ثورة الطلاب 2026 هل يقع اليسار في الخطأ نفسه؟

هل يكرّر الشيوعيون أخطاء 1968، أم أنهم سوف يتراجعون عن مواقفهم ويعودون إلى الشارع والجماهير، ليسهموا في إحداث التغيير وعدم الاكتفاء بالإصلاح؟ 

0:00
  • للمرة الثانية في تاريخه يخذل الحزب الشيوعي الفرنسي جماهيره.
    للمرة الثانية في تاريخه يخذل الحزب الشيوعي الفرنسي جماهيره.

عام 1968، خرج طلاب جامعة باريس، من حرم نانتير في تظاهرات احتجاجية بعد أن قامت الجامعة بفصل عدد من زملائهم، وإغلاق الحرم الجامعي. توسعت الاحتجاجات الطلابية بعد إغلاق حرم السوربون، ما دفع 20 ألف طالب للخروج في تظاهرة حاشدة، كانت الشرارة الأولى لأكبر تحدٍ للنظام الرأسمالي في فرنسا خاصة، وفي أوروبا عامة. فقد امتدت التظاهرات إلى عدد من الدول الأوروبية، وأسهمت حالة الاحتجاج على الحرب في فيتنام، وتراجع الخدمات في العديد من القطاعات بدفع العمال للانضمام إلى الانتفاضة الطلابية التي قادها الطلاب اليساريون، وبشكل خاص الشيوعيون.

على عكس المتوقع، اتخذ الحزب الشيوعي الفرنسي موقفاً رافضاً للتحركات الطلابية، ووصف جورج مارشيه الأمين العام للحزب آنذاك الطلاب ب "المتطرفين" و "المستفزين". تمثلت خيبة الأمل الكبرى، بالنسبة للطلاب المنتفضين، في موقف الفيلسوف الشيوعي الفرنسي لويس التوسير، الذي كانت أطروحاته الفلسفية والنقدية رافداً فكرياً ملهماً للحركات الطلابية اليسارية. لقد اعتبر التوسير انتفاضة الطلاب نوعاً من "الطفولية اليسارية"، وأعلن التزامه بالموقف الرسمي للحزب الشيوعي الفرنسي. شكل هذا الموقف شرخاً داخل اليسار الفرنسي، ما دفع تلامذة التوسير مثل آلان باديو وجاك رانسير إلى إعلان قطيعتهم الفكرية والفلسفية مع فلسفة أستاذهم، بل إن جاك رانسير ذهب إلى وضع كتابه "درس التوسير" والذي انتقد فيه بحدة موقف أستاذه من الحراك الطلابي. 

كان اتفاق غرينيل، فشلاً حقيقياً للثورة الطلابية رغم تحقيقه العديد من المكاسب الاجتماعية والاقتصادية، وأتاحت حالة الإحباط، التي رافقت هذا الفشل، المجال للرئيس شارل ديغول، الذي سبق أن اضطر للهرب إلى ألمانيا خلال الثورة، العودة بقوة وتحقيق انتصار كاسح لحزبه اليميني في الانتخابات التي أعقبت الأحداث.

في أيلول 2026 انطلقت الاحتجاجات الطلابية من جديد، وللأسباب نفسها تقريباً، وقد لخّص المحتجون أسباب انتفاضتهم بالتالي: 

1- الاحتجاج على نقص المعلمين، وخطة الحكومة لإلغاء 1500 وظيفة تدريس دائمة

2- سوء ظروف المدارس وتهالك المباني واكتظاظ الصفوف

3- الاعتراض على نظام القبول الموحد الجامعي الذي يضع شروطا قاسية على الطلبة

4- تفاقم الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى ونوعية الخدمات العامة.

لاقت الاحتجاجات التي بدأت في باريس تجاوباً في معظم المدن الفرنسية، وخرج الطلاب ومدرّسوهم إلى الشوارع للمطالبة بتحقيق مطالبهم. انضم طلبة الجامعات إلى الحراك الطلابي، وتبعتهم الأحزاب السياسية والنقابات العمالية، وتصاعدت المطالبات لتتحول إلى مطالب اجتماعية شاملة. وبرز دور "حزب فرنسا الأبية"، والحزب الشيوعي الفرنسي في المشاركة في التظاهرات، وقيادتها في أكثر من ساحة ومدينة.

