ترسيخ الذاكرة الوطنية
قد يكون الطريق موحشاً وصعباً ووعِراً ولكن لا بديل عنه لتغيير موازين القوى التي تسحق كل مَن لايمتلك الرؤى والفكر والإرادة والشجاعة للاعتراف بالواقع وفهمه ووضع الخطط الذكية لتغييره.
-
الجزائر وفرنسا.. الضوء أصبح كاشفاً لخفايا الأمور!
أقرَ البرلمان الجزائري بالإجماع في الـ 24 من كانون الأول/ ديسمبر 2025 قانوناً يجَرم الاستعمار الفرنسي ويصفه بـ "جريمة دولة" ويطالب فرنسا باعتذار رسمي ويحمّلها المسؤولية القانونية عن جرائم مثل التعذيب والتجارب النووية ونهب الثروات، ويفرض عقوبات على من يروّج الاستعمار أو ينفي كونه جريمة، مع اعتبار "الحركيين" خائنين للوطن.
هذا القانون يسعى إلى ترسيخ الذاكرة الوطنية الجزائرية ويفرض عقوبات بالسجن والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية لكل من يروج الاستعمار أو ينفي كونه جريمة. مع أن موقف البرلمان الجزائري من الاستعمار معروف، إلا أن هذا القانون يحمل مفاهيم وأبعاداً لم يجرِ التطرق إليها بهذا الوضوح.
لا شك في أن صدور هذا القانون لافت في توقيته ونصه ودلالاته في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العرب بشكل خاص وتاريخ البشرية بشكل عام. في هذا التوقيت بالذات، الذي فقد فيه العالم بوصلته الأخلاقية والقانونية، وأصبح أشبه بغابة يعتري كل الموجودين فيها خوف شديد من المفترس، الذي ينتقل من ضحية إلى أخرى، أمام أعين الجميع، والذين لاحول لهم ولا قوة سوى الأمل ألّا يحلّ بهم ما حلّ بسابقيهم.
الإيقاع بالضحايا يجري الإعداد له من خلال حملة ترهيب تردد رسالة واحدة، مفادها ألّا مخرج لأحد من هنا إلا مَن قد يقرر المفترس إعفاءه إلى حين.
وليس هذا فحسب، ولكن الطاغية يفاخر بقوته المفرطة وانفلاته من كل القيم والأخلاق والأسس والشرائع، التي أهدت البشرية كينونتها وتاريخها وثقافتها وهويتها التي عُرفت بها، والهدف من ذلك هو إدخال اليأس في قلوب الجميع كي يؤدوا طقوس الطاعة صاغرين، فيهرع أتباعهم إلى تمجيد ما حلّ بكبرائهم وإسباغ صفات البطولة عليه، كونه الحل الوحيد لإنقاذ الذات وتفادي ما هو أعظم.
وفي مراجعة لكل ما كان يشكّل حائلاً في الماضي بينه وبين السيطرة المطلقة على الفضاء البشري والكوني، يكتشف الطاغية أنَ هناك فضاء رحباً من الرعب واختلاق منظومات فكرية ولغوية وسياسية، لم تُستخدم بشراسة وكفاءة من قبل، فعمد إلى محاولة إعادة صياغة التفكير البشري بما يسهّل عليه الوصول إلى أهدافه من دون عناء يُذكر، أي أن يعمد إلى تغيير منهجية وفكر ومعتقدات وأسلوب تفكير وعيش الأقوام، قبل أن ينقضَ عليهم ويعمد إلى ابتزازهم ونهبهم، ومن ثمَ القضاء عليهم، كي يرث أرضهم وكل ما حباهم اللّٰه به من خيرات ظاهرة وباطنة.
تلي هذه الحملة الفكرية والمفهوماتية والعقائدية والاستخبارية جهود مركزة لاستعراض قوة لا تُقهر، وتحذير كل من تسوّلُ له نفسه التصدي لها، أو حتى دعم مَن يتصدى لها بالفعل أو حتى القول.
في هذا الواقع النشاز تتحرك الشعوب، والحكام لا حول لهم ولا قوة ،إذ لا كلمة ولا قوة ولا تأثير إلا لمن يملك مفتاح الغابة وأزرار الحياة والموت، بحيث يبدو الأمر وكأنه من الحماقة بمكان حتى مجرد التفكير بالتأثير في هذا الواقع الجديد المنفلت من أي أسس أو منطق أو قرار حكيم.
في هذا الظرف بالذات، يصدر قانون البرلمان الجزائري ليجرّم، ليس فقط الاستعمار، وإنما مَن يمجّده ويروّجه، وهنا تكمن الأهمية القصوى: تحدي ثقافة غريبة أخذت تنفذ إلى عقول أجيالنا الشابة، تدفعهم إلى التشكيك في كل ما نهلوه من قيم الوطنية والتضحية والفداء، والذود عن الأوطان بالغالي والنفيس، تمهيداً لتبديل ثقافتهم هذه بثقافة الاستسلام للآخر، ولتفوّقه التاريخي، كي تتم في خطوة لاحقة إزاحتهم عن أرضهم، والقذف بهم في غيبات المجهول ليواجهوا مصيرهم لاجئين، فقراء، محرومين ومضطَهدين.
