حضور الجزائر العسكري في النيجر: تحوّل ممارسة أم تحوّل عقيدة؟

تشكّل النيجر حلقة العبور الوحيدة بين غاز نيجيريا وبنية الجزائر التحتية الموصولة بأوروبا والتي من دونها لا يستقرّ أمنه، وعند هذه الحلقة يتّسع معنى حدود منطقة أمن الجزائر، ليمتد مع الأنبوب إلى حيث يمضي، بالغاً تخوماً أبعد من تمنراست. 

0:00
  • ما الذي يُحمى؟ الأصول الجزائرية في النيجر
    ما الذي يُحمى؟ الأصول الجزائرية في النيجر

مالت جلّ الكتابات التي تناولت قرار الجزائر إرسال وحدات من جيشها إلى النيجر إلى اعتباره تحوّلاً في العقيدة الدفاعية الجزائرية، وكأنّ دولةً عرفت لعقود بمبدأ "عدم التدخّل" قد طوت فجأة صفحة وفتحت أخرى! لكنّ هذا الادّعاء يحتاج إلى اختبار، فهل نحن حقّاً أمام عقيدةٍ جديدة؟ أم أمام ممارسة جديدة لا تحيد عن العقيدة الأصلية؟ ذلك أنّ انتقال الجزائر من عدم التدخّل المطلق إلى انتشار مشروط وبطلب من سلطات النيجر، قائم على حماية الأصول الاستراتيجية الجزائرية-النيجرية المشتركة، لا يمكن عدّه، هكذا وببساطة، تحوّلاً في العقيدة الدفاعية للجزائر أو نزعة منها للتدخّل. 

قرار متدرّج لا قفزة من الفراغ

يوم الاثنين 25 تشرين الأول/أكتوبر قرّر الرئيس الجزائري إرسال وحدات من جيش بلاده إلى النيجر، استناداً إلى المادة 91 من الدستور الجزائري وبعد مصادقة بالإجماع من البرلمان الجزائري على القرار. 

إنها المرّة الأولى التي تُرسل فيها وحدات برية جزائرية إلى الخارج منذ حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، أي منذ 53 عاماً. غير أنّ حجم المفرزة وموعد انتشارها لم يعلنا، والمهمة في الأساس هي "ضمان حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية-النيجرية" بنصّ بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية. حدث وازن ببيان قصير، لكنه مشحون بالدلالات؛ وفي هذه الدلالات بالذات يعمل التحليل. 

لم يهبط القرار من فراغ، لقد مُهّد إليه درجةً درجة، والعودة إلى حركيّة العلاقات الجزائرية-النيجيرية منذ عام ونصف العام ضرورية جدّاً هنا. ففي 11 شباط/فبراير 2025 وقّعت الجزائر ولاغوس ونيامي اتفاقاتٍ لتحديث دراسات جدوى أنبوب الغاز العابر للصحراء. وفي 16 شباط/فبراير 2026 استقبل الرئيس عبد المجيد تبون الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني في الجزائر، وهنالك أعلن أنّ المرحلة العملية للأنبوب العابر للصحراء ستبدأ بعد شهر رمضان 2026، وأنّ سوناطراك الجزائرية ستتولّى إنجازه. ثمّ بعدها بيوم، أعلنت وكالة الأنباء الجزائرية عن قرار جزائري-نيجري مشترك بتفعيل آليات تعزيز مراقبة الحدود. 

في الصيف، تحوّلت القرارات إلى وقائع جسّدها توقيع سوناطراك وسونيديب (SONIDEP) النيجرية ثلاث مذكّرات تفاهم في الاستكشاف والحفر وتوزيع المنتجات في 2 حزيران/يونيو، وبعدها بيوم صادقت اللجنة الوزارية الخامسة للأنبوب الملتئمة بالجزائر على دراسة الجدوى منها، لتنطلق يوم 4 حزيران/يونيو 2026 الأشغال على المقطع الجزائري في أولف جنوب الجزائر. 

