شهادة في حضرة الشهادة
أما وقد استشهد سماحة الإمام الأكبر للمسلمين الشيعة وكبير مراجعهم، وقد ترك إرثاً كبيراً وعظيماً للأمة، إن في السياسة أو في الدين والفقه والشريعة، فيبقى أنّ الوفاء للإمام الشهيد هو فريضة واجبة.
-
السيد خامنئي دخل التاريخ من واسع أبوابه بصورة مختلفة عن الكثير من القادة.
إن مشهدية التشييع بعد الشهادة، لسماحة الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي، حدث تاريخي بامتياز ومن الطراز الأول، قل نظيره، وربما لا نظير له في التاريخ الحديث والحقبة المعاصرة منه: مشهدية الحشود المليونية في التشييع، من طهران وقم المقدّسة ومشهد المشرّفة، إلى النجف الأشرف وكربلاء المقدّسة، والعديد من العواصم والمدن الإسلامية!
هي مناسبة في غاية الأهمية دخلت التاريخ، حتى أمكننا القول، بلا تردّد، إنه التشييع الأكبر والأعظم في التاريخ الحديث والحقبة المعاصرة منه، بالمقارنة مع مناسبات مشابهة ومماثلة، ولا سيما تشييع الإمام الراحل روح الله الموسوي الخميني، الإمام المؤسس للثورة والجمهورية الإسلاميتين في إيران، تشييع الجنرال الشهيد قاسم سليماني، المناضل الأممي، الكبير والعظيم، وقائد قوة القدس في حرس الثورة الإسلامية في إيران، وتشييع الرئيس المصري الراحل والزعيم والقائد العربي التاريخي جمال عبد الناصر.
لم يكن سماحة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي قائد الثورة والجمهورية في إيران فحسب، أو كما يُعرف بالمرشد الأعلى، على أهمية هذا المنصب بطبيعة الحال.
وهو يشغل هذا الموقع الرفيع منذ عقود بعد رحيل الإمام المؤسّس للثورة والجمهورية. فهو أكبر وأعظم إمام للمسلمين الشيعة في المنطقة والعالم على الإطلاق، أقلّه في هذه الحقبة المعاصرة من التاريخ الحديث؛ ولا نبالغ حين نفترض ونعتبر أنه قد يكون أيضاً أهمّ شخصية إسلامية على امتداد العالم الإسلامي في الحقبة التاريخية والزمنية نفسها، بلا منازع وبلا منافس.
من هنا، فإنّ جريمة قتله ليست مجرّد عملية اغتيال سياسي فقط. هي كذلك بلا شكّ. ولكنها تطال مرجعاً دينياً إسلامياً، كبيراً وعظيماً، يقلّده ويواليه ويؤيّده عشرات بل مئات الملايين من المسلمين، الشيعة والسنة، في العالمين العربي والإسلامي، كما في العالم بأسره. لذلك، هي جريمة قبيحة وبشعة، كما هو مرتكبها مجرم قبيح وبشع، لا يمكن نسيانها أو تناسيها، ولا يجوز غفرانها أو مغفرتها.
كان لافتاً، لدى سماحة الإمام الشهيد، وفي فكره ومن خطاباته، دعم لبنان، الذي كان يحظى بالعناية الخاصة من قبله. وهو كان صادقاً بالتأكيد في إصراره على عدم التخلّي عن لبنان. وكان لافتاً أيضاً، بالتوازي مع الموقف الداعم حيال لبنان، احترامه خصوصية هذا البلد وهذا الشعب.
وقد أطلقت إيران، في زمن الإمام الشهيد، بعد الإمام المؤسس، مبادرات واتخذت قرارات وخطوات في هذا الاتجاه، من مثل تمويل وتسليح المقاومة، تأييد السردية اللبنانية في مقابل العدو الإسرائيلي، عدم اشتراط أيّ شيء على لبنان وعدم فرض الشروط والإملاءات عليه، لا من قريب ولا من بعيد، الاستعداد لدعم الجيش، إصلاح قطاع الكهرباء، تطوير البنية التحتية، الاستثمار في قطاع الطاقة.
