بين الأجندات الخارجية في ليبيا وحالة المخاض الداخلي: أي حلول ممكنة لإنهاء حالة الانقسام
التوافق الليبي حول القوانين الانتخابية واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات خطوة نحو حل الازمة، لكنه يواجه تحفظات سياسية ومؤسساتية قد تعيق تحويله الى اتفاق ملزم.
-
بين الأجندات الخارجية في ليبيا وحالة المخاض الداخلي: أي حلول ممكنة لإنهاء حالة الانقسام
توصّلت اللجنة الليبية المصغّرة 4 زائداً أربعة (4+4) إلى مسودة اتفاق بشأن القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات خلال اجتماعات مغلقة احتضنتها تونس.
اتفاق حظي بترحيب أممي وأميركي، على الرغم من أن التوقيع عليه كان بالأحرف الأولى، ما يعني أنه لا يزال أقرب إلى تفاهم سياسي منه إلى اتفاق ملزم، لأن آليات اعتماده قانونياً لم تُحسم بعد، كما لم يتضح أيضاً مدى استعداد مجلسَي النواب والدولة والمؤسسات الأخرى لتحويل مخرجات اللجنة إلى قرارات ملزمة.
الخطوة تعد تطوراً لافتاً فيما يتعلق بمساعي حلحلة جمود الأزمة الليبية، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التقدم الذي يأتي بعد مسار طويل من التعثر، هو مدى قدرة أفرقاء السياسة في ليبيا على نقل التوافق من طاولة المفاوضات الى مؤسسات الدولة.
اتفاق تونس خطوة نحو الحل، أم شرارة لجدل سياسي جديد؟
ردود أفعال متواترة داخل ليبيا تأتي لتقيم الدليل على وجود فجوة واضحة بين اللجنة التي تفاوضت على الاتفاق من جهة (4+4)، والمؤسسات التي يُفترض أن تمنحه الغطاء القانوني من الجهة الثانية، فالمجلس الأعلى للدولة أكد ضرورة احترام الاختصاصات القانونية للمؤسسات، ومن جهته أكد نوح المالطي عضو المجلس الأعلى للدولة أن المجلس لم يتسلم نسخة رسمية من الاتفاق، مضيفاً أن التغييرات المتداولة في القوانين الانتخابية لا تحظى بتوافق داخله.
كما أبدى مجلس النواب الليبي تحفظات أيضاً، حيث أشار خليفة الدغاري عضو لجنة المالية، إلى أن النواب لم يشاركوا في اختيار ممثليهم داخل لجنة «4+4»، وأن المجلس لم يتلقَّ إحاطة مباشرة بشأن المفاوضات ومخرجاتها.
هي مقدّمات يبدو أنها تشير إلى أن المؤسسات المعنية بترجمة الاتفاق إلى نص ملزم بدأت في إعلان تحفظاتها على مخرجات عمل اللجنة المصغرة، التي يبدو أن عملها بات أقرب الى موضوع جدل سياسي، أكثر منه إلى اتفاق يمثل انفراجاً للأزمة.
الاختلافات بحسب عدد من المراقبين تتجاوز نص الاتفاق للجنة المصغرة، أو القوانين الانتخابية التي ستدير لعبة الانتخابات، إلى عدم التوافق حول تركيبة السلطة التنفيذية التي ستتولّى إدارة المرحلة الانتقالية (بين 18 شهراً و 24 شهراً ) بحسب مخرجات الحوار الذي رعته الأمم المتحدة، وذلك من أجل إنهاء الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
كما أن تعدد المسارات لحل الأزمة في ليبيا قد يُفضي بحسب مراقبين إلى تضارب فيما بينها، بما قد يقطع الطريق أمام اعتماد إحداها، خصوصاً ونحن نتحدث عن ثلاثة مسارات متباينة، مسار أممي يركز على تهيئة الظروف السياسية والمؤسساتية للانتخابات، ومسار أميركي يرعاه مسعد بولس مستشار الرئيس ترامب، ويدفع باتجاه توحيد السلطة التنفيذية والملفات الأمنية والاقتصادية والطاقة، فضلاً عن مبادرة رؤساء المؤسسات الثلاث التي تدفع باتجاه انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، مع طرح موعد أقصاه الـ17 من فبراير/شباط 2027.
مسارات متضاربة من اجل حلحلة الأزمة، فهل يكون الحل داخلياً؟
التجارب المتراكمة منذ ما يزيد على أربعة عشر عاماً تثبت أن المسار الأممي كلما حقق تقدماً في ليبيا، يعود لينتكس من جديد، بسبب غياب التوافق بين الشرق والغرب، واستشراء السلاح الذي يؤدي دائماً إلى انفلاتات أمنية تعيق كل جهود ممكنة لتهيئة المناخات نحو الاحتكام إلى شرعية الصندوق.
كما أن مؤسسات الدولة من مجلس رئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، يصطدم تصورها (بتقديم حل ليبي ــ ليبي للأزمة من خلال إجراء انتخابات عامة وتوحيد المؤسسات)، بمحدودية القدرة على فرض تسوية على القوى صاحبة النفوذ العسكري والميداني، فضلاً عن استمرار الخلافات فيما بينها.
على صعيد آخر، يبدو أن المبادرة الأميركية (التي تولي اهتماماً لاستقرار قطاع الطاقة الليبي، والدفع نحو ميزانية موحدة وإجراء أنشطة عسكرية مشتركة بين الشرق والغرب، وإنشاء آلية تعاون بين المؤسستين العسكريتين) تصطدم بدورها بحساسية داخلية كبيرة خصوصاً في الغرب الليبي، حيث ترفض قوى سياسية واجتماعية أي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى عسكرة الدولة.
على خط صدام المسارات يأتي حوار تونس ليرسم ملامح طريق جديدة لحل الأزمة
في سياق موازٍ، دعا ملتقى وطني ليبي انعقد في تونس إلى حوار شامل بين مختلف القوى السياسية والمدنية، وإلى خارطة طريق وطنية لإنهاء الانقسام، مع التشديد على احترام الحريات العامة ورفض التدخلات الخارجية.
كما طرح المشاركون أفكاراً تتعلق بإصلاح إدارة الموارد والثروات، وتحقيق عدالة أكبر في توزيعها بين المناطق، إلى جانب إطلاق مسار للمصالحة الوطنية وتوحيد الصف بين الشرق والغرب والجنوب.
هي حالة مخاض تعيشها الساحة الليبية، يبدو أن تردي الخدمات العامة في البلاد من انقطاع للكهرباء، وللماء الصالح للشرب، وتضخم الأسعار، إلى جانب تعدد الاختراقات الأمنية التي استهدفت مقدّرات الليبيين وأمنهم، كانت الدافع وراء تحريك المياه الراكدة، والتقاء الأفرقاء من شرق البلاد وغربها وجنوبها، في نقاش حول مستقبل البلاد، بعد أن تحققت القناعة على ما يبدو، بأن أي تسوية لا تحظى بقبول اجتماعي واسع ستظل معرضة للانتكاس، وبأن الاستمرار في حالة الانقسام واللاشرعية من شأنه أن يتهدد البلاد بتأبيد الانقسام واستنزاف الثروات.