسلم، وعربي ضدّ عربي. ليس عرضاً. بل هذا هو جوهر الهيمنة والعالمية. فهي تقسّم أشلاء الضحية لتتحكّم بها. وهي من تُعدّ، وتهيّيء مجيء المدراء المحليين. لتساند من يتماهى معها. ليقمع باسم "الشرعية الدولية". و"النظام الدولي" و"المجتمع الدولي" و"الرأي العامّ الدولي". وكلّها منصات لتطويق الشعوب والأمم وقمعها وضبطها.

 الصين تُحاصر لأنها رفضت الدور، وتساهم لبناء عالم تعدّدي الأقطاب يسقط الهيمنة الأحادية. روسيا تُطَوّق بـ"الناتو". إذ يجب تفكيكها والسيطرة عليها، فهي أكبر من أوروبا أربع مرات.  إيران تُحاصر وتُهاجم وتُعاقب من دول نووية لأنها تسعى للاستقلال والانعتاق والحصول على الطاقة النووية لأغراض سلمية. كوبا تُحاصر لأنها خرجت من الحظيرة. فنزويلا نُهبت ويختطف رئيسها لأنها تملك النفط. والقائمة طويلة. من يخضع يأخذ جرعته، أما من يرفض فيُحاصر ويُعاقب وتشنّ عليه الحرب بأشكالها المختلفة.

2-   الخروج والقطيعة:

الخروج ليس عبر المفهوم المطروح للتنمية. التنمية تقول: اصعد السلم. لكنّ السلم يحتاج قاعاً ومرتكزات توفّرت للدول الاستعمارية ولا تتوفّر للدول المستعمَرة. من يصل للأعلى يحتاج من يبقى في الأسفل. ومن يوزّع الجرعات؟ ومن يقرّر من يصعد؟ هو نظام الهيمنة. أما من يعارض ويقاوم، فهو العالم الجديد. 

الصين صعدت جزئياً لأنها قاتلت، لا لأنها اتبعت. وحتى الآن تُحاصر. روسيا سايرت بعد 1990 وتفكّك الاتحاد السوفياتي. لكنّ طمع وغلواء نظام الهيمنة أرغمها على التراجع والبدء بالتفكير جدّياً بالخروج من مجمل هذا النظام. إيران فاوضت ووقعت مع الولايات المتحدة والغرب على الاتفاق النووي (2015). فيمزّق الرئيس ترامب الاتفاق، وتُهاجم إيران من دول تمتلك كلّهم أسلحة نووية. إنه حقيقة عالم ظالم. وأنّ القطيعة معه، هي الطريق الوحيد للتخلّص من أسره وعدوانيته.

لكنّ القطع مكلف ونظام الهيمنة لا يستطيع الاستمرار إن لم يدفع الآخرون، وهو مستمر على سياساته، بأنّ من لا يدفع، يبقى في الحظيرة. وهذا ليس تبريراً.  بل هذا توصيف.

والسؤال ليس "كيف نلحق؟" بل "كيف نقطع" و"أولويات القطع"؟. ومن يقطع، يجب أن يستعدّ لأن يدفع الثمن. ومن يبقى في السلم، يبقى في القاع، أو في الوسط، بحسب دوره.

لهذا نقول إنّ التنمية هي أداة أسر. كأحد وسائل ضبط بلداننا، وإبقاءنا في دائرة السيطرة والتبعيّة. مما يطرح سؤالاً مفاده. هل هناك تنمية تحرّرية داخل هذه المنظومة؟ والجواب هو لا. التحرّر ليس نماذج من التنمية. التحرّر هو نماذج القطع. والقطع ليس شعاراً. بل سياسة لها أثمان. ومسؤوليات وواجبات تتطلّب وعي الشعوب والنخب وقياداتها. والقطع لا يعني العزلة. على العكس يعني الانقطاع عن دورة الهيمنة والدخول في دورة التحرّر والانعتاق. وهذا يجب أن يجمع جميع القوى المعادية للهيمنة. ومنها شعوب الشمال والغرب وأميركا، ونخبها وشبابها. هؤلاء جزء حقيقي من قوى التحرّر والتجديد والانقطاع. وحلفاء طبيعيون ومناصرون حقيقيون ضدّ الابادة والصهيونية والاستعمار القديم والجديد والعنصرية ومركزية المتروبولات الغربية. يقول سمير أمين "الانفصال"delinking  ليس انغلاقاً، بل الخروج من منطق تراكم المركز وإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع وفق منطق داخلي، لا وفق متطلبات السوق العالمي.