تديين التطبيع: عمائم أفريقية في "إسرائيل"

هل تنجح" إسرائيل" في توظيف الدعاة والوعاظ الأفارقة في إحداث اختراق ممكن في القارة الأفريقية؟، وما هي الأبعاد والرسائل والمواقف التي تحملها زيارة رجال دين أفارقة لـ"إسرائيل"؟

  • "إسرائيل" تحاول اختراق أفريقيا من البوابة الدينية.

لم تتوقف المحاولات الإسرائيلية عن إحداث أي اختراق ممكن في القارة الأفريقية، حتى عندما اصطدمت تلك المحاولات بالواقع الرافض لحضورها في القارة الأفريقية استدارت "إسرائيل" لأدوات ومقاربات مختلفة ناعمة وغير مسبوقة، فانتقلت في محاولاتها وأدواتها من الأمني إلى المالي وانتهت مؤخراً بالديني؛ نعم رغم أن هذا البعد –الديني- يبدو غير ممكن إلا أن "إسرائيل" تسعى لتوظفيه واستغلاله من أجل إحداث أي اختراق ممكن في القارة الأفريقية.

آخر المحاولات الجديدة في توظيف "إسرائيل" للبعد الديني واستغلاله، كانت في دعوة وجهتها وزارة الخارجية الإسرائيلية لبعض رجال الدين والدعاة والوعاظ الأفارقة لزيارة "إسرائيل"، المفارقة أن الدعوة لاقت قبولاً والزيارة حدثت، والسؤال هل تنجح" إسرائيل" في توظيف الدعاة والوعاظ الأفارقة في إحداث اختراق ممكن في القارة الأفريقية؟ وما هي الأبعاد والرسائل والمواقف التي تحملها زيارة رجال دين أفارقة لـ"إسرائيل"؟ وما الموقف الأفريقي من الزيارة وتديين التطبيع؟

تجلّى الموقف الأفريقي من زيارة بعض رجال الدين لـ"إسرائيل" واتّضح في بيان الإدانة والاستنكار الذي أصدره اتحاد أئمة السنغال في 9 كانون الأول/ ديسمبر 2025، وذلك رداً على زيارة مجموعة من رجال الدين المسلمين لـ "إسرائيل"، مؤكداً أن الوفد الزائر لا يمثل بأي شكل من الأشكال أئمة البلاد ولا شعبها.

وكانت مجموعة من الأئمة والصحافيين من دول غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية قد تسلّمت دعوة لزيارة القدس المحتلة ضمن برنامج تنظّمه وزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث استقبلهم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2025. 

وأوضح اتحاد أئمة السنغال في بيانه تعليقاً على زيارة وفد من رجال الدين الأفارقة، بينهم سنغاليون، أن الخطوة تتعارض بوضوح مع الموقف الرسمي للسنغال ومواقف علمائها الراسخة تجاه القضية الفلسطينية.

لم يكتفِ البيان بالإدانة، بل لفت إلى ضرورة عدم ربط اسم السنغال أو علمائها أو شعبها بهذه المبادرة الفردية والمعزولة التي لا تستند إلى أي شرعية، مشدداً على التزامه الثابت الدعم الدبلوماسي والأخلاقي والديني لفلسطين.

وأشار الاتحاد إلى أن الزيارة تأتي في وقت يشهد فيه العالم انتهاكات واسعة للقانون الدولي وحقوق الإنسان في فلسطين، معتبراً أن مثل هذه الخطوة تشكّل خطأً سياسياً وظلماً يتناقض مع تاريخ السنغال الداعم لمبادئ الحق والعدالة. وذكّر البيان بأن السنغال تتولى منذ عام 1975 رئاسة لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، في تجسيد لموقفها التاريخي تجاه القضية.

ويلاحظ أن السنوات الأخيرة قد شهدت تكثيفًا لزيارات رجال دين أفارقة لـ "إسرائيل"، بعضها يُعلن عنه والبعض الآخر يجري بهدوء، ضمن وفود دينية أو ثقافية تزور القدس ومواقع دينية بزعم التقارب الحضاري.

