حين غادرت دول الساحل "الإيكواس".. ودفعت بنين الثمن

تجربة بنين تكشف، بوضوح لا لبس فيه، أنّ الدولة ومهما بدت الأكثر انتظاماً سياسياً تبقى مكشوفة في فضاء تتآكل فيه آليات التنسيق وتستبدل فيه الشراكات بمنطق القطيعة.

  • "الإيكواس" وفرنسا… من مظلّة تكامل إلى إطار مُقيد للقرار.

من المنطقي أن تقرأ المحاولة الانقلابية في بنين في السابع من الشهر الجاري، وقبلها الانقلاب في غينيا بيساو في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، على أنها ارتداد للأزمات الأمنية لإقليم الساحل، وما يصاحبها من اشتباكات جيوسياسية بين القوى فوق الإقليمية تزيد الإقليم اضطراباً وهشاشة. 

بيد أن هذه القراءة الكلاسيكية باتت في تقديرنا غير قادرة على الإلمام بالحقيقة كلها، ذلك أنّ الأزمة في الساحل وغرب أفريقيا لم تعد ذات طابع أمني يمكن احتواؤها باستراتيجيات صلبة أو عسكرية، ولا ظاهرة عنف معزولة عن سياقها السياسي ومسارها التاريخي، وإنما غدت تعبيراً ماثلاً ومستمراً عن تحوّل قد يكون جذرياً في فكرة السيادة لدى دول المنطقة امتدت ارتداداته لتصل إلى بنين وغينيا بيساو. 

1.  تحوّل السيادة في الساحل وانكسار التصوّر الأمني القديم

إن الملاحظ منذ مطلع العقد الحالي أن دول الساحل، وبعضاً من دول غرب أفريقيا، دخلت حقبة جديدة في تاريخها تعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة، الإقليم، والأمن، في مناخ يتآكل فيه الإجماع القديم حول الأمن الجماعي، وتبرز فيه تصوّرات سيادية صلبة ترى في الانغلاق أمناً وحماية، وفي التكامل ضعفاً وانكشافاً.

لم يتشكّل هذا التحوّل فجأة، إنما هو في أصله تراكم جرى في إثر سلسلة من التحوّلات السياسية بدأت بانقلاب مالي في أغسطس /آب 2020، ثم تعمّقت مع انقلاب مايو/أيار 2021، قبل أن تتـسع دائرتها نحو بوركينا فاسو عام 2022، وتبلغ ذروتها مع انقلاب النيجر في يوليو/تموز 2023. خلال هذه السنوات، وبفعل تلك التجارب، أصبحت المؤسسة العسكرية أكبر من مجرد فاعل يتصاعد دوره ويظهر بشكل أكبر في سياقات التأزّم والحروب، بل تحوّلت إلى مركز يعاد فيه تعريف الدولة، وحدودها، وشرعية قرارها ومعنى سيادتها.

"الإيكواس" وفرنسا… من مظلّة تكامل إلى إطار مُقيد للقرار

هذه هي المقدمات التي أفرزت الانقلابات المتتالية، ثم أنجبت لاحقاً قرار انسحاب كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) مطلع عام 2024 مشكّلاً محطة مفصلية أحدثت كسراً في التصوّر الأمني في غرب أفريقيا منذ سبعينيات القرن الماضي أكثر من كونه تعبيراً عن خلاف تنظيمي عابر بين أعضاء ومنظمة. نقول هذا من منطلق أنّ "الإيكواس"، التي تأسّست عام 1975 كإطار اقتصادي تكاملي، طوّرت مع مرور الوقت تصوّراً أمنياً يربط بين الاستقرار والتداول المدني على السلطة مع التأكيد على التدخّل الإقليمي الوقائي عند الأزمات، فكانت سلسلة الانقلابات التي شهدتها دول الساحل بمنزلة خرق لهذا التصوّر الذي لم يعد يحظى بالإجماع بين دول "الإيكواس" كما كان الأمر عليه لحظة التأسيس. 

فالدول المنسحبة لم تنظر إلى "الإيكواس" في لحظة انسحابها منها باعتبارها مظلة حماية، وإنما كإطار يقيّد حرية القرار ويعيد إنتاج علاقات قوّة غير متوازنة، وبالأخصّ مع المستعمر القديم. ومن هنا، كان الانسحاب في أحد أوجهه احتجاجاً على عقوبات وخلافات سياسية ظرفية، ولكنه -في وجهه الآخر- كان إعلاناً عن قطيعة سيادية واعية مع منطق الأمن الجماعي ذاته الذي ساد "الإيكواس".

