حلف الاطمئنان
اتفاق السعودية وباكستان وتركيا يعكس إعادة ترتيب أدوار إقليمية ومصالح مشتركة، أكثر من كونه تحالفاً موجهاً ضد عدو محدد.
-
حلف الاطمئنان
ما إن تم الإعلان عن توقيع اتفاقية التعاون المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا حتى سارع المحللون السياسيون إلى البحث عن الجهة المستهدفة بهذا التحالف، فالسعودية شهدت مؤخراً تصعيدا ًفي العمليات اليمنية ضدها، إضافة إلى استهداف بعض المواقع الأميركية على أراضيها، وباكستان التي تشهد حدودها مع الهند اشتباكات متقطعة، تحولت قبل فترة إلى حرب كان يمكن أن تتسع لولا التدخل الأميركي، تختلف ظروفها عن تركيا التي ليست معرضة لخطر خارجي وشيك يهدد حدودها. يطرح هذا التباين السؤال الأهم، من هو العدو؟
رغم الضجة الإعلامية التي أثارها كيان الاحتلال حول أن "إسرائيل" هي المستهدفة بهذا الحلف، إلا أن ما يحدث على أرض الواقع يقول إن قيامها بعدوان على أي من دول الاتفاق احتمال معدوم، فهذه الدول رغم تباين سياساتها من الكيان، إلا أنها جميعاً تدور في الفلك الأميركي، وتلعب كلٌ منها دوراً مهماً في السياسة الأميركية في المنطقة. في الوقت نفسه لا تمتلك دول الاتفاق موقفاً موحداً من الكيان الصهيوني، فتركيا تربطها به علاقات دبلوماسية وتجارية قوية، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2024 حوالى 9.2 مليار دولار، أما باكستان فتعلن موقفاً عدائياً للكيان، وهو ما صرّح به، عقب توقيع الاتفاق، وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بقوله: "على العالم الإسلامي الاتحاد لمواجهة التهديد المشترك الذي تمثله إسرائيل"، أما السعودية فموقفها ضبابي، وسط تحليلات وتصريحات تعلن عن قرب توقيعها على اتفاق سلام مع العدو، وتعود لتعلن بُعدها عن توقيع هذا الاتفاق، وربط موقفها منه بشروط تتعلق بإنهاء الحرب على غزّة، وقيام الدولة الفلسطينية. لكن المملكة استقبلت وفوداً، بشكل خاص رياضية، من الكيان، ما يشير إلى أنها لا تراه عدواً. تشير هذه الوقائع إلى أن الكيان الصهيوني ليس العدو الذي يستهدفه الاتفاق.
في سياق ما يدور في منطقتنا منذ بداية ما سُمّي الربيع العربي، كان لا بد من إثارة البُعد الطائفي للاتفاق، فقد رأى بعض المحللين أن الاتفاق يحمل بُعداً طائفياً سنياً، لاستغلال الفراغ الذي نجم عن ضعف "المحور الشيعي" بعد سقوط الدولة السورية، والضربات التي وجهتها القوى الإمبريالية لحزب الله وإيران. تبنّت هذا التحليل دوائر سياسية وإعلامية عربية، مشهورة بمواقفها المعادية للمقاومة أولاً، وباستغلالها الرواية الطائفية لتفسير الحروب في المنطقة، وتحويلها من حروب استعمارية تستهدف المنطقة وسكانها بجميع أديانها وطوائفها، إلى حروب طائفية داخلية، مسقطة البعدين الاستعماري والوطني عنها. لكن هذه الرواية تصطدم، مرة أخرى، بالوقائع على الأرض، فباكستان وتركيا تربطهما علاقات سياسية وتجارية وأمنية وثيقة بإيران، والسعودية اختارت التعامل الدبلوماسي والابتعاد عن التصعيد مع إيران خلال الحرب التي تشنها الولايات المتحدة عليها. هذا الموقف السعودي ليس وليد التعقل الدبلوماسي السعودي فقط، لكنه يرتبط بشكل وثيق بفشل الولايات المتحدة في الدفاع عن حلفائها في منطقة الخليج، وإدراك السعودية أن الولايات المتحدة تبحث عن اتفاق مع إيران يحفظ ماء وجهها، لتنسحب وتترك حلفاءها في مواجهة إيران منفردين. هذا ما ذهب إليه الدبلوماسي الأميركي كريستوفر هيل بقوله: "ثمة فرق بين أن تكون غير متوقع بتصرفاتك، وبين أن تصبح طرفاً لا يمكن الاعتماد عليه؛ وأعتقد أننا أصبحنا كذلك".
