تونس ومآلات الضرب بسيف التآمر على الدولة
تهمة التآمر على الدولة وتوظيفها السياسي ليست وليدة اللحظة؛ فهذه القضية عمرها أقدم من عمر الجمهورية التونسية.
-
هل تعيد الحكومة التونسية تجريب المجرب؟
على وقع الإجماع على أن المشهد في تونس تعصف به جملة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وحياتية من انقطاع للمياه والكهرباء والغلاء؛ تفجرت قضية التآمر على الدولة عندما رفضت محكمة النقض في تونس في 3 أيلول/ سبتمبر 2026 جميع الطعون المقدمة في الأحكام الصادرة بقضية "التآمر على أمن الدولة 1″، وهو ما يجعل أحكام السجن التي تصل إلى 45 سنة باتة ونهائية. وكانت المحكمة قد نظرت في 46 طعناً رفضت منها 44 من حيث الأصل واثنين من حيث الشكل. فما مآلات الضرب بسيف القضاء تحت ذريعة التآمر على الدولة؟
بدأت قضية التآمر على الدولة في شباط/ فبراير 2023؛ وشملت أكثر من 40 شخصية سياسية ورجل أعمال، من بينهم القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري بالسجن 25 عاماً، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج بالسجن 20 عاماً، ورئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والأمين العام السابق للتيار الديمقراطي غازي الشواشي، وعبد الحميد الجلاصي، وخيام التركي، وجوهر بن مبارك، وشيماء عيسى، وعدة شخصيات ورجال أعمال.
ظاهر القضية قضائي، لكن باطنه سياسي؛ وبين هذا وذاك توقيت المحاكمة كافٍ لصب الزيت على نار الغضب في مشهد يتجه نحو مزيد من التعقيد؛ فالدولة تضرب معارضيها بسيف القضاء في قضية تقع تحت سقف التآمر على الدولة دون توضيح أو تحديد معالم هذا التآمر أو وضع الرأي العام في تفاصيل التآمر ومخاطره؛ وبالتالي تُصدّر الدولة قضية التآمر وكأن المتآمرين هم الذين تسببوا في كل المشكلات التي تشهدها تونس.
مع ما ترتب على حيثيات المحاكمة والقضية من عوار قانوني حَوّل القضية من ملف قضائي إلى ملف اعتقال سياسي بات صاعقاً للغضب الاجتماعي، لتصبح تونس ما بعد الثورة أمام واحدة من أخطر القضايا التي يستخدم فيها سيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية.
تهمة التآمر على الدولة وتوظيفها السياسي ليست وليدة اللحظة؛ فهذه القضية عمرها أقدم من عمر الجمهورية التونسية؛ ورثها النظام السياسي من الاستعمار الفرنسي منذ عام 1929، واستخدمها بورقيبة لتمكين حكمه تحت عنوان محاسبة المتعاونين مع الاستعمار، ووظفها بن علي للحفاظ على حكمه وتثبيته. وقد شهد العام 1991 قضية تآمر على الدولة عُرفت بقضية "براكة الساحل" عندما أعلن وزير الداخلية آنذاك عبد الله القلال عنها، ووجُهت فيها تُهمة التآمر لمجموعة من العسكر بمحاولة الانقلاب على نظام بن علي.
لم تشفع ثورة الياسمين 2011 ولم تمنع التوظيف السياسي لقضية التآمر على الدولة. بعد الثورة، أعاد رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد تهمة "التآمر على أمن الدولة" إلى صدارة المشهد العام التونسي، في معركته مع حزب "نداء تونس"، ووجّه هذه التهمة إلى شخصيات أبرزها رجل الأعمال شفيق جراية، ووزير الداخلية ناجم الغرسلي، والمدير العام للمصالح المختصة عماد عاشور، ومدير الوحدة الوطنية للبحث في جرائم الإرهاب صابر العجيلي. وهكذا تحول التآمر على الدولة لسيف يُضرب به كل من يعارض الدولة ونظامها.
اليوم وفي توقيت غاية في الأهمية وعلى صفيح مشهد سياسي ملتهب، تعود قضية التآمر على الدولة لتصبح الشغل الشاغل لمكونات المشهد في تونس. وقد أفضت إلى قراءتين؛ الأولى أن هناك إجماعاً بين كل مكونات المعارضة على أن القضية سياسية، وأن الرئيس قيس سعيّد يضرب كل من يخالفه الرأي بسيف القضاء.
وعلى غير العادة، يمكن القول إن دفع القضية إلى الأمام أفضى إلى توحيد مواقف المعارضة. أما القراءة الثانية، فإن رياح القضية قد لا تأتي بما تشتهي سفن الرئيس قيس سعيّد، وسفنه تشتهي من إثارة قضية التآمر على الدولة في هذا التوقيت الردع والقمع لمنع أي خروج ممكن للشارع ضده، فأعاد طرح القضية ليذكر الشارع بأن سيف القضاء بيديه؛ لكن قد تذهب الرياح باتجاه آخر معاكس وتعجل بتفجر الشارع الذي يتململ تحت جملة أزمات.
