بشائر السلطة لأهل الضفة بستة أشهر عصيبة
كانت المعاناة وستبقى رفيقة درب الفلسطيني، فمن سكن ساحلاً من سواحل بيت المقدس فهو في رباط إلى يوم القيامة، وفي كل رباط قبض على جمرة هذا الوطن.
-
تمضي حكومة "تل أبيب" المتطرفة في سياساتها الوحشية في الضفة.
عندما كانت جيوش ألمانيا النازية تجتاح أوروبا، وقف رئيس حكومة بريطانيا ونستن تشرتشل ليخاطب شعبه في هذه اللحظة التاريخية العصيبة، قائلاً "ليس لدي ما أقدمه لكم سوى الدم والكدح والدموع والعرق"، ولعل رئيس حكومة السلطة الفلسطينية محمد مصطفى، كان بتصريحه الصريح حول الأشهر الستة القادمة ومدى صعوبتها على أهل الضفة الغربية؛ يحاكي لحظة تاريخية كهذه.
جاء تصريح رئيس حكومة السلطة هذا، في واقع تاريخي مستمر يندفع فيه المستوطنون المسلحون للقتل والحرق والنهب في شتى القرى والبلدات الفلسطينية، وهم تحت حماية أكثر من 23 كتيبة نظامية في "جيش" الاحتلال الإسرائيلي، تقوم أصلاً بما هو أبشع من جرائم المستوطنين خاصة منذ بدء هجوم الجدار الحديدي في شمال الضفة قبل أكثر من عام مضى.
لكن تشرتشل وهو يبشر الشعب البريطاني وكل شعوب أوروبا بالدم والدموع سنة 1940، كان يتحمل مسؤولياته التاريخية وهو يضيف "سنقاتل في فرنسا، سنقاتل على البحار والمحيطات، سنقاتل على الشواطئ في المرافئ في الحقول والشوارع، لن نستسلم أبداً"، وقد سبقه في ذلك بستة قرون؛ القائد الإسلامي سيف الدين قطز، عندما سارع إلى بيع ممتلكاته الشخصية مع بقية القادة المماليك، ليشجعوا الشعب على التبرع في تمويل الجيش ليستعد لملاقاة جيوش التتار الزاحفة نحو مصر عبر فلسطين.
بين مصارحة الناس بالحقيقة المرة، وبين تقديم خطاب مثقل باليأس والإحباط شعرة رقيقة، يختبئ خلفها قرار مسبق بكيفية التعامل خلال هذه الأشهر الستة الصعبة في الضفة، بل تختبئ خلفها سياسات متصلة منذ عام 1993 ولحظة أوسلو المثقلة بالتحولات، حيث بدأت الاستدارة التاريخية من خطاب مواجهة الاحتلال إلى سياسة إدارة الأزمات النابعة من شرور الاحتلال، حتى لحظة السابع من أكتوبر 2023 والانكفاء الرسمي الفلسطيني من إدارة أزمة استمرار الاحتلال، إلى إدارة شبكة علاقات عامة في ظل قبضة الاحتلال الوحشية.
انطلق إعلان رئيس حكومة السلطة الفلسطينية التشاؤمي هذا، من واقع يرى فيه حكومة إسرائيلية يسيطر عليها اليمين الإسرائيلي المتطرف، وهي ماضية في جرائمها في الضفة بعد أن أفرغت ذروة جنونها في غزة، وخاضت حروباً وما زالت ضد لبنان وإيران وقصفت في اليمن وتستبيح سوريا، وهي في الضفة تهجّر سكان مخيمات الشمال وتمعن في تدميرها، وتمارس كل أنواع السادية في سجونها بحق الأسرى الفلسطينيين من دون رادع يردعها.
ولعل تشاؤم السلطة الفلسطينية تجاه الأشهر القادمة في الضفة، نابع بالأساس من افتقاد الغطاء الأميركي، واندفاعه خلف مشاريع نتنياهو وأطماعه الاستيطانية وحروبه التي لا تتوقف، في ظل عجز عربي غير مسبوق، خاصة أن السلطة حددت لنفسها فلكاً تدور داخله ولا تخرج عنه في كل الأحوال وتحت كل الظروف، وهو فلك التسويات السياسية المرتبطة بالسياسات العربية في مصر والأردن والسعودية، وهي سياسات خاضعة بالمطلق للسيد الأميركي.