كما أن إيران لم تأخذ موقفاً متشدداً من الاتفاق بل وجدت به وعياً لدى الموقعين بتضاؤل الدور الأمني الأميركي في المنطقة، وهو ما صرّح به الناطق باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بقوله: "توقيع اتفاقية مكة يشير إلى تحول في إدراك دول المنطقة، بأن الأمن ليس سلعة قابلة للشراء". مرة أخرى نجد أن الوقائع تشير إلى أن إيران ليست العدو المستهدف بالاتفاق.
من المؤكد أن المواجهة مع اليمن لا تحتاج إلى مثل هذا الحلف، وأن السعودية لن تخاطر بعلاقاتها التجارية مع الهند والتي يبلغ حجمها السنوي 40 مليار دولار (مع فائض لصالح السعودية حوالى 15 مليار دولار) وتتدخل عسكرياً حال اندلاع مواجهة عسكرية بين الهند وباكستان. كل هذا يعيدنا إلى المربع الأول، والسؤال الكبير من هو العدو؟
هل يمكن أن يكون الاتفاق من دون عدو محدد؟ لا شك في إمكانية قيام أحلاف عسكرية ذات طابع وقائي عام، لكن هذا لا يحدث في المناطق التي تعجّ بالحروب والأزمات، فالأحلاف في بؤر الأزمات تنشأ ضمن رؤى تحقق مصالح أطراف على حساب أخرى، والمحتوى الأمني للحلف الجديد يقوم على حساب أمن واستقرار دول وشعوب أخرى في المنطقة، ولا يتعامل مع القلق الذي تولّد لدى دول عديدة من قيامه، ولعل أبرز مظاهر هذا القلق ابتعاد دول رئيسية في المنطقة عن الالتحاق به.
لكننا وبعيداً عن ميدان المعارك، نستطيع تحليل الاتفاق سياسياً. بالنسبة للسعودية فالحرب على إيران، وما أظهرته من هشاشة منظومات الدفاع الأميركية في دول الخليج، جعلها تستعيد دورها الرئيس في منطقة الخليج، مستفيدة من موقعها ومساحتها الجغرافيين. هذا الدور الذي تراجع لصالح الإمارات التي تخوض السعودية صراع مصالح معها في السودان، واليمن، إضافة إلى العلاقات الإماراتية مع الكيان الصهيوني والتي تشكل ضغطاً على السعودية للذهاب إلى اتفاق سلام مع العدو الصهيوني تحت المظلة الإماراتية. من جانب آخر، سوف تستفيد السعودية اقتصادياً من استعادة علاقاتها مع تركيا التي انحازت إلى قطر في الخلاف السعودي القطري، فقد انخفض حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال الأزمة إلى أقل من مليار دولار، لكنه شهد انتعاشاً منذ عام 2024، ووصل مع نهاية عام 2025 إلى حوالى 8.6 مليارات دولار. أما باكستان بما تتمتع به من علاقات وثيقة مع إيران فتشكل حلقة الوصل التي تخفف التوتر بين السعودية وإيران، وهو ما ظهر جليّاً في اتصال وزير خارجية الباكستان بنظيره الإيراني وإطلاعه على بنود اتفاق مكة، كما تلعب باكستان بصفتها قوة نووية دوراً مهماً في تحييد التهديد النووي الذي يشكله العدو الصهيوني.
بالنسبة لباكستان، التي تتعرض للتهديد من الهند المدعومة من الكيان الصهيوني والإمارات، فالاتفاق الذي يعزز موقع السعودية في منظومة أمن الخليج على حساب الإمارات يصب في مصلحتها، كما أن اصطفافها مع دولتين حليفتين للولايات المتحدة في المنطقة، يعمل على تحييد الدعم الأميركي للهند. يُضاف إلى ما سبق سعي باكستان إلى لعب دور إقليمي أكثر أهمية في ظل تصاعد الدور الإيراني والذي يُتوقع أن يأخذ بُعداً أكثر أهمية بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
تركيا الباحثة دائماً عن دور إقليمي، تعاني من تراجع دورها بعد عودة قطر إلى حجمها السياسي، وتقدم الكيان داخل سوريا ومحاولته فرض أجندته عليها، وجدت في الاتفاق بوابة عريضة لاستعادة دورها في أمن المنطقة.
في الخلاصة تمكّن الاتفاق من معالجة الهواجس التي تعاني منها دوله، التي تجد وسيلة لطمأنتها على مستقبل أنظمتها السياسية، لكنه لم يغادر موقعه كحلف يدور في الفلك الإمبريالي، ويصبّ في مصلحة الرأسمالية وحلفائها في المنطقة. سيبقى الدور العسكري لهذا التحالف محدوداً بالمناورات وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومن غير المرجّح وصوله إلى الانخراط في العمليات القتالية.