والحقّ أن فهم هذا التوجّه، ومن باب الإنصاف، سيظل متعذّراً من دون استحضار العامل الذي ظل لعقود يشكّل الخلفية الصامتة والصلبة في الآن نفسه لأزمات الساحل: الهيمنة الفرنسية المستمرة بأشكال محدثة. فمن منظور باماكو وواجادوجو ونيامي، لا تنفصل هشاشة الدولة عن تاريخ طويل من علاقات غير متكافئة مع قوة استعمارية سابقة احتفظت بنفوذ فعلي وحصري داخل منظومات الأمن، والاقتصاد، والقرار الاستراتيجي منذ ستينيات القرن الماضي. ثمّ إنّ الوجود الفرنسي المكثّف منذ عملية "سرفال" عام 2013، ثم "برخان" 2014، لم يكن -في تصوّر العواصم الثلاث- مشروعاً لاستعادة جزء السيادة الذي اغتصبه الإرهابيون بقدر ما كان إدارة طويلة الأمد لأزمة لم يرد لها أن تحسم، فجاءت النتيجة تهديداً يتفاقم، سيادة تتآكل أكثر، جيوشاً محلية تستنزف بلا عائد، ونخباً سياسية توضع كواجهة تحمّل كلفة الفشل أمام شعوبها، فيما يبقى مركز القرار والمستفيد الحقيقي خارج المجال الوطني.

بناءً على ذلك، خاضت الدول الساحلية الثلاث منذ عام 2020 مسارها التبريري عبر سردية حادّة ومباشرة وجّهت فيها الاتهام رأساً إلى فرنسا بوصفها قوة احتكرت تعريف الخطر والتهديد من دون أن تنجح في استئصاله، وأعادت هندسة سلّم الأولويات الأمنية على نحو يخدم حساباتها الجيوسياسية قبل أي اعتبار آخر. وتوازياً، أبقت فرنسا على قبضتها الاقتصادية الخانقة على هذه الدول من خلال منظومة فرنك المجموعة المالية الأفريقية، بينما ساهمت في تآكل القرار السيادي عبر أطر إقليمية أخذ يُنظر إليها، مع مرور الزمن كامتدادات غير مباشرة لنفوذها لا كمساحات تعاون متكافئ. 

من هذه المنطلقات، قدّمت (وتقدّم) القطيعة مع باريس ومع الهياكل التي يشتبه في خضوعها لتأثيرها، بوصفها مساراً متأخّراً لاستعادة السيادة كما تتصوّرها هذه الدول: سيادة القرار، حرية اختيار الشركاء بلا قيود وتنويعهم، وكسر الاحتكار، حتى وإن حمّل هذا المسار مخاطر استراتيجية جسيمة. 

بنين كإنذار استراتيجي لمستقبل غرب أفريقيا

بيد أنّ هذا التحوّل في تصوّر السيادة، مهما بدت مبرّراته التاريخية والسياسية مفهومة، محكوم بحتميات الجغرافيا ولا يمكن أن يحدث في الفراغ. فالساحل وغرب أفريقيا هما بطبيعتهما فضاءان مترابطان ومفتوحان، تتداخل فيهما المجتمعات المحلية، تتقاطع فيهما طرق التجارة والتهريب، وتتحرّك فيهما الجماعات المسلحة وفق ديناميكيات عابرة للحدود. ومنذ عام 2017، ومع تصاعد نشاط التنظيمات المسلحة في مثلث ليبتاكو-غورما الحدودي، تشكّلت بيئة عنف متحرّكة لا تقيم اعتباراً لا للحدود ولا للخرائط الرسمية. وما إن تفكّكت آليات التنسيق الإقليمي التي كانت "إيكواس" ومجموعة 5 ساحل (G5S) حاضنتها الأساسية وتراجع العمل الاستخباري المشترك، بدأت مفاعيل هذه البيئة تتمدّد جنوباً باتجاه دول خليج غينيا. 

هنا تبرز بنين بوصفها حالة اختبار استراتيجية لحركية هذه المفاعيل. فهذه الدولة، التي رسّخت منذ مؤتمرها الوطني عام 1990 مساراً ديمقراطياً أحسن نسبياً من باقي دول جوارها، ونجحت في تجنّب الانقلابات العسكرية التي ضربت محيطها، وجدت نفسها بسبب الجغرافيا، ومنذ 2021، أمام تهديد أمني غير مسبوق في تاريخها الحديث، ذلك أن الهجمات التي طالت مناطق الشمال، لا سيما في أقاليم أتاكورا وأليبور المتاخمة لحدود بوركينا فاسو والنيجر، كانت مؤشّرات قوية على بداية تآكل الحزام الوقائي الإقليمي.

