جدل السيادة والجغرافيا الوظيفية: هل يُعيد زلزال مقديشو تعريف قواعد اللعبة؟
مقديشو جعلت من مشروعيتها سلاحاً ماضياً في مواجهة ما يمكن وصفه بــــ "البلطجة الجيوسياسية"، ونجحت في إبطال المشروع الإماراتي الإسرائيلي، هل ستجني الصومال الاستقرار أم الفوضى؟
-
يبدو المشهد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر كمسار تصادمي بين نموذجين.
في قرار جيوساسي جريء، أعلنت الحكومة الصومالية في الـ 11 من كانون الثاني/يناير الجاري، إلغاء جميع اتفاقياتها الأمنية والاقتصادية مع دولة الإمارات العربية، لم يكن قرار مقديشو محض ردّ فعل على انتهاكات أمنية فقط، بل ضربة استراتيجية في صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.
ويعود هذا القرار إلى سببين رئيسيين: انتهاك أبو ظبي للسيادة الوطنية الصومالية من خلال عملية تهريب عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي في جنوب اليمن، واستغلال بعض الموانئ البحرية والجوية وتوظيفها في خدمة "تل أبيب" إبان عدوانها على غزة، إضافة إلى الدور الإماراتي في تيسير اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال (صومالي لاند).
الجغرافيا الوظيفية: آلية اختراق السيادة
في سياق سابق لقرار مقديشو الأخير، كان قد ترسّخ الدور الإماراتي في أرض الصومال عبر توظيف مفهوم "الجغرافيا الوظيفية"، الذي تمّت من خلاله تجزئة السيادة الوطنية الصومالية باستغلال الموانئ والمضايق والقواعد في بوصاصو وكيسمايو وبربرة وغيرها، وجعلها أدوات لخدمة نفوذ إقليمي يتجاوز الدولة المركزية في مفهومها وسلطانها.
لقد قسّم هذا النفوذ القرار السيادي الصومالي بين سلطة شرعية معترف بها وطنياً وإقليمياً ودولياً، وبين فاعلين محليين مرتبطين بقوى خارجية طامحة في صفقة مُقايضة تقدّم فيها سيادة البلاد ووحدتها ثمناً للسلطة على جزء من ترابها الوطني.
غير أنّ مقديشو، جعلت من مشروعيّتها الوطنية والدولية سلاحاً ماضياً في مواجهة ما يمكن وصفه بــــ "البلطجة الجيوسياسية"، ونجحت في إبطال المشروع الإماراتي الإسرائيلي، وفي تعطيل شبكة النفوذ الإقليمي بضربة واحدة برغم عدم التكافؤ في موازين القوة المادية.
الشراكة الثلاثيّة ومشروع الهيمنة على المضايق والممرات الاستراتيجية
تعزّزت الشراكة الاستراتيجية الإماراتية-الأميركية منتصف عام 2024، وحوّلت هذه الشراكة في طورها الجديد أبو ظبي إلى "وكيل أمني" لواشنطن في الفضائين العربي والأفريقي بشكل عامّ، وفي حوض البحر الأحمر بشكل خاصّ.
وقد سبق ذلك تعاون ثلاثي إمارتي-إسرائيلي-أميركي، في إطار المشروع الإبراهيمي عام 2020، وبموجب تلك الشراكة الاستراتيجية، أوكلت واشنطن لأبو ظبي أدوراً كبيرة وخطيرة في الحوض، شملت التنسيق الأمني والعسكري مع "تل أبيب" لدعم عدوانها على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مستفيدة من وجودها ونفوذها في جنوب اليمن وشمال الصومال.
ويعكس ذلك الربط الثلاثي، تحوّلاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية نحو التركيز على السيطرة على المضايق والممرات البحرية، لكسر الطوق الذي فرضته عليها صنعاء في إسنادها لغزة، وحوّلت تلك الشراكة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر إلى ساحة صراع بالوكالة بين "إسرائيل" والإمارات من جهة، والنظم الشرعية في هذه المنطقة من جهة أخرى.
