بين الواقع المعيشي الخانق والوعود باستقرار الاقتصاد: احتجاجات مطلبية في محافظاتٍ سوريّة

دمشق قد حقّقت بالفعل، مكاسب في إعادة بناء العلاقات الخارجية وجذب الاهتمام الاستثماري، لكن هذه التحولات لم تُترجم بعد إلى تحسن اقتصادي واسع يوازي حجم التوقعات التي رافقت المرحلة الانتقالية.

  • احتجاجات مطلبية في محافظاتٍ سوريّة.
    احتجاجات مطلبية في محافظاتٍ سوريّة.

للمرة الأولى منذ سنتين على الأقلّ، يقف وزير سوريّ أمام أعضاء مجلس الشعب، بعد استدعائه لاستجوابه حول أسباب رفع أسعار المشتقات النفطيّة، وهو الرفع الذي أدى إلى زيادة أسعار وسائل النقل، وبالتالي أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، ما أدى بدوره إلى موجة من الاحتجاجات الشعبية الغاضبة التي شملت ثماني محافظات على الأقل. 

ومن خلال مطالعةٍ طويلةٍ له أمام أعضاء المجلس، برّر وزير الطاقة، المهندس محمد البشير، هذا القرار، رابطًا إياه بالضغوط القوية على السوق، بسبب ما وصفها بالفجوة الكبيرة بين حاجة البلاد من النفط والغاز، وبين كميات الإنتاج الحالية، وبالكلفة العالية للاستيراد، التي قال إنها تُثقل ميزانية الدولة. وذكر البشير إنّ الناتج المحليّ من النفط، يبلغ /112/ ألف برميل يوميًّا، فيما تحتاج البلاد إلى ما يزيد على /200/ ألف برميل، يجري استيراد جزء منها من الخارج.

وكانت الاحتجاجات الشعبية الغاضبة، التي عُدّت الأوسع منذ سقوط النظام السابق، قد عمّت عددًا من المحافظات السورية، واستمرت لأيام بعد القرار الصادر في /13/ من هذا الشهر، أيلول/ سبتمبر، والذي قضى برفع أسعار المشتقات بنسبٍ تراوحت بين 25% و40%. وتخلّل التظاهرات قطع طرقات بالإطارات المحروقة، خصوصًا في حلب والمحافظات الشرقية.

وجاء قرار رفع أسعار المحروقات ليزيد من وطأة الضغوط المعيشية على السوريين الذين يختبرون أزمة اقتصادية خانقة مستمرة منذ سنوات، وهي أزمة تركت أثرها بوضوح على المجتمع السوري، إذ أشارت تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أنّ /90/ في المئة من السوريين باتوا يرزحون تحت خطّ الفقر، مقارنةً بنحو ثلث هذه النسبة في عام 2011. 

ويُعدّ ملف الطاقة أحد أكثر الملفات اتصالًا بحياة السوريين. فقد رفعت الحكومة أسعار الوقود مرتين خلال سبتمبر/ أيلول  2026،  وارتفعت الأسعار بنحو  60 في المئة منذ سقوط النظام السابق،  فيما برّرت السلطة  الزيادات غير مرّة، بارتفاع سعر النفط عالميًا،  وأعمال الصيانة في مصفاة بانياس.

وكانت أسعار الكهرباء قد شهدت بدورها ارتفاعات كبيرة وصلت إلى  600  في المئة لأغلب الشرائح، وبقي الإنتاج أقل بكثير من الطلب، ما جعل ساعات التغذية محدودة في مناطق واسعة. وفور إعلان رفع أسعار المحروقات، شهدت السلع والبضائع ارتفاعًا فوريًا بحدود  20 في المئة، ولذلك تحوّل الاحتجاج من غضب بسبب ارتفاع  سعر الوقود، إلى احتجاج على مستوى المعيشة بأكمله.

