ترامب والحرب... أميركا أولاً و"إسرائيل" قبلها

روح الكاوبوي العدوانية والعقل الصهيوني الشرير كمصدرين لرؤية ترامب وإدارته "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها"، هو قدر أميركا الذي لن يتغيّر في المدى المنظور.

0:00
  • المثال الحاضر لرؤية
    المثال الحاضر لرؤية "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها" هو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.

تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابَي التنصيب الرئاسي الأول والثاني بأنّ شعار ورؤية (أميركا أولاً) ستحكم جميع قراراته وسياساته، وأنّ إدارة الملفات الداخلية والخارجية ستكون أولوياتها المصلحة الوطنية الأميركية، وقد طُبّق هذا الشعار وتُرجمت هذه الرؤية إلى قرارات وسياسات ضربت بعرض الحائط مصالح الدول الأُخرى حتى الحليفة لأميركا منها ومبادئ المنظّمات الدولية حتى الموالية لأميركا منها، ولكن في القرارات والسياسات العملية لترامب وإدارته استُثنيت "إسرائيل" من شعار ورؤية (أميركا أولاً)، بل قُدّمت مصلحتها على مصلحة أميركا فعلياً، لتكون الرؤية الحقيقية لترامب وإدارته هي "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها".

المثال الحاضر والقريب لرؤية "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها" هو الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي بدأها ترامب لمصلحة "إسرائيل" وإنجاز أهدافها المُتعلّقة بوجودها وأمنها في المنطقة وهيمنتها على المنطقة بالدرجة الأولى، ثم لمصلحة أميركا وإنجاز أهدافها المُتعلّقة بالنهب الاقتصادي من المنطقة والسيطرة السياسية على المنطقة بالدرجة الثانية. وكلّ من الأهداف الإسرائيلية والأميركية تصبّ في المُحصّلة النهائية في مصلحة "إسرائيل" قبل مصلحة أميركا، وربما تكون مناقضة لمصلحة أميركا على المدى الطويل إذا عجزت عن تحقيق أهدافها، وهذا يؤكّد رؤية ترامب "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها".

والمثال الوضاح والدائم لرؤية ترامب التي تُقدّم "إسرائيل" على أميركا هو تبنّي ترامب لموقف ورواية "إسرائيل" من صراعها مع العرب والمسلمين عامّة ومع الشعب الفلسطيني خاصّة، وما موقف ترامب المؤيّد والداعم لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عنّا ببعيد، ومن قبل ذلك طرحه لمشروع (صفقة القرن) الذي يضع خارطة طريق لتصفية القضية الفلسطينية وإنهائها، وهو المبادر إلى (اتفاقيات أبراهام) التي تتخذ من مدخل التطبيع طريقاً لمشروع (إسرائيل الكبرى) المهيمنة على المنطقة، وهو الذي يقف إلى يمين "إسرائيل" في عدوانها المتواصل على لبنان ويتبنّى موقفها في نزع سلاح المقاومة وفرض الاستسلام على لبنان تحت تهديد النار والدمار.

استثناء "إسرائيل" من رؤية ترامب "أميركا أولاً"، لتتجاوز هذا الاستثناء إلى منحها الأولوية لتكون قبل أميركا، وهذا الاستثناء والأولوية يجعل أميركا مشاركة كاملة وفعلية لـ "إسرائيل" في كلّ جرائمها واعتداءاتها وحروبها على الشعبين الفلسطيني واللبناني والجمهورية الإسلامية الإيرانية وكلّ شعوب ودول المنطقة العربية والإسلامية، وهي شراكة أميركية أصيلة استمدها كلّ رؤساء أميركا خاصة ترامب من مصدرين عدوانيين هما: روح الكاوبوي (أميركا أولاً) وعقل الصهيوني (إسرائيل قبلها).