لعبة الموانئ: تفكيك الدول بالنفوذ الإماراتي
تقود الإمارات استراتيجية توسّع، تعتمد على شبكة من الموانئ الاستراتيجية، بحرية وجوية، في اليمن وأفريقيا، مدعومة بعلاقات مع فاعلين سياسيين وميليشات محلية في عدة دول، ويتجلّى نموذجها هذا في دعمها للواء خليفة حفتر في ليبيا، والمجلس الانتقالي في جنوب اليمن، والدعم السريع في السودان، إضافة إلى إدارتها علاقات مع كيانات انفصالية في أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند في الصومال، وتهدف هذه الاستراتيجية الى تحقيق هدفين متلازمين: الهيمنة على الدول من خلال نقاط نفوذ داخلية، أو العمل على تفكيكها في حال تعذّر السيطرة عليها ككيان موحّد. وينطلق هذا المسعى من إطار الشراكة الثلاثيّة مع أميركا و"إسرائيل"، تلك الشراكة التي حوّلت أبو ظبي إلى شريك لوجيستي عسكري ومالي متقدّم.
التداعيات: التحالف المضاد
ولقد أدّى تفعيل هذا الدور الإماراتي في اليمن ثمّ الصومال إلى تداعيات جيوسياسية عميقة، تمثّلت في:
- اختراق التضامن الخليجي: إذ أدّت سيطرة المجلس الانتقالي المدعوم إمارتياً على محافظة حضرموت اليمنية إلى اعتبار السعودية ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ومجالها الحيوي، ولاستقرار رؤيتها الاستراتيجية 20230، ومشاريعها ومصالحها الكبرى في البحر الأحمر بما في ذلك "مشروع نيوم"، مما دفعها إلى التدخّل عسكرياً لوقف هذا التمدّد.
- تكتل التحالفات المضادة: حيث أدّى الدور الإماراتي في الصومال، وتسهيلها للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، إلى تعظيم المخاوف الإقليمية لدى السعودية ومصر وتركيا، إضافة إلى الحكومة المركزية في مقديشو التي رأت في الاعتراف انتهاكاً صريحاً لسيادتها، وتهديداً لوحدة ترابها الوطني، وكانت نتيجة التلقائية نشوء تعاون رباعي (سعودي-صومالي-مصري-تركي) تدعمه قطر وتباركه عُمان، يهدف إلى مواجهة مخاطر النفوذ الإماراتي-الإسرائيلي في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وللدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية المركزية كضامن للاستقرار في مواجهة مشاريع إعادة التشكيل القائمة على التفكيك ورسم الخرائط الجيوسياسية الجديدة.
وبهذا، يبدو المشهد في القرن الأفريقي والبحر الأحمر كمسار تصادمي بين نموذجين: نموذج التفكيك عبر كيانات وظيفية انفصالية، وآخر يسعى لتكريس الدولة الوطنية وتكريس شرعيتها، وضمان سيادتها وفاعليتها في تحقيق الاستقرار. وتعكس هذه المواجهة جوهر الصراع الأوسع على شكل وطبيعة النظام الإقليمي المستقبلي ومصادر النفوذ فيه.
زلزل جيوسياسي
أدّى قرار الصومال والموقف السعودي المسنود إقليمياً إلى تراجع دراماتيكي للنفوذ الإماراتي-الإسرائيلي-على ثلاث جبهات مترابطة، وأطلق سلسلة من التفاعلات الجيوسياسية الكبرى، أولاً في اليمن حيث وجد المجلس الانتقالي نفسه معزولاً بعد فقدان المساحات التي تمدّد فيها داخل اليمن، وبفقدان "العمق اللوجيستي" الذي يحقّقه وجود أبو ظبي داخل اليمن، وذاك الذي كان يمكن تحقيقه في أرض الصومال، الأمر الذي أضعف قدرته على المناورة في عدن وسقطرى وحضرموت. ثانياً في القرن الأفريقي، وقد أحدث إلغاء اتفاقيات التعاون الصومالي الإمارتي في الموانئ والتنسيق الأمني خسارة استراتيجية لأبو ظبي و"تل أبيب"، وأربك التنسيق مع أديس أبابا، وأعاد السيادة البحرية كاملة لمقديشو المتحالفة مع الرياض وأنقرة والقاهرة. وثالثاً في السودان، الذي سينعكس فقدان الإمارات للموانئ الصومالية على مسار الحرب بشكل مباشر، لأنّ الإمارات كانت تعتمد على هذه الموانئ في توفير الإمداد للدعم السريع بالعتاد العسكري والمرتزقة، ويتعزّز ذلك بتقدّم الدورين السعودي والمصري على الدور الإمارتي في ميدان المعركة السياسية.