أما مآلات استعداء قضية التآمر على الدولة في هذا التوقيت، فيمكن إيجازها في التالي:
- القضية تُعيد إلى الذاكرة التونسية مشاهد ما قبل الثورة وكيف استخدم القضاء كسيف لضرب المعارضة تحت مسمى التآمر على الدولة؛ في حين أن الدولة اليوم عاجزة عن توفير الحد الأدنى من واجباتها ووظائفها من مياه وكهرباء ودواء، وتقف على شفا جرف سياسي واقتصادي، وليست بحاجة لتآمر عليها. وفوق ذلك، فإن استخدام سيف القضاء للقمع والترهيب هو ما يهدد الدولة واستقرارها، ويقع هذا التغول تحت التآمر على كل من يختلف مع النظام السياسي.
- طرح القضية يعني أنه بدلاً من اتجاه الرئيس التونسي قيس سعيّد لفتح قنوات الحوار الوطني والتوافق للخروج من الأزمات التي تعصف بالمشهد يلّوح بالقانون ويوظفه ويستخدمه لردع خصومه، الأمر الذي قد يُعجل بالانفجار، ولا سيما أن هناك ما يُشبه التوافق بين كل المكونات في موقفها من إثارة قضية التآمر على الدولة، ويُحسب للرئيس قيس سعيّد أنه وضع جميع المكونات السياسية في تونس تحت قضية التآمر على الدولة.
- السلطة في تونس تُعيد تجربة المُجرب وقد استخدمت قضية التآمر على الدولة على مدار ستين عاماً من الاستبداد ووظفت القضية لضرب المعارضين وتجريمهم والتنكيل بهم وترهيبهم. وفي النتيجة، سقطت السلطات تباعاً وبقي الشعب، المفارقة الآن أن ذلك يحدث عقب ثورة خاضها الشعب ومن رجل يفترض أنه أستاذ قانون دستوري ألزم نفسه برفع شعار قضاء مستقل، فتحول القضاء في عهده إلى سيف تضرب به الدولة معارضيها.
- على غير العادة ودون قصد من الرئاسة؛ قضية التآمر على الدولة وحّدت مواقف المعارضة (جبهة الخلاص-حركة النهضة-حزب التيار الديمقراطي -اتحاد الشغل -هيئة المحامين -رابطة حقوق الإنسان) من قضية التآمر على الدولة، ولم تُجمع المعارضة وأو تجتمع وتصدر بياناً مشتركاً على قضية كما فعلت مع قضية التآمر، وقد استنكرت كل مكونات المعارضة في تونس تثبيت أحكام السجن ضد معتقلي قضية التآمر على أمن الدولة، معتبرة أنها "نقطة سوداء في تاريخ القضاء".
- لم تقف مآلات القضية عند الحدود الجغرافية لتونس. وقد تجاوزتها إلى أبعاد دولية، وهو ما لم تكن تونس بحاجته في هذا التوقيت، ذلك أنه مثلما يستخدم النظام السياسي في تونس سيف القضاء لقمع المعارضة وردعها؛ تستخدم المنظمات الدولية والأممية سيف حقوق الإنسان لابتزاز الدول وفرض الاملاءات والاشتراطات عليها. وقد استنكرت منظمة العفو الدولية تثبيت أحكام السجن ضد معتقلي قضية التآمر على أمن الدولة في تونس، محذرة من توظيف منظمة العدالة ضد المعارضة. واعتبرت المنظمة أن هذه القضية تضمنت منذ البداية انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، في ظل ملاحقات استندت إلى تهم ذات دوافع سياسية وأفضت إلى أحكام قاسية بالسجن بحق شخصيات معارضة ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان. وكذلك فعلت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ودعت السلطات التونسية لوقف حملتها القمعية ضد المجتمع المدني، وقالت إن "حكم محكمة النقض يعكس نمط هجمات الحكومة التونسية القمعية على القضاء طوال سنوات لإسكات المعارضين والمنتقدين".
- مآلات قضية التآمر على الدولة ستتحول من خلاف سياسي بين المعارضة والنظام السياسي إلى انقسام اجتماعي داخل الشارع التونسي، بين من يرى أن قضية التآمر بدأت منذ 25 تموز/ يوليو 2021، الذي تؤسس له كبداية تغول السلطة التنفيذية، وبين من يرى أن تونس بحاجة لاستعادة سيادة الدولة وسيطرتها على مفاصل المشهد لمواجهة الفساد واستعادة ثقة المواطن بالدولة. ففريق السلطة يرى أن الإجراءات المتخذة مهمة ومطلوبة، وهي حرب على الفساد لا حرب على الحريات، وأن الدولة يجب أن تكون قوية، في حين ترى المعارضة أن مواجهة الفساد أصبحت تمس جوهر الحريات، وبالتالي تحول القضاء هنا إلى أحد مداخل الانقسام بدلاً من أن يكون موضع إجماع.
ختاماً، تونس اليوم تقف على حافة الانفجار، وكل المعطيات تدفع بهذا الاتجاه. وبدلاً من حدوث حالة امتصاص للغضب والاحتقان وفتح أبواب الحوار، وقضية التآمر على الدولة تُعجل بالانفجار، وتضع القضاء التونسي الذي يُفترض أن يحمي الحريات وينظم العلاقة بين السلطات على المحك، وقد بات يُوظف لضرب الخصوم السياسيين، ما يعيد المشهد لأنظمة الحكم السابقة وكأن الثورة لم تكن وتقم من أجل الحرية واستقلال القضاء لا تأميمه.