باختصار، بنين لم تدخل صراعات الساحل، ولم تتبنّ سياسات عدائية تجاه جيرانها، ولم تكن جزءاً من الفضاء الذي أنتج الأزمة، ومع ذلك، انتقلت إليها مفاعيلها السلبية وارتداداتها. وتكمن خطورة ما حدث في بنين في دلالته لا في عدده، فالتجربة البنينة كشفت أنّ الاستقرار السياسي، مهما كان راسخاً، لا يصنع حصانة أمنية في إقليم يتفكّك فيه التصوّر الجماعي للأمن. ومع انتقال الهجمات نحو توغو وساحل العاج منذ 2022، بات واضحاً أنّ الخطر يزحف رويداً رويداً نحو ما يعتبر "مراكز الاستقرار" متجاوزاً "هوامش الساحل" المأزومة. 

السيادة المنغلقة وتوزيع الهشاشة والتهديد

هنا، تتجلى مفارقة كبرى تسترعي الانتباه والتفكير؛ فالسيادة المنغلقة، التي اختارتها دول الساحل بمبرّرات توصف بالموضوعية كما شرحنا سالفاً، أسهمت عملياً في إعادة توزيع الهشاشة على الإقليم بأكمله، فحين تغلق دولة حدود التنسيق، لا تغلق مسارات العنف معها، وإنما تفتحها على جيرانها، وحين تنسحب ثلاث دول متجاورة من منظومة إقليمية دفعة واحدة، يتحوّل الفراغ إلى عامل تمدّد للتهديد لا إلى مساحة احتواء، لا سيما إذا كانت هذه الدول هشة في أصلها وضعيفة القدرات في وجه تهديدات تصدر عن جماعات مسلحة باتت تشبه الجيوش في عدتها وعديدها. 

أمام هذا الواقع، تجد "الإيكواس" نفسها أمام اختبار تاريخي وهي تنظر إلى ما يحصل في بنين. فالأزمة لم تعد مسألة قدرة على الردع أو فرض العقوبات، كما ظهر بعد انقلاب النيجر في 2023، بقدر ما استحالت أزمة تعارض بين نموذجين؛ أولهما سيادي، وثانيهما يقوم على التكامل الإقليمي. وفي وجه هذا التعارض قد يدفع التشدد نحو مزيد من الانقسامات، في حين قد يحوّل التساهل المنظمة إلى إطار شكلي بلا مضمون ولا صلاحيات.

وتقف بنين، ومعها دول خليج غينيا، في قلب هذه المعادلة المختلّة، فإن كانت قد التزمت بالمنظومة الإقليمية، فإنها تدفع اليوم ثمن تصدّعها. هنا تحديداً تتجاوز الأزمة بعدها الأمني لتصبح سؤالاً عن العدالة الإقليمية، وعن كلفة الخيارات السيادية حين تمارس بشكل منفرد في فضاء مترابط، وكيف يمكن أن تنتج أثر دومينو في الدول التي ستنظر إلى "إيكواس" وهي عاجزة عن وقف التهديد كعبء يجب التفكير في كيفية التخفّف منه.

في المحصلة، لا تواجه منطقة غرب أفريقيا خطر الجماعات المسلحة وحده، وإنما تقف أمام أزمة أعمق تتعلق بتفكّك المعنى المشترك للسيادة والأمن معاً. وما فشل محاولة الانقلاب التي شهدتها بنين مؤخراً إلا دليل على أنّ ارتدادات أزمة الساحل تجاوزت مرحلة التهديد الحدودي، ودخلت طور الاختراق الداخلي للدول التي ظلت إلى وقت قريب تعتبر في منأى عن العاصفة. فبنين التي حافظت على توازن بين السلطة المدنية والمؤسّسة العسكرية، وجدت نفسها فجأة أمام تصدّع في جدارها السيادي من دون أن يكون الخلل في اختياراتها السياسية، ذلك أن ما حصل هو بالأساس نتيجة حتمية لانهيار المنظومة الإقليمية التي كانت تشكّل خطّ دفاعها غير المرئي. وبالرغم من فشل هذه المحاولة إلا أنها لا يمكن أن تقرأ بوصفها حادثاً معزولاً أو انحرافاً فردياً، بل كإنذار استراتيجي يؤكد أن السيادة حين تمارس في فضاء متفكّك تفقد معناها الوقائي، وأن الاستقرار الوطني لا يصمد طويلاً حين ينهار الإطار الجماعي الذي يحتضنه. 

إن تجربة بنين تكشف، بوضوح لا لبس فيه، أنّ الدولة ومهما بدت الأكثر انتظاماً سياسياً تبقى مكشوفة في فضاء تتآكل فيه آليات التنسيق وتستبدل فيه الشراكات بمنطق القطيعة. ومن دون إعادة التفكير في الأبعاد الأخرى للسيادة بوصفها مفهوماً ينطوي ضمن معانيه على معنى المسؤولية الإقليمية، سيظل الخطر يتحرك من الهامش إلى المركز، ومن الساحل إلى خليج غينيا، حتى يستقر في قلب غرب أفريقيا كله.