اللافت أيضاً أنّ إيران بقيادة الإمام الشهيد حملت عبء ووزر دعم لبنان، من دون أيّ مقابل، بخلاف ما يُقال ويُكتب زوراً وبهتاناً عن توظيف لبنان من قبل إيران في حساباتها ومصالحها. وهذا غير صحيح. فالصحيح أنّ إيران دفعت ثمن وقوفها، بشخص الإمام الشهيد أكثر من أيّ أحد سواه، إلى جانب لبنان وشعبه ومقاومته. وهي، اليوم، أكثر من يتمسّك بالمحافظة على ماهية لبنان، صورته، مساحته، خريطته، موقعه ودوره، في زمن التغييرات الراديكالية والدراماتيكية والتراجيدية في المنطقة والعالم.
مما لا شكّ فيه أنّ الرابطة ما بين المسلمين الشيعة في لبنان وإيران هي عضوية. فقد كان لجبل عامل وعلمائه ورجالاته دور تاريخي في بلورة الهوية الإسلامية الشيعية لإيران منذ وقت مبكر. وجاء دور إيران، في المقابل، مع الإمام الشهيد بالتحديد، لاستنهاض الحالة الشيعية مع صعود الصحوة أو النهضة الإسلامية.
فكان الإمام الشهيد يعنى برعاية اللبنانيين من أبناء الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان، من جبل عامل في الجنوب إلى بعلبك، مروراً بالضاحية الجنوبية، كمرجعية دينية، تهتم بشؤون رعيتها أو رعاياها، ولا سيما النخب والكوادر.
وقد برزت خصوصية العلاقة الروحانية والوجدانية، الوثيقة والمتينة، بين سماحة الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية في إيران، وسماحة السيد الشهيد حسن نصر الله، قائد المقاومة الإسلامية في لبنان. كما صار الإمام الشهيد مؤخراً وراهناً، حتى بعد استشهاده، المرجع الديني لمعظم المسلمين الشيعة في البلد، تأكيداً للرعاية الأبوية والولاية المرجعية، وربما الأكثر انتشاراً وتقليداً وتأييداً.
لقد كانت المقاومة في لبنان ضدّ العدو الإسرائيلي ثابتة، لا فصال فيها ولا حياد عنها، بالنسبة إلى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، وذلك من منطلق شرعي وحقوقي وديني إسلامي وإنساني وأخلاقي؛ وكذلك هي ثابتة أيضاً فكرة تبنّي المقاومة، كقاعدة هي المقياس والمعيار، وهي من أقانيم الثورة والجمهورية ورجالاتها في إيران، وبالتالي دعم المقاومة، لا تأييدها فقط، بل إمدادها بالأموال والأسلحة، لتمكينها من مواجهة العدو الإسرائيلي والتصدّي لعدوانه واحتلاله في جبل عامل جنوبي لبنان.
وقد تمكّنت هذه المقاومة من الانتصار مرات عديدة ومن التحرير ومنع أو صدّ أو درء الاحتلال. فكان سماحة الإمام الشهيد، على رأس الثورة والجمهورية في طهران، شريكاً لقيادة المقاومة وظهيراً للمقاومة في لبنان. وعليه، فإنّ الراحل الكبير والعظيم يستحقّ لقب العرّاب والأب الروحي للمقاومة وقيادة المقاومة، ولا سيما في لبنان، وهو الرمز والأيقونة والقدوة، الملهم لرجالات المقاومة في الفكر والعقيدة والسياسة والميدان والخيار والمسار والمسيّر.
بعد رحيل الإمام الخميني، تولّى الإمام الخامنئي قيادة إيران. واستمر على رأس القيادة، كمرشد أعلى للثورة والجمهورية الإسلاميتين في إيران، وكولي لأمر المسلمين في المنطقة والعالم، زهاء أربعة عقود من سنة 1989 إلى سنة 2026.