روح الكاوبوي التي جاءت برؤية (أميركا أولاً) بصفاتها: العدوانية والعنصرية والاستعلائية، وطبيعتها: النفعية والانتهازية وغير الأخلاقية، وأوهامها عن فكرة التفوّق والتفويض الإلهي والأفضلية الحضارية... هي الروح الشريرة التي سوّلت للغزاة الأوروبيين الأوائل إبادة عشرات الملايين من شعوب القارة الأميركية أو ما أطلق عليهم الغزاة اسم (الهنود الحمر)، واستعباد الملايين من شعوب القارة الأفريقية الزنوج الذين اصطادهم الغزاة من بلادهم، ونهب ثروات شعوب العالم خارج نطاق الحضارة البيضاء ولا سيما الإنجلوساكسونية البروتستانتية، وغزو بلاد شعوب أخرى كلّ ذنبها أنها رفضت الدخول في حظيرة الطاعة الأميركية...

بروح الكاوبوي العدوانية الشريرة ألقى الرئيس (هاري ترومان) قنبلتين نوويتين على اليابان، وغزا الرئيس (جون كيندي) فيتنام، وقصف الرئيس (رونالد ريغان) ليبيا جواً وغزا لبنان براً، وغزا الرئيس (جورج بوش الأبن) أفغانستان والعراق وابتدع قانون (من ليس معنا فهو ضدنا)، ليأتي دونالد ترامب ليُعدّل القانون إلى (من ليس مع إسرائيل فهو ضدنا) وفق رؤية (أميركا أولاً وإسرائيل قبلها) لتندرج سياساته في الشرق الأوسط وفق هذا القانون والرؤية ابتداء من مشروعه (صفقة القرن) مروراً بدعمه لحرب الإبادة ووصولاً إلى الحرب الصهيو ــــــ أميركية على إيران.

إذا كانت روح الكاوبوي قد جاءت برؤية (أميركا أولاً) فإنّ مزجها بالعقل الصهيوني هو الذي أكمل الرؤية بـ (إسرائيل قبلها)، وهو العقل الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب بشكل خاصّ وكلّ رؤساء أميركا السابقين أو معظمهم بشكل عامّ، وهو العقل الصهيوني المحكوم بعقيدة (المسيحية اليهودية)، التي ترى في إنشاء "إسرائيل"، والمحافظة على وجودها وأمنها وتفوّقها وعلوّها ودعم عدوانها وإرهابها مقدّمة لعودة (المسيح المنتظر) وبدء عهد (الألفية المسيحية السعيدة).

وهو العقل الصهيوني المحكوم بالفكر الاستعماري الذي يرى في "إسرائيل" شباب أميركا من حيث تشابه ظروف النشأة فهما نتاج لمشروع استعماري أوروبي واحد، ولفّقا رواية استعمارية واحدة بدايتها (أرض بلا شعب)، ولديهما مبرّرات عنصرية واستعلائية واحدة ترى أحقيّة المُستعمر (المتحضّر أو المُختار) في غزو واحتلال واستيطان أراضي الشعوب الأُخرى (المُتخلّفة أو الجوييم)، من أجل الحضارة الإنسانية.

وهو العقل الصهيوني المحكوم بالحفاظ على الدور الوظيفي للكيان الصهيوني المزروع في قلب الأمة العربية والإسلامية، ليكون قاعدة متقدّمة للمشروع الاستعماري الغربي ضدّ الأمة الذي انتهت زعامته لأميركا، وهو دور وظيفي مرتبط بإبقاء حالة التجزئة والتخلّف والتبعيّة في الأمة، وإبقاء "إسرائيل" تؤدّي وظيفة شرطي المنطقة لتأديب محاولات الخروج من بيت الطاعة للمشروع الاستعماري الغربي.

الخلاصة أنَّ روح الكاوبوي العدوانية والعقل الصهيوني الشرير كمصدرين لرؤية ترامب وإدارته "أميركا أولاً وإسرائيل قبلها"، هو قدر أميركا الذي لن يتغيّر في المدى المنظور... ولكنه ليس قدر الشعوب الحرّة التي تصنع قدرها بإرادتها ونضالها وتضحياتها... إذا عانقت شوق الحياة الحرّة العزيزة خارج بيت الطاعة الأميركي وحظيرة التطبيع الإسرائيلي، وامتلكت قرار التحدّي والمقاومة ضدّ الاستعمار الأميركي والكيان الصهيوني، وعشقت صعود الجبال لتشرب ماء الحياة الحرّة العزيزة... ومن دون ذلك يُكتب عليها الحياة أبد الدهر بين الحفر لتتجرّع كأس حياة العبودية الذليلة.