وفي 9 آب/أغسطس دخل الدفاع على الخطّ يوم انطلقت من عين قزام (أقصى جنوب الجزائر) مروحيتان من طراز MI-24V، ومثلهما من طراز MI-171، محمّلة بالذخيرة وقطع الغيار نحو نيامي. وفي نهاية الشهر نفسه، وبطلب من السلطات النيجرية العليا، حطّت في نيامي أربع مقاتلات سوخوي جزائرية (سو-30) وطائرة للتزوّد بالوقود، بعد محاولة انقلاب شهدتها القاعدة الجوية 101 في نيامي ليلة 28-29 آب/أغسطس، وبقيت المقاتلات أياماً في النيجر قبل عودتها إلى قواعدها جنوب الجزائر. ليأتي توقيع بروتوكول التعاون العسكري بين رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة ووزير الدفاع النيجري الفريق أول ساليفو مودي، ويتبعه التصويت والقرار. 

يحتاج هذا التسلسل إلى تأمّل، أنبوب فمروحيات فمقاتلات فبروتوكول فجنود. كلّ حلقة هي امتداد لما قبلها وفق متتالية قادت الطاقة فيها السياسة ثمّ قادت السياسة فيها الدفاع، حتى إذا بلغت مبتغاها كان الطريق قد سُوّي بحيث لا يبدو إرسال وحدات قفزة من الفراغ.

تلكم هي براعة التحوّل الناجح، أن ينجز من دون أن يسمّى. 

ما الذي يُحمى؟ الأصول الجزائرية في النيجر

يكمن الجواب في الجغرافيا قبل السياسة. لقد صمّم أنبوب الغاز الضخم العابر للصحراء ليمتدّ على قرابة 4128 كيلومتراً؛ منها 1037 كلم في نيجيريا و841 كلم في النيجر و2310 كلم في الجزائر، وبكلفة إنجاز تقدّر بنحو 13 مليار دولار لنقل نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى أوروبا. وتحمّلت سوناطراك مسؤولية إنجاز المقطع النيجري منذ بعثة تقنية إلى نيامي في آذار/مارس، في حين بقي تمويله غير معلن رسمياً. وعلى الأرض الجزائرية، تشقّ سوناطراك مقطعاً جديداً طوله 1210 كيلومترات، يلتقي عند مدينة أولف بولاية أدرار بشبكتها القائمة. 

من هنا تتضح مكانة النيجر في قلب هذا المشهد، إنها حلقة العبور الوحيدة بين غاز نيجيريا وبنية الجزائر التحتية الموصولة بأوروبا والتي من دونها لا يستقرّ أمنه، وعند هذه الحلقة يتّسع معنى حدود منطقة أمن الجزائر، ليمتدّ مع الأنبوب إلى حيث يمضي، بالغاً تخوماً أبعد من تمنراست. 

لا تكتمل صورة ثقل النيجر في معادلة المصالح الاستراتيجية الجزائرية في الحقيقة من دون الإشارة إلى حقل كفرا النفطي في منطقة أغاديز، حيث تحتفظ سوناطراك بحصة مساوية لحصة شريكتها سونيديب (SONIDEP)، وتنشط هناك منذ 2005 عبر فرعها سيبكس (SIPEX). وكان وزير النفط النيجري قد أعلن في 9 أيلول/سبتمبر أنّ الموارد الاستشرافية للجزء الشمالي تبلغ 2.5 مليار برميل وفق دراسة أجريت عام 2023، مع رسم برنامج من أربعة آبار على مدى عامين للشروع في استخراجها. وقد قطعت حفّارة إنافور (ENAFOR) الجزائرية أكثر من 2000 كيلومتر من حاسي مسعود لحفر بئر بعمق يناهز 3900 متر، في موقع يبعد نحو 85 كيلومتراً عن الحدود الجزائرية. 