وبعد الاحتجاجات، وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، التقى وزير الطاقة الرئيس  أحمد الشرع، ثم عقد الوزير مؤتمرًا صحفيًا، وأعلن  اعتماد شرائح متعددة لتسعير المازوت، بما يُفسَّر أنه آلية دعم. لكن تعدد الأسعار لمادة واحدة،  يخلق تلقائيًا فجوة تتحوّل إلى سوق سوداء ومجال للفساد، خصوصًا إذا ارتبط الحصول على السعر الأرخص بتصنيفٍ  أو موافقةٍ  أو حصة. ولذلك، بدت الخطوة  أقرب إلى الهروب إلى الأمام، منها إلى معالجة أصل أزمة الطاقة، كما ذكّرت  بتجربة "البطاقة الذكية"  التي أدخلت توزيع المواد المدعومة في دوامة الفساد والاستثناءات والرقابة في زمن النظام السابق.

وقد كشفت القرارات الأخيرة، وما تلاها من احتجاجات وشعارات في الشارع، عن عمق الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد السوريّ بشكل عام، ولهذا تحديدًا، كان الحديث عن الاقتصاد هو المادة الرئيسية التي تناولها الرئيس أحمد الشرع، خلال حضوره "قمّة الإعلام العربي" في مدينة دبي قبل أيام.

فقد حاول الشرع شرح المسار الذي تمضي فيه عملية إعادة الاستقرار إلى الاقتصاد السوري والنهوض به. وجاءت الصورة أكثر تفاؤلًا من الواقع بشكل لافت، إذ تحدث الرئيس عن اقتصاد قد يصل إلى /50/ مليار دولار بحلول نهاية هذا العام، مقابل /32/ مليارًا في العام الماضي، مع إمكانية العودة القريبة إلى الرقم الاقتصادي في عام 2011، البالغ /60/ مليار دولار. وقد أشار الشرع بوضوح، إلى أنّ هذا المسار قد يشهد قرارات اقتصادية "صادمة" في الفترة المقبلة. 

والواقع، أنّ الوعود الاستثمارية والاقتصادية الكبرى، التي أخذت التقارير الإعلامية المحلية بالحديث عنها والترويج لها  عقب سقوط النظام السابق، إذ طغت في الخطاب الإعلامي وعودٌ بتحويل البلاد إلى مركز إقليمي للاستثمار والتجارة، وراجت توصيفات من قبيل "سنغافورة الشرق" للدلالة على سوريا المأمولة قريبًا،  قد أسهمت في زيادة مستوى الخذلان داخل المجتمع، خصوصًا أنّ الواقع الاقتصادي ازداد سوءًا يومًا بعد يوم، من دون أنْ يلحظ المواطن السوري أي استثمارات أو مشاريع أو تحسّن في الخدمات بشكل عام، بل جاءت الأمور على العكس تمامًا، حيث الازدياد المتصاعد في أسعار الخدمات والسلع. وقد كشفت الاحتجاجات الأخيرة المرتبطة بأسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، عن صورة هذا الواقع بشكل واضحٍ وقاسٍ جدًّا.

وقد كانت التوقعات قائمة على أساس أنّ رفع العقوبات الأممية والدولية، وعودة العلاقات الدبلوماسية مع دول الإقليم والعالم، واستعادة السيطرة على الموارد، ستفتح الطريق أمام انتعاشٍ اقتصادي سريع، لكنّ السلطة ذاتها، اصطدمت بالواقع الصعب، حيث اقتصاد متهالك خرج من نحو /14/ عامًا من الحرب والحصار والعقوبات وتراجع الإنتاج، مع بنيةٍ تحتيّة مدمّرة ومؤسسات عامّة ضعيفة، وقطاع مصرفيّ محدود القدرة على الوساطة المالية، وواقع  استثماري غير آمن قانونيًّا وأمنيًّا حتى اللحظة، وحاجة ضرورية إلى موارد ضخمة لتغطية الرواتب والخدمات وإعادة بناء المؤسسات، حيث يُقدّر حجم الإنفاق على أجور القطاع العام بنحو /120/ مليون دولار شهريًّا، واضطرت الدولة إلى الاعتماد، على هذا الصعيد تحديدًا،  على منح خليجيّة قصيرة الأجل، تُجدّد كل ثلاثة أشهر وتدار عبر الأمم المتحدة، أي  لا تُشكّل إيرادًا لخزينة الدولة (تحدثت بعض التقارير الرصينة عن توقف المنحة القطرية لعدة أشهر مؤخّرًا).