وكما لعبت معارضة الحرب الفيتنامية دوراً في تحشيد الطلاب خلال ثورة 1968، فقد وجدت احتجاجات 2026 في المسيرات التي نظمتها المعارضة الفرنسية ضد الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزّة، سبيلاً لتحشيد أعدادا أكبر من المحتجين، وبرزت أعلام فلسطين، والشعارات المناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني في معظم المسيرات.

اختارت الحكومة الفرنسية الحل الأمني القمعي، وامتلأت الشاشات بمشاهد القمع والاعتداء على المتظاهرين بأساليب لا تخلو من العنف المفرط، مستغلة الصمت الدولي عن هذه الممارسات، التي لا نستطيع المرور عليها من دون أن نتذكر العويل الدولي على حقوق الإنسان في إيران وسوريا ومصر لمشاهد أقل بكثير مما شاهدناه في فرنسا.

انتقلت عدوى الاحتجاجات إلى ضواحي المدن، حيث يعيش الفقراء والمهمّشون، وبشكل خاص من المهاجرين الذين يعانون من القمع والإجراءات العنصرية، رغم أنهم مواطنون فرنسيون أسهم أباؤهم وأجدادهم في بناء فرنسا الحديثة. وترافق توسع الأعمال الاحتجاجية بعمليات تخريب وحرق ونهب طالت المحال التجارية والأماكن التاريخية، ما أثار موجة من الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب السياسية الفرنسية، إضافة إلى تدخل الرئيس ترامب الذي قال إن المهاجرين هم المسؤولون عن أعمال التخريب التي شهدها بعض المدن الفرنسية.

داخل فرنسا، المقبلة على انتخابات رئاسية بعد ستة أشهر، وجّهت أحزاب الوسط واليمين أصابع الاتهام إلى حزب فرنسا الأبية ورئيسه جان لوك ميلانشيون بشكل خاص، وإلى مجموعات يسارية فوضوية ترتدي ملابس وأقنعة سوداء، وتضع عليها حرف (A) الذي ظهر على جدران العديد من المباني والمتاجر التي تعرّضت للنهب. ميلانشون بدوره ذهب إلى حد الإيحاء بأن رئيس الوزراء الحالي "لوكورنو" ربما سمح بتطور أعمال العنف لكي يظهر بوصفه "حزب النظام" بعد حالة الانفلات التي شهدها السبت، قائلاً إن ذلك "سيجعل الناس ينسون فشله في إدارة المالية العامة". بدورها قالت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية إن أعمال الشغب كانت من فعل الأحزاب اليسارية المتطرفة وأشارت إلى حزب فرنسا الأبية وميلانشون بالاسم.

وسط هذه الفوضى السياسية خرج الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل بخطاب مخيّب للآمال، تبنّى فيه وجهة النظر الحكومية، معتبراً أن ما حدث من أعمال شغب كان هدفه تخريب فرنسا قائلاً: "فلنحافظ على فرنسا التي تحترم شعبها وتحمي أطفالها" كما دعا روسيل "الحكومة إلى عقد مؤتمر اجتماعي عاجل مع النقابات العمالية ومنظمات أصحاب العمل، بما في ذلك منظمات الشباب، لإيجاد حلول للمطالب التي تُطرح منذ أسابيع: طلاب المدارس الثانوية، وطلاب الجامعات، ورجال الإطفاء، والصيادون، وسائقو الشاحنات، والمزارعون، وضباط الشرطة، وموظفو القطاعين العام والخاص، والمتقاعدون... فالأزمة تؤثر على جميع المهن والأجيال، ولا بد من معالجتها. يجب على البرلمان المشاركة في هذه المناقشات، وأن يكون قادرًا على إدراج الإيرادات والنفقات اللازمة في مقترح ميزانية عام 2027." ما أعاد إلى الأذهان اتفاقيات غرينيل التي أحبطت الحراك الشعبي 1968.

للمرة الثانية في تاريخه يخذل الحزب الشيوعي الفرنسي جماهيره، ويقدّم طوق نجاة للحكومة الرأسمالية ليس في فرنسا وحدها، بل في معظم الدول الأوروبية التي امتدت إليها شرارة الثورة مثل بلجيكا وإيطاليا وإسبانيا. فهل يكرر الشيوعيون أخطاء 1968، أم أنهم سوف يتراجعون عن مواقفهم ويعودون إلى الشارع والجماهير، ليسهموا في إحداث التغيير وعدم الاكتفاء بالإصلاح؟