ويرتبط الأصلان بصلب النموذج الذي تبني عليه الجزائر حضورها الخارجي، أي الطاقة، فيرتقي أمنهما إلى مرتبة المصالح العليا الحيوية للجزائر. 

من الاستثمار إلى الحضور

فرضت طبيعة هذه الأصول وحجمها منطق الحضور بالنسبة للجزائر، فالاستثمار في أصول ثابتة يربط رأس المال بالأرض، ويمنح الأطراف المحلية قدرة تفاوضية بعد التنفيذ تفوق ما كانت تملكه قبله. 

ويزداد إلحاح هذا المنطق أكثر مع شريك مضيف ما زال هشّاً أمنياً وسياسياً، إذ أثبتت محاولة 28-29 آب/أغسطس أنّ حدثاً واحداً في العاصمة يكفي لإعادة فتح ملفات العقود والممرات وإعادة كلّ شيء إلى نقطة الصفر. وبما أنّ الجزائر تدخل المشروع منفّذاً ومموّلاً في الآن ذاته، فإنّ الرهان بالنسبة إليها يصبح مضاعفاً ويغدو أمن الخط بموجبه جزءاً من أمن رأس مالها واستثماراتها. 

وتمتد الهشاشة ذاتها إلى المجال الجغرافي المحيط بالمشروع، فشمال النيجر فضاء رخو تنشط فيه جماعات مسلحة عابرة للحدود، بدليل أنّ بلدة أسماكا القريبة من الحدود لا تزال تتعرّض إلى غاية الآن لهجمات إرهابية متواترة. من هنا يتحوّل الحضور العسكري الجزائري - في ظلّ هذه الظروف - إلى وظيفة تأمين لا مناص منها تمنح التعهّدات السياسية قدرة على الاستمرار، مع توفير حماية السبق الزمني لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء في سباق الممرات، وهو سبق تتحوّل كلّ ثغرة أمنية في مقطعه النيجري إلى هدر لمكاسبه.

ولا شكّ أنّ الرهانات تمتد إلى ما هو أبعد من الأنبوب. فالمسعى الجزائري يستهدف تثبيت نيامي شريكاً استراتيجياً تبنى العلاقة معه على المدى الطويل عبر شبكة مصالح تضمّ الغاز والنفط والتكوين العسكري، مع تعميق ارتباطها الاقتصادي بالجزائر عبر منحها منفذاً متوسطياً لصادراتها يجنّبها تكلفة تعثّر مسار التصدير عبر بنين. وبمنظار هذا الحساب الجيوسياسي، تبقى نيامي بوابة محتملة نحو تحالف دول الساحل، تمنح الجزائر رصيداً في مسار إعادة بناء علاقاتها مع باماكو وواغادوغو.

الخصوم في الإقليم.. دافع مباشر وبنيوي

لا تكتمل صورة دوافع القرار الجزائر من دون استحضار معطيات المنافسة الإقليمية على الممرات نحو أوروبا. ففي وجه المشروع الجزائري يحضّر على الورق مشروع أطلسي، يطلب تمويلاً أميركياً، لنقل غاز نيجيريا عبر نحو 6900 كيلومتر و13 دولة بكلفة تناهز 25 مليار دولار، يزمع اتخاذ قراره الاستثماري النهائي قبل نهاية السنة الجارية. وبما أنّ المشروعين يتكئان على الغاز نفسه، ويستهدفان السوق ذاتها، فإنّ كلّ اضطراب في أيّ ممرّ سيتحوّل إلى نقاط لصالح الممرّ الآخر في سباق العقود.