وعليه، فإنّ الإمام الخامنئي هو القائد التاريخي، كما أنّ الإمام الخميني هو القائد المؤسس. لقد تمكّن من قيادة ثنائية الثورة والجمهورية الإسلاميتين في إيران، حيث اجتازت طهران، تحت قيادته، العديد من الأحداث والتحدّيات والتهديدات والأخطار والاستحقاقات الداخلية والخارجية.
ومن أبرز هذه المحطات سنة 2019 مرور أربعة عقود على انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران سنة 1979، حيث رسم الإمام القائد الرؤية والخطة لانتقال إيران مع الثورة والجمهورية الإسلاميتين من الخطوة الأولى إلى الخطوة الثانية، بحسب تعبيره يومها، أي العبور، بعد أربعة عقود، من الطور الأول إلى الطور الثاني، مع الإنتقال، بعد أربعين سنة، من الجيل الأول إلى الجيل الثاني. وكان لا بدّ من المراجعة والتقييم والتقويم والتكييف على أعتاب بداية المرحلة الجديدة من عمر الثورة والجمهورية وتاريخ إيران.
واللافت في تجربة الإمام الشهيد أنه قام بتجسيد المدرسة الحسينية وبتكرار تجربة الإمام الحسين (ع) ابن الإمام علي (ع) في يوم عاشوراء وعلى أرض كربلاء. وهذه الجزئية مهمة جدّاً!
فالمسلمون الشيعة في البلد والمنطقة والعالم يتمسّكون بعقيدتهم، ويعتزون ويفتخرون بها. وفي صلب هذه العقيدة الدينية والسياسية العابرة للحدود والأوطان والأزمان، شهادة الإمام الحسين (ع)، ومظلوميته في هذه الشهادة، وتقديس هذه الشهادة. وهي تحيلنا إلى الشعار الذي يرفعه المسلمون الشيعة، والكثير من إخوانهم المسلمين السنة، ويؤمنون به، حول انتصار الدم على السيف! هذا الشعار لم يعد مجرّد شعار من دروس التاريخ.
لقد أعاد الإمام الخامنئي، بشهادته المباركة والمقدّسة، وتمسّكه بمبادئه، وثباته على مواقفه، حتى انقطاع النفس والرمق الأخير، مع كلّ العطاء والبذل والتفاني والإيثار والإنكار للذات، إحياء هذا التراث وتجسيد هذه الملحمة.
وهو دخل التاريخ من واسع أبوابه بصورة مختلفة عن الكثير من القادة والزعماء الذين خلّدهم التاريخ في صفحاته. فها هو دم الإمام الشهيد في طهران، كما دم السيد الشهيد في بيروت، وعلى غرار دم الحسين (ع) بن علي (ع)، ينتصر على آلة القتل الإسرائيلية، ويعيد كتابة بل صناعة التاريخ من جديد.
أما وقد استشهد سماحة الإمام الأكبر للمسلمين الشيعة وكبير مراجعهم، وقد ترك إرثاً كبيراً وعظيماً للأمّة، إن في السياسة أو في الدين والفقه والشريعة، فيبقى أنّ الوفاء للإمام الشهيد هو فريضة واجبة. لقد ضحّى الإمام بنفسه لأجلنا جميعاً، وأثبت للقاصي والداني مصداقيّته وصدقيّته.
هو لم يتراجع، لم يتنازل، لم يتخاذل، ولم يتنصّل من المسؤولية. من حقّه علينا الثبات على الدين، الحقّ، القضية والموقف. ومن واجبنا تجاهه ألّا نفرّط بما تركه لنا. هو نموذج رائد ومتميّز، وفريد من نوعه، بالمقاييس والمعايير الوطنية والقومية والدينية والإنسانية والأخلاقية.