اتبعت السلطة منذ السابع من أكتوبر 2023 سياسة سد الذرائع، وهي سياسة أوصلتها حتى الآن للتماهي مع سياسات الاحتلال العسكرية والأمنية، والانقياد خلف التعليمات الأميركية والاشتراطات الأوروبية، ما جعل أجهزتها الأمنية تصطدم بالمقاومة في مخيمات الشمال وخاصة مخيم جنين، وتقطع رواتب عائلات الشهداء والأسرى، وتشيطن المقاومة في غزة وقد حمّلتها مسؤولية التسبب بالإبادة الإسرائيلية في غزة.
كما انطلق تشاؤم رئيس حكومة السلطة من عجز السلطة المالي، بعد أن واصل وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية، وهو ما أفقدها القدرة على دفع رواتب الموظفين، والاضطرار إلى صرف دفعات مالية محدودة للموظفين والعساكر للسنة الرابعة على التوالي.
تمضي حكومة "تل أبيب" المتطرفة في سياساتها الوحشية في الضفة، وهي في أشهرها الأخيرة، حيث تكمل دورتها الكاملة حتى أكتوبر القادم، وتتبعها عدة أشهر كفترة انتقالية مع ترجيح سقوطها، ما يعني أنها ستمعن في مزيد من الجرائم وتصعيد واسع للاستيطان، باعتبار أن سوق المزاودة الانتخابية قد افتتح على مصراعيه في مداعبة الشارع الإسرائيلي الذي انحاز لليمين بغالبيته المطلقة، إضافة إلى تراجع الكابح الأميركي- الأوروبي- العربي في ظل الانشغال العالمي بالحرب على إيران ولبنان وإن في واقع هدنة هشة قابلة للانفجار في أي لحظة، مع أزمة اقتصادية عالمية تسببت بها هذه الحرب العدوانية.
يبدو الواقع متفقاً مع تشاؤمية رئيس الحكومة الفلسطينية، ولكن أزمة السلطة وقياداتها تنبع بالأساس من حصر خياراتها وسياساتها في مسار لا ثاني له وهي تمعن في الركون إلى عجزها أمام التغول الإسرائيلي المتصاعد، على الرغم أنها تملك أساس أكبر قوة في العالم، وهي مظلومية القضية الفلسطينية، والتي استعادت مكانتها التي كادت أن تخبو في ظل الربيع العربي، مكانة أصبحت تهز عروش العالم وتؤثر في سياسات كثير من الدول من البرازيل والمجر وإيطاليا حتى فرنسا وبريطانيا بل وأميركا نفسها، خاصة بعد الإبادة في غزة والتي أطلقت موجة تعاطف عالمي ما زالت أصداؤها تفعل فعلها حتى الآن.
تملك السلطة الفلسطينية إن أرادت ثلاثة مسارات تساعدها خلال هذه الشهور الستة العصية وما بعدها؛
أولها: مسار لا يخرجها من مربع التسويات ودول الاعتدال العربي الذي تتنفس عبره، إذ يمكنها عبر خطوات تكتيكية ميدانية أن تدفع الإسرائيلي إلى وقف جرائمه في الضفة وكبح مشاريعه الاستيطانية وإعادة أموال المقاصة، وهي خطوات تتصل أولاً بخطاب سياسي وإعلامي ضد الاحتلال حصراً مع كف هذا الخطاب عن أكل ذراع المقاومة في الضفة وغزة، ثم إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين، وفتح حوارات جدية مع جميع الفصائل الفلسطينية، وفتح كل سفاراتها في العالم لاحتضان الجاليات العربية والإسلامية والتحرك ضد الجرائم الإسرائيلية.
ويمكن لأجهزة أمن السلطة أن ترعى أهالي القرى التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين، رعاية