لا شكّ أنّ المشروع المنافس ليس سوى جزء من محاولات استدارة في المنطقة عبر آلية البنى التحتية والتمويل والشبكات ينتهجها خصوم الجزائر، وهو ما تنظر إليه الأخيرة كتضييق تدريجي على مصالحها. وأمام وضع كهذا، تتوافر فيه للمنافسين والغرماء قدرات التمويل وتوظيف الوكلاء وبناء التحالفات ضدّ الجزائر، يتبدّد الاعتماد على حسن النيّات، ويصبح الحضور المباشر أداة لا مناص منها لرفع كلفة أيّ محاولة لتغيير موازين الممرّ. في هذا الصدد، يكشف الردّ الجزائري على محاولة الانقلاب ليلة 28-29 أيلول/سبتمبر عن هذا المنطق، فقد أرسلت المقاتلات ثمّ سحبت في غضون أيام، وبقيت المهمة المعلنة في حدود تأمين المنشآت، وهو ضبط جزائري متعمّد للردّ يهدف إلى إيصال رسالة ردع من دون الانزلاق نحو مواجهة أشمل.

هندسة الشرعية

فتح استفتاء 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2020 الباب دستورياً لإرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى الخارج، وأبقاه موارباً قرابة ست سنوات حتى جاءت لحظة استعماله. واليوم يفتح القفل بمفتاحه: طلب من الدولة المضيفة، وتصويت بإجماع الغرفتين، ومهمة محصورة في حماية المنشآت وتنأى عن القتال. كلّ عنصر من هذه العناصر يبقي العقيدة الجزائرية المعتادة قائمة؛ لا غزو، ولا وصاية، ولا مغامرة. 

وليست السابقة جديدة بالكامل، فقد عرفت الجزائر الانتشار الخارجي في 1967 و1973 حين أرسلت قوات إلى مصر للمشاركة في الحروب ضدّ الكيان، غير أنّ مرجع الشرعية آنذاك كان التضامن العربي، أما اليوم، فمرجعها هو حماية الأصول والمصالح بالتراضي. 

إذاً، إن كان الإطار قد تغيّر فقد بقي الجوهر، والجوهر هو أنّ الثقافة الاستراتيجية الجزائرية ترفض الخارج غير المؤطّر، لكنها تقبل الخارج المؤطّر. ومن هنا فصمت العقيدة وظيفة لا نقيصة؛ لأنه يمنح القرار مرونة، ويخفّض كلفته الخطابية أمام جيران يراقبون، وأمام جمهور نشأ على سردية الرفض.

تحوّل في الممارسة والعقيدة تنتظر الدليل

بناء على بنية الدوافع ومسار شرعنة القرار ومتكآته، وكذا ضغط مشاريع الخصوم، يمكن الحكم بأنّ الزعم بالتحوّل العقدي غائب أصلاً في حالة الحضور الجزائري في النيجر. والحجّة هنا وجيهة، فلا كتاب أبيض جديد، ولا قواعد اشتباك معلنة، ولا مؤشّر في الموازنة على بنية قوّة استكشافية، وما لم تنشر وثيقة تفصّل في كلّ هذا، سيظلّ كلّ حديثٍ عن "تحوّل في العقيدة" استدلالاً من السلوك.

هنا بالضبط تقف أطروحتنا. فعلاً تغيّرت الممارسة بما يكفي ليكون الأمر سابقة، بيد أنّ العقيدة بقيت على حالها. والفصل في تحوّل العقيدة مرهون بأربعة مؤشّرات: أن تنتقل المهمة من حماية موقع ثابت إلى دوريات أو عمليات ضدّ الجماعات المسلحة؛ وأن يتكرّر النموذج في بلد آخر؛ وأن يظهر خطاب رسمي مؤسّس أو وثيقة دفاعية تذكره؛ وأن تستثمر الجزائر في قدرات النقل الجوي والإسناد اللوجستي التي لا يحتاجها جيش مرابط في حدوده. وإلى أن يتحقّق بعض هذه المؤشرات، تبقى كلّ قراءة تزعم التحوّل في العقيدة الدفاعية للجزائر فرضيّة تنتظر أدلّتها.