ليبدو جليًّا أنّ  الانتقال من اقتصاد منهك إلى اقتصاد منتج، لا يتوقف على تدفّق الأموال أو تغيّر سعر الصرف، بل  يحتاج إلى إصلاح مؤسسي، وبيئة استثمار مستقرة، ونظام مالي قادر على تحويل الموارد إلى إنتاج وإيرادات عامة. وعليه، فقد كشفت الأشهر التالية أن المشكلة الأساسية ليست غياب الموارد وحدها، ولا غياب التمويل الخارجي، وإنما هي أيضًا مسألة قدرة السلطة على تحويل هذه الموارد والتدفقات المالية، إلى نشاط اقتصادي مستدام يصل أثره إلى المجتمع.

ومن جهة موازية، فقد جاءت سيطرة الدولة السورية على عموم مناطق الشرق السوريّ، الغنية بمصادر الطاقة وبالغلال الزراعية الاستراتيجية (القمح والقطن)، لتعطي أملًا كبيرًا في تحسّن سريع على مستوى الاقتصاد، كما على صعيد الأوضاع المعيشية للمواطن بالطبع. لكنّ استعادة السيطرة الإدارية على مناطق الإنتاج، لا تعني تلقائيًا استعادة عائداتها، فحتى مع عودة النفط والقمح إلى نطاق إدارة الدولة، لم يظهر حتى الآن أيّ  تحسن ملموس يتناسب مع أهمية هذه الموارد في حياة السوريين أو في إيرادات الخزينة. والمؤكّد أنّ  العائد الاقتصادي يحتاج  إلى تشغيل الحقول، وإصلاح البنية التحتية، وتنظيم النقل والتسويق، وضمان دفع مستحقات المنتجين، ثم إدخال الإيرادات فعليًا ضمن نظام مالي واضح.

وينطبق الأمر نفسه على القمح. فوجود مناطق زراعية منتجة تحت سلطة الدولة، لا يحل وحده مشكلة التسويق والتمويل والدفع للمزارعين. وقد أظهرت أزمة مستحقات القمح أن المشكلة ليست في إنتاج الحبوب فقط، وإنما في قدرة المؤسسات العامة على شراء المحصول وتمويله ونقله وتوزيعه. ويتطلب الأمر بناء سلسلة كاملة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بإيراد مالي واضح، مع تحديد الجهة التي تدير المورد، ومن يحصل على عائداته، وكيف توزع بين المركز والمناطق المنتجة، وهو ما لم يحصل بعد.

وفي نظرة عامّة إلى الواقع السوري، نجد أنّ دمشق قد حقّقت بالفعل، مكاسب في إعادة بناء العلاقات الخارجية وجذب الاهتمام الاستثماري، لكن هذه التحولات لم تُترجم بعد إلى تحسن اقتصادي واسع يوازي حجم التوقعات التي رافقت المرحلة الانتقالية.

ففي سوق الصرف،  يمكن تسجيل قدر من الاستقرار الاسمي، بينما تبقى القدرة الشرائية تحت الضغط، وفي المالية العامة، توجد منح واستثمارات ووعود خليجية كبيرة، لكن الإيرادات السيادية المحلية ما تزال أضعف من أن تتحمّل وحدها أعباء الدولة. ولذلك، تبدو المسألة الاقتصادية السورية، في جوهرها، أقل ارتباطًا بنقص المال وحده، وأكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على تحويل المال إلى إنتاج، والمدخرات إلى استثمار، والموارد إلى إيرادات سيادية مستقرة.

وهذه هي النقطة التي ستحدّد ما إذا كانت وعود  الاستقرار الاقتصادي والنمو والنهوض، وتلبية متطلبات الشعب وتحقيق آماله الاقتصادية والمعيشية، واحتلال مكان إقليمي بارز على هذا المستوى، ستتحوّل إلى مسار اقتصادي فعلي، أم ستبقى في حدود الخطاب السياسي والإعلاميّ.