تعثر الهدنة بين واشنطن وطهران.. إلى أين يتجه السلام في "الشرق الأوسط"؟

الخلافات بين واشنطن وطهران لا تقتصر على ملف أمني واحد، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تشمل القضية النووية، وأمن المنطقة، والعقوبات الاقتصادية، وانعدام الثقة الاستراتيجية بين الطرفين

0:00
  • تعثر الهدنة بين واشنطن وطهران.. إلى أين يتجه السلام في
    تعثر الهدنة بين واشنطن وطهران.. إلى أين يتجه السلام في "الشرق الأوسط"؟

بعد نحو شهر على إعلان الولايات المتحدة وإيران توقيع مذكرة تفاهم، شهدت منطقة "الشرق الأوسط" تراجعاً نسبياً في حدة التوتر، غير أن مشهد وقف إطلاق النار عاد ليدخل مرحلة جديدة من التقلبات، فيما ازدادت الشكوك بشأن مستقبل المفاوضات. وخلال أيام قليلة فقط، انتقل موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من التهديد بشن ضربات عسكرية إلى إعلان انتهاء وقف إطلاق النار، ثم الموافقة على مواصلة المفاوضات، في تحول سريع يعكس هشاشة التهدئة بين الجانبين.

وفي ظل تجدد التوترات العسكرية في "الشرق الأوسط"، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، في الـ 8 من تموز/يوليو، إن عودة القتال لا تخدم مصالح أي طرف، وإن الوسائل العسكرية لا يمكنها معالجة جذور الخلافات. ودعت الصين الولايات المتحدة وإيران إلى تنفيذ مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها، وتسوية النزاعات عبر الحوار والمفاوضات، وتجنب اللجوء إلى القوة.

كما دعا نائب المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة، سون لي، إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار في "الشرق الأوسط"، في جلسة مجلس الأمن الخاصة بالملف النووي الإيراني في الـ10 من تموز/يوليو، مؤكداً أن تسوية القضية النووية الإيرانية ترتبط بصورة مباشرة باستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة، وتخدم المصالح المشتركة للمجتمع الدولي، وداعياً الأطراف المعنية إلى دفع المفاوضات بروح من العقلانية والواقعية.

لماذا يصعب استمرار الهدنة بين واشنطن وطهران؟

رغم أن الولايات المتحدة وإيران أعلنتا رسمياً، في الـ17 من حزيران/يونيو، بوساطة من باكستان وقطر، مذكرة تفاهم تم توقيعها عن بُعد بين الجانبين، وتعهد الطرفان بإجراء مفاوضات خلال مدة أقصاها 60 يوماً، بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن الجمود بشأن تنفيذ الالتزامات بدأ يظهر سريعاً، قبل أن يجف حبر الاتفاق.

فالخلافات بين واشنطن وطهران لا تقتصر على ملف أمني واحد، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تشمل القضية النووية، وأمن المنطقة، والعقوبات الاقتصادية، وانعدام الثقة الاستراتيجية بين الطرفين. ولذلك، تبدو هذه المذكرة أقرب إلى "زر إيقاف مؤقت" منها إلى اتفاق سلام يعالج جذور الخلافات.

فالقضية النووية، وهي جوهر النزاع، لم تختفِ. فالولايات المتحدة تسعى إلى تقييد قدرات إيران في تخصيب اليورانيوم وتعزيز آليات الرقابة، لضمان عدم امتلاك طهران القدرة على تطوير سلاح نووي. أما إيران، فتتمسك بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتطالب، في المقابل، برفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها منذ سنوات.

وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، شدد سون لي، خلال الجلسة، على أن معالجة هذا الملف يجب أن تقوم على احترام الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأطراف المعنية. وأكد أن على إيران مواصلة الوفاء بتعهدها بعدم تطوير أسلحة نووية، وأن لها الحق المشروع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. كما دعا الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوات عملية لتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسوية سياسية للقضية النووية الإيرانية.

تكمن المشكلة في غياب الثقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران منذ عقود. فقد انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ما دفع طهران إلى التشكيك في موثوقية التعهدات الأميركية. وفي المقابل، تخشى الولايات المتحدة وحلفاؤها من أن تستغل إيران فترات التهدئة لتعزيز قدراتها.

إضافة إلى ذلك، لا تزال الخلافات قائمة بين الجانبين بشأن رفع العقوبات، وتجميد الأصول الإيرانية في الخارج أو الإفراج عنها، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. كما أن الطرفين لا ينظران إلى الهدف النهائي للاتفاق بالطريقة نفسها، الأمر الذي جعل وقف إطلاق النار يفتقر، منذ البداية، إلى أساس متين.