هذا التراجع قد لا يمرّ من دون مخاطر؛ فمن المتوقّع أن يولّد "ردّ فعل يائساً" من أبو ظبي و"تل أبيب" المتضررتين من هذا التطوّر، وقد يتجلّى في محاولة فتح جبهات جديدة داخل الصومال بين الولايات الثلاث (أرض الصومال وجوبالاند وبونتلاند) والمركز، وفتح جبهة جديدة في شرق السودان من داخل إثيوبيا التي بنت فيها الإمارات معسكراً بسعة 10 آلاف لتدريب المرتزقة الذين تستقدمهم من إثيوبيا وجنوب السودان ودول الساحل والصحراء في أفريقيا ومن كولومبيا، وهذا بدوره سيفاقم الأوضاع على الصُعد العسكرية والسياسية والإنسانية، وسيشكّل أخطر تهديد للأمن القومي السوداني.
السيادة في الميزان: محكّ تاريخي لمعركة الكرامة
لم يكن قرار مقديشو التاريخي قراراً بإلغاء اتفاقيات تعاون، بقدر ما مثّل زلزالاً استراتيجياً أعاد تشكيل المعادلات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومنظومة الخليج، فالمنطقة اليوم تواجه اختباراً وجودياً بين نموذجين: نموذج يدافع عن الدولة الوطنية سيادة وتماسكاً ووحدة تراب، واستقراراً وطنياً وإقليمياً، ونموذج يدفع نحو الهيمنة والتفكيك وخلق الفوضى الخادمة لمشاريع "الاستعمار الجديد".
وقد قدّمت تجربة الصومال درسين حاسمين؛ الأول: أنّ شرعية الدولة الوطنية، مهما بلغ ضعفها المادي، تبقى سلاحاً جيواستراتيجياً فاعلاً قادراً على قلب الموازين. الثاني: أنّ استراتيجيات التفكيك القائمة على تمكين الكيانات الوظيفية من إنتاج تحالفات مضادة قوية تعيد التوازن الإقليمي وتنعكس إيجاباً على الداخل الوطني، حتى عندما تتخفّى قوى عظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية خلف وكلائها الإقليميين والمحليين.
هذان الدرسان يضعان أمام قادة الدول خياراً مصيرياً: إما الانخراط في تحالفات دفاعية عن سيادة الدولة الوطنية ووحدتها واستقرارها، واستقرار النظام الإقليمي، أو التسليم بحقائق جديدة ترسّخ منطق الهيمنة الخارجية والفوضى غير الخلّاقة المفتتة للأوطان والملهبة لنيران الحروب.
لهذا، فإنّ صمود مقديشو وتحالفها الإقليمي لن يحقّق نصراً تكتيكياً عابراً، إنما سيكون محكاً تاريخياً يُحدّد طبيعة العقد الإقليمي المقبل: هل سيكون عقد سيادة واستقرار، أم عقد هيمنة وفوضى؟ الإجابة تكمن في القرارات التي تتخذها الدول اليوم، وفي الدرس الذي تعلّمته مقديشو وعلّمته: أنّ الشرعية سلاح، وأنّ الوحدة درع، وأنّ السيادة هي الوجه الأبرز للكرامة، وأنّ السيادة والكرامة معركة لا تقبل الحياد ولا تحتمل التراخي ولا تقبل التسويف.