تصاعد الاغتيالات في ليبيا: "الرصاص يطال النساء"

لماذا تصاعدت وتيرة العنف السياسي في ليبيا، وما دلالات ذلك وتداعياته؟ وهل باتت ليبيا على شفا انفجار جديد، لا سيما في ظل انسداد الأفق السياسي للمشهد الليبي؟

0:00
  • المطلوب موقف وطني ليبي شامل يرفض العنف السياسي والاحتكام للسلاح.
    المطلوب موقف وطني ليبي شامل يرفض العنف السياسي والاحتكام للسلاح.

عاد المشهد الليبي ليشهد تصاعد موجات العنف والاغتيالات بوتيرة مقلقة ومتزايدة، في مشهد يُعيد إلى الأذهان أسوأ فصول الانقسام والصراع المسلح الذي ضرب البلاد منذ 2011.

وقد سجلت مؤخراً عدة عمليات اغتيال لقيادات أمنية ومحلية وناشطين آخرهم المدوّنة الليبية خنساء المجاهد، ويحدث ذلك بالتوازي مع تحركات عسكرية وتصعيد متبادل بين التشكيلات المسلحة في شرق ليبيا وغربها، وبالتالي تطرح هذه التطورات تساؤلات ملحّة: لماذا تصاعدت وتيرة العنف السياسي في ليبيا، وما دلالات ذلك وتداعياته؟ وهل باتت ليبيا على شفا انفجار جديد، لا سيما في ظل انسداد الأفق السياسي للمشهد الليبي؟

أثار اغتيال المدوّنة الليبية خنساء المجاهد، التي تعرضت لإطلاق نار مباشر من قبل مسلحين مجهولين في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 بمنطقة السراج بالعاصمة الليبية طرابلس، ضجة واسعة في البلاد، ومطالبات بسرعة الكشف عن مرتكبي الجريمة.

وهو ما أعاد ملف الوضع الأمني في ليبيا إلى الواجهة مجدداً، لا سيما أن المجاهد زوجة السياسي معاذ المنفوخ، أحد القيادات البارزة في مجموعات مسلحة بمدينة الزاوية، وعضو ملتقى الحوار السياسي الليبي الأسبق والمتحدث السابق باسم ما يعرف بـ"غرفة العمليات المشتركة للدفاع عن المنطقة الغربية".

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر جثة المجاهد ملقاة على الأرض بعد أن فارقت الحياة متأثرة بإصابتها، وأدانت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا ما وصفته بـ"الاغتيال الغادر"، مشيرة إلى أن المعلومات الأولية المتوفرة لديها تفيد بأن العملية قد تكون استهدفت زوج الضحية، فيما لم تؤكد السلطات الرسمية الليبية هذه الفرضية بعد.

ووثقت منظمة رصد الجرائم في ليبيا، وهي إحدى المنظمات الحقوقية المحلية، الجريمة وأدانتها بشدة، مؤكدة أن عملية القتل تعدّ "جريمة خارج نطاق القانون"، وحمّلت حكومة الدبيبة المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ودخلت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا على خط التنديد، إذ أدانت بشدة مقتل خنساء المجاهد، التي وصفتها في بيانها بأنها "صانعة محتوى وناشطة اجتماعية كانت تمارس حياتها الطبيعية قبل أن تتعرض لإطلاق نار مباشر أثناء تنقلها بسيارتها".

اتساع رقعة إدانة اغتيال المجاهد محلياً وأممياً، أفضى إلى إثارة الجدل في ليبيا حول أسباب الجريمة وخلفياتها، وسط غياب أي إعلان رسمي عن هوية الفاعلين أو دوافعهم. وبينما تنتظر عائلتها والرأي العام نتائج التحقيقات، تتصاعد المخاوف من أن يشكل هذا الاغتيال سابقة خطيرة قد تدفع نحو مزيد من الانفلات وتكرار الاعتداءات، خاصة في ظل انتشار السلاح وضعف المؤسسة الأمنية.

 وبين الإدانات وتبادل الاتهامات عن المسؤوليات المتبادلة والبيانات الرسمية، يبقى السؤال هل تتمكن الجهات المختصة من كشف الحقيقة سريعًا، أم ستضاف خنساء المجاهد إلى قائمة الضحايا الذين ما تزال ملفات اغتيالهم مفتوحة؟

مثّل اغتيال الناشطة الليبية خنساء المجاهد في بنغازي، صدمة قوية داخل الأوساط الحقوقية والسياسية الليبية، ليس فقط بسبب موقعها كإحدى الناشطات النسويات البارزات، بل لأن الحادثة وقعت في منطقة يُفترض أنها تحت سيطرة أمنية محكمة. وبالتالي، فإنه لا يمكن قراءة هذا الاغتيال كجريمة فردية فقط، بل كإشارة خطيرة إلى حجم الاختلالات الحاصلة في المشهد الليبي، وعودة الاغتيالات كأداة لتصفية الأصوات المختلفة أو المزعجة حتى وإن كانت ناشطة اجتماعية وصانعة محتوى.

ويُعدّ اغتيال المجاهد استهدافاً مُمنهجاً للفاعلات النسويات ولمستقبل المشاركة السياسية للمرأة الليبية، وتعكس هذه الجريمة رفضاً سياسياً من أطراف ليبية لوجود المرأة أو مشاركتها في صنع القرار، ولم يكتف هذا الرفض على ما يبدو بالمنع والتضييق فقط بل تصاعد وانتقل إلى الاغتيالات؛ وهو ما يُعيد الذاكرة إلى أجواء الترهيب التي طالت ناشطات وحقوقيات.

 مثل سلوى بوقعيقيص وهي من أبرز المدافعات عن حقوق الإنسان في ليبيا وشغلت منصب نائب رئيس اللجنة التحضيرية للحوار الوطني؛ اغتيلت في 25 حزيران / يونيو 2016 في منزلها ببنغازي، على يد مجهولين برصاصة في الرأس، وفريحة البركاوي وانتصار الحصري وعضو مجلس النواب سهام سرقيوة التي خُطفت من قلب منزلها بمدينة بنغازي منتصف تموز/ يوليو 2019، بعد ساعات من تصريحها بضرورة حقن الدماء ووقف حرب طرابلس.

اغتيال خنساء المجاهد وقبلها عدة ناشطات وحقوقيات وبرلمانيات ليس حادثًا عابرًا، بل جرس إنذار ينبّه إلى هشاشة الوضع الأمني والسياسي، ويكشف حدود سيطرة الدولة على السلاح والقرار. وسواء كانت خلفية الجريمة جنائية أو سياسية، فإن الرسالة التي تصل إلى الفاعلين هي أن السلاح ما زال وسيلة لحسم الخلافات السياسية وتكميم الأصوات، وهو ما يُهدد فرص الحوار والتعددية ومشاركة المرأة في صناعة القرار السياسي.

 وبالتالي، فإن استمرار تصاعد العنف السياسي يهدد ما تبقى من الأمل في بناء دولة مدنية ديمقراطية، ويخلق مناخ رعب داخل الأوساط المدنية والسياسية، ويؤدي إلى عزوف كثيرين عن النشاط العام خوفًا على حياتهم، خاصة النساء والناشطين المستقلين.

الاغتيالات والاستقرار السياسي نقيضان لا يلتقيان، وبالتالي فإن استمرار وتصاعد الاغتيالات والعنف السياسي تقويض لأي عملية انتخابية ممكنة، ففي بيئة يسودها الخوف والعنف، لا يمكن الحديث عن حوار أو استقرار سياسي. 

وحتى انتظار إعلان نتائج التحقيق في اغتيال خنساء المجاهد، فإنه إذا تبيّن أن جهة سياسية أو عسكرية ما تقف وراء الاغتيال فإن ذلك سيُفجر المشهد الليبي، ويُعمق الانقسام ويضع بنغازي كواجهة للمخاوف بتحوّلها من منطقة آمنة مستقرة إلى منطقة لاغتيال النساء والناشطين؛ ما يخلط الأوراق السياسية ويجهض المبادرات الدولية والأممية ويعطل أي مصالحة ممكنة في ليبيا. 

اغتيال خنساء المجاهد في وضح النهار، من دون القدرة على الكشف السريع عن الجناة، يعكس ضعف الأجهزة الأمنية أو تورط جهات ذات نفوذ، ما يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب ويُغري بتكرار الفعل. والحدث جريمة محمّلة بالرسائل، مفادها أنه لا مكان للنساء في المجال العام، ولا يمكن لأي ناشط أن ينتقد السلطات ويفضح الانتهاكات من دون خشية على حياته، وأن القتل وارد حتى للذين لا يحملون السلاح ولا يتبنون منهج العنف.

 استمرار ظاهرة الاغتيالات وتدحرجها لتطال الناشطات، يُقوّض أي جهود لتقريب وجهات النظر أو إجراء انتخابات نزيهة، لأن الفاعلين السياسيين سيشعرون أن ثمن الانخراط قد يكون حياتهم. ومن دلالات ذلك أن الاغتيالات والتصعيد العسكري والاشتباكات ليسا مجرد أحداث أمنية، بل مؤشرات سياسية على عمق الانقسام، وفشل الأطراف الليبية في الالتزام بخيار الدولة. 

 وبالتالي، إن لم يُكسر الجمود السياسي وتُفرض آلية دولية حازمة لإنهاء الانقسام، فإن ليبيا قد تدخل مجددًا في دورة عنف واسعة النطاق، تطيح بما تبقى من استقرار هشّ، لا سيما إذا ارتبطت الاغتيالات بتنافس جهوي أو قبلي أو أيديولوجي، فقد تُفضي إلى تفكك اجتماعي أوسع، وتغذية نزعات الانفصال أو التقسيم.

ختاماً، إن المطلوب الآن ليس فقط التحقيق في جريمة اغتيال خنساء المجاهد، بل موقف وطني ليبي شامل يرفض العنف السياسي والاحتكام للسلاح، ويوفّر حماية حقيقية للناشطين لا سيما النساء، ويعيد الاعتبار لحكم القانون قبل أن يُدفن مع الضحايا.