ويرى بعض المحللين أن دفع إدارة ترامب نحو المفاوضات يحمل أيضاً اعتبارات سياسية داخلية واضحة. فمع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية، يواجه الحزب الجمهوري ضغوطاً متعددة، من بينها تراجع شعبية الناخبين، وارتفاع معدلات التضخم، وتزايد مشاعر رفض الحروب لدى الرأي العام. وفي هذا السياق، يسعى ترامب إلى الاستفادة من وقف إطلاق نار مرحلي للمساعدة في استقرار أسعار النفط، والحد من الضغوط التضخمية داخلياً، وتحقيق مكاسب سياسية عبر تقديم إنجاز دبلوماسي يخدم حظوظه الانتخابية.

إن الهدنة المؤقتة قد تمنح الجانب الأميركي فرصة لإعادة ترتيب انتشاره العسكري ومراجعة خياراته السياسية. وفي حال انتهاء انتخابات التجديد النصفي، أو تراجع الضغوط الداخلية، أو فشل المفاوضات في الوصول إلى النتائج التي تطمح إليها واشنطن، فقد يعود ترامب إلى تبني سياسة أكثر تشدداً تجاه إيران، بما في ذلك استئناف "الضغوط القصوى" والخيارات العسكرية. وفي حال تعرض الحزب الجمهوري لخسارة في الانتخابات، قد تسعى إدارة ترامب إلى استعادة موقعها السياسي وتعزيز قاعدتها الانتخابية من خلال التخلي عن إطار التفاوض والعودة إلى سياسة الضغط والردع تجاه إيران.

وفي الوقت الراهن، لا تزال القوى المختلفة داخل إيران تحمل مواقف متباينة تجاه وقف إطلاق النار والمفاوضات، ولم تتمكن بعد من تشكيل موقف موحد وصوت واحد. وقد أصبح اختبار حدود الطرف الآخر، عبر إظهار مواقف متشددة، إحدى أبرز سمات التفاعل الأميركي - الإيراني خلال هذه المرحلة، ما يدفع الجانبين إلى البقاء في حالة تردد مستمرة بين التهدئة والتصعيد. وشيئاً فشيئاً، يتشكل نمط جديد من الصراع يقوم على "القتال والتفاوض في آن واحد، والتفاوض تحت ضغط المواجهة، واستخدام القوة لدفع المفاوضات".

وفي الـ 2 من تموز/يوليو، وخلال جلسة طارئة ومفتوحة لمجلس الأمن الدولي بشأن الأوضاع في "الشرق الأوسط"، دعا مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، فو تسونغ، جميع الأطراف إلى التحلي بالهدوء وضبط النفس، وتجنب إطلاق التصريحات التهديدية أو القيام بمغامرات عسكرية من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من تصعيد التوترات، كما طرح ثلاثة مقترحات رئيسية:

أولاً، ترسيخ وقف شامل لإطلاق النار وإنهاء الأعمال القتالية، مع حث الولايات المتحدة وإيران على التنفيذ الجاد لمذكرة التفاهم، والحفاظ على زخم الحوار، والعمل من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يحظى بقبول جميع الأطراف المعنية.

ثانياً، الإسراع في استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز، بما يسهم في الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية، مع احترام سيادة الدول المشاطئة وحقوقها ومصالحها المشروعة.

ثالثاً، تحسين العلاقات بين دول المنطقة، والعمل على تجنيب "الشرق الأوسط" أن يصبح ساحة لصراع القوى الكبرى أو ضحية للتنافس الجيوسياسي، ودعم دول المنطقة في التمسك بالاستقلالية الاستراتيجية الحقيقية، واعتماد مفهوم أمني يقوم على الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام، وتسوية الخلافات عبر الحوار والتشاور، واستكشاف إطار أمني إقليمي جديد.

كما طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ أربعة مبادئ مهمة للحفاظ على السلام والاستقرار في "الشرق الأوسط" وتعزيزهما، وهي: الالتزام بمبدأ التعايش السلمي، واحترام سيادة الدول، والتمسك بسيادة القانون الدولي، وتحقيق التوازن بين التنمية والأمن، بما يسهم في تقديم الحكمة والحلول الصينية لمعالجة أزمات المنطقة وتحقيق السلام والاستقرار على المدى الطويل.

إن مستقبل العلاقات الأميركية - الإيرانية لا يتوقف فقط على توقيع وثيقة جديدة، بل يعتمد، بدرجة أكبر، على قدرة الطرفين على بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة. فوقف إطلاق النار قد يوقف صوت المدافع مؤقتاً، لكن الوفاء بالتعهدات واحترام المخاوف الأمنية المتبادلة هما السبيل الوحيد لتجنب عودة "الشرق الأوسط" إلى دائرة مفرغة من "التفاوض، ثم المواجهة، ثم العودة إلى التفاوض".

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.