وبهذا فإنَ المرحلة الأولى من الاستعمار هي استعمار العقل والفكر والإرادة قبل استعمار الأرض والجغرافيا والتاريخ. مع أنَ شعوبنا قد خاضت هذه التجربة من قبل في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلا أنها سرعان ما نسيت أو تناست ما شهده تاريخها في تلك الحقب المظلمة، وما نفد إليهم من حكايا الآباء والأجداد والجدات، عن القهر والظلم والمهانة التي تعرضوا لها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
لعلَّ الفرق بين الأمس واليوم هو أن استعمار الأمس كان يبدأ وينتهي بالقوة العسكرية الطاغية، أما استعمار اليوم فهو أكثر ذكاء، إذ لديه استراتيجيات وسرديات واختراقات وأساليب عمل مدروسة بذكاء، ومحسوبة ومأجورة، وخطط ذات أسماء وأشكال براقة مخادعة تدّعي الحرص الإنساني وصون الحقوق والمشاركة، بينما تستخدم أخطر الأدوات الفتاكة التي يشغلك بريقها عن حدتها الاستثنائية في الذبح.
والفرق أيضاً هو أن المستعمرين قد استفادوا أيّما استفادة من كل ما خاضوه من تجارب، من استعمار وإخضاع الشعوب، وكرسوا الوقت والموارد والمواهب لدراسة هذه الشعوب، وأنجع السبل للنفاذ إليها واختراق عمق أنسجتها المجتمعية وتفتيتها، بغية إخضاعها بأقل التكاليف الممكنة.
بينما لم يعكف الذين تحرروا "اسمياً" من الاستعمار على تمحيص ما حلَ بهم وببلدانهم وشعوبهم وأسبابه، ما ظهر منها وما بطن، وطرق تفاديه في المرات المقبلة. بل أمضوا حقباً يدورون في الفلك الذي أودعهم به المستعمرون، يخوضون المعارك التي اختلقها لهم عن سابق تفكير وتدبير، فيناصب بعضهم بعضاً العداء، وينشغلون بمعارك صغيرة هي أولاً وأخيراً من مورثات الحقب السوداء، من دون أن ينتفضوا عليها جملة وتفصيلاً، كي يبدأوا بداية وطنية مستقلة فعلاً، روحاً وفكراً وأداء وأهدافاً. وأحد أسباب ذلك، هو أن المستعمِر قد ترك أذياله وأضاف إليها أذيالا ًأخرى، مغروسة في كينونة الحركات السياسية والمجتمعية للشعوب التي ظنّت أنها تحررت من ربقته، ولكنها لم تحرر ثقافتها وسردياتها وعقائدها وهويتها من جدليات المستعمرين، ومن الأوهام التي غرسها في عقول البعض، سواء أكانت مأجورة أم جاهلة أم مغفلة.
صحيح أنَ الظلام اليوم يبدو دامساً أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكن الضوء اليوم أصبح أيضاً كاشفاً لخفايا الأمور أكثر من أي وقتٍ مضى. فما نراه اليوم، هو أن شيطاناً يضرب الحق والسلام، كان غالباً موجوداً في الخفاء، وكل ما في الأمر هو أنه ظهر إلى العلن وتكشفت معظم أدواته وأساليبه لأغلب مَن كانوا يجهلونها.
لذلك فإنَ الوقت الحاضر والأيام التي تبدو قاهرة للكثيرين، هي أيام حبلى بالاحتمالات الإيجابية إذا ما تمكّن البعض من التقاط الفرصة وإعادة ترتيب الأولويات وكتابة منهاج وأسلوب مختلف، يستفيد من أخطاء الماضي ويتعلم من أدوات وأساليب الطامعين والمستعمرين، ماضياً وحاضراً، وهذا ليس أمراً سهلاً، لأنه يتطلّب مراجعةً جريئة وشاملة ونقدية لمجريات الأحداث والقرارات أو انعدامها التي تسببت بكل هذا الخذلان.
قد يكون الطريق موحشاً وصعباً ووعِراً ولكن لا بديل عنه لتغيير موازين القوى التي تسحق كل مَن لايمتلك الرؤى والفكر والإرادة والشجاعة للاعتراف بالواقع وفهمه ووضع الخطط الذكية لتغييره.
جذر هذه المعادلة هو الإيمان بالأوطان والتوقف عن تمجيد الاحتلال والطغاة، ومطابقة القول والفعل، والصدق في احتضان القضايا الوطنية والإخلاص لها أيّما إخلاص. حينذاك فقط، نحارب الظلام الدامس وينتشر الضوء الساطع في القلوب والعقول، قبل أن يضيئ الجبال والوديان وساحات البلاد.