 ولكن هذه الزيارات، التي تبدو دينية الطابع، تندرج فعليًا في سياق سياسي أوسع، يهدف إلى إعادة تشكيل المواقف الأفريقية تجاه "إسرائيل"، وكسر الحواجز النفسية والدينية التي تعيق تمددها في القارة. ذلك أن "إسرائيل" تحاول إحداث اختراق من البوابة الدينية.

أما دوافع "إسرائيل" في دعم مثل هذه الزيارات والدعوة إليها هي أنها تدرك بأن السياسة وحدها لا تكفي لاختراق أفريقيا، خصوصًا في الدول ذات الغالبية المسلمة أو التقاليد الإسلامية العميقة مثل السنغال، ومالي، والنيجر والسودان. لذلك، بدأت تستخدم استراتيجية الاختراق الناعم من خلال استضافة رجال الدين الأفارقة لزيارة القدس من أجل تمرير معادلة وتغيير الوعي وتزييفه بأن التعايش الديني ممكن، ومن جهة أخرى استثمار الرمزية الدينية الأفريقية في إظهار "إسرائيل" كدولة متسامحة. 

والأهم محاولة تحييد المواقف الدينية من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وخلق خطاب ديني محايد أو متعاطف مع الرواية الإسرائيلية وربما يتبناها، وللموضوعية نجحت "إسرائيل" في بعض الحالات المتعلقة برجال الدين المسيحيين في أفريقيا، لكنها لم تكتفِ بذلك وتتوقف عنده، بل تحاول استمالة بعض رجال الدين الإسلامي أيضاً، من خلال بعض شخصيات الطرق الصوفية ذات التأثير الشعبي الواسع، أو بعض رجال الدين الذين يحملون طابعاً تصالحياً أو ينشطون في الحوار بين الأديان، وفي بعض الحالات، شخصيات دينية محسوبة على السلطة، تُستخدم لتمرير رسائل سياسية عبر غطاء ديني.

لم تتوقف محاولات "إسرائيل" لتديين الاختراق أو توظيف الدين لتسهيل الاختراق من البوابة الدينية، في المقابل فإن المواقف الأفريقية الرسمية والشعبية الرافضة للحضور الإسرائيلي لم تتغير ولم تتراجع، وقد واجهت الزيارة الأخيرة لرجال الدين الأفارقة انتقادات حادة ورفض من اتحاد الأئمة والوعاظ، واعتبرت شخصيات دينية أفريقية بارزة أن تلبية دعوة وزارة الخارجية الإسرائيلية والزيارة تمثلان طعنة في ظهر القضية الفلسطينية وأن الزائرين لا يمثلون الإرث الديني للسنغال.

 رفض مد الجسور بين القارة الأفريقية و "إسرائيل" من خلال البوابة الدينية أو غيرها لم يقتصر على السنغال أو دولة أفريقية بعينها، بل تمدد الرفض واستُنكرت الزيارة ولاقت رفضاً واسعاً وإدانة في وسائل التواصل الاجتماعي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الأمر الذي يعني أن الشعوب الأفريقية رغم الفقر والصراعات والتجاذبات، ما زالت تحتفظ بشعور ديني قوي تجاه القدس وفلسطين، وتعتبر "إسرائيل" قوة محتلة. وأن محاولات الاختراق الإسرائيلي الخشنة والناعمة لم تفلح ولم تنجح بعد لكنها لم تتوقف.

إن أبعاد زيارة رجال الدين الأفارقة لـ"إسرائيل" لا تتوقف عند الرفض والإدانة مقابل الترويض والاختراق؛ "إسرائيل" تُقدر ذلك وتدركه، ولكنها تستهدف أبعاداً أخرى، منها إحداث جدل وزيادة الانقسام وتوسعته داخل رجال الدين الأفارقة، بين من يرفض التطبيع تماماً ومن قد ينخرط فيه تحت غطاء حوار الأديان، على غرار تسمية اتفاقيات التطبيع مع بعض الدول العربية بالاتفاقيات الإبراهيمية وإضفاء بُعد ديني على اتفاقيات هي في الأساس سياسية استسلاميه انهزامية تقبل بالتعايش مع "إسرائيل".

أما في الدلالات السياسية لزيارة رجال الدين الأفارقة لـ"إسرائيل" رغم الرفض والإدانة، فإن "إسرائيل" تسعى من وراء ذلك لتحقيق تطبيع ناعم بغطاء ديني، ذلك أن الزيارة تمثل شكلاً غير مباشر من التطبيع، حيث يُستخدم الدين كمدخل لإعادة صياغة العلاقات الإسرائيلية مع دول أفريقية مسلمة، من دون الحاجة إلى اعتراف دبلوماسي رسمي.

ومن بين الأهداف الإسرائيلية شرعنة الاحتلال بإضفاء صبغة دينية لا تخلو من التدليس وتزييف الوعي، ذلك أن زيارة رجال دين أفارقة مسلمين للأراضي الفلسطينية المحتلة، وخصوصًا القدس، تُوظفه "إسرائيل" لإظهار قبول إسلامي بوجودها هناك، مما يطعن في مركزية القدس في الخطاب الديني الإسلامي الداعم لفلسطين.

 وبالتالي يمكن من خلال ذلك تقويض التضامن الأفريقي التقليدي مع فلسطين؛ فمنذ عقود، شكّلت دول أفريقيا المسلمة، وخاصة في غرب أفريقيا، قاعدة دعم قوية للقضية الفلسطينية.

 هذه الزيارات توحي بتراجع ذلك الدعم، أو على الأقل بتفكك الإجماع الرمزي والشعبي حولها. ومن ثم إضعاف الخطاب الفلسطيني في الساحة الإفريقية، فالزيارة في أحد أهم ابعادها ودلالاتها ورسائلها تُعد ضربة رمزية للجهود الفلسطينية في إفريقيا، وتقلل من فاعلية الخطاب الذي يصور الاحتلال كعدو لكل الشعوب المسلمة.

بالإضافة لذلك تسعى "إسرائيل" لاستغلال الانقسامات الداخلية في القارة الأفريقية من خلال توظيف علاقاتها مع أنظمة أو نخب دينية معينة لتعزيز حضورها، مستغلة ضعف الدولة أو حاجة بعض الشخصيات للتمويل أو الدعم الخارجي، ما يُظهر انتهازية سياسية مدروسة.

"إسرائيل" تستثمر هذه الزيارات كسلاح ناعم ضمن استراتيجية التطبيع الديني، مستهدفة المساحات الأكثر رمزية وتأثيرًا، كالعلماء الصوفيين في غرب أفريقيا. لكن رغم نجاحها في تنظيم بعض الوفود، فإن الوعي الشعبي والديني في هذه الدول ما زال عاليًا، ويمثل خط دفاع صلبًا في وجه التطبيع التدريجي. الرد الشعبي الرافض هو اليوم الضمانة الأقوى لصد هذا الاختراق الرمزي، ويستدعي تنسيقًا عربيًا وفلسطينيًا أوسع لدعم القوى الرافضة في الداخل الأفريقي.

إن زيارة بعض رجال الدين الأفارقة لـ"إسرائيل" ليست حدثًا دينيًا معزولًا، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن "إسرائيل" تحاول اختراق أفريقيا من البوابة الدينية، وإعادة تشكيل المواقف تجاهها عبر أدوات ناعمة، من دون الحاجة إلى اتفاقيات علنية. وهذا جزء من استراتيجية إسرائيلية ذكية وهادئة لكسب العمق الأفريقي عبر الخطاب الديني. إن هذا التطبيع الديني، إن لم يُواجه بخطاب توعوي عربي وإسلامي، قد يُنتج تحولًا في الموقف الأفريقي من فلسطين، لا بالحكومات فقط، بل أيضًا في القاعدة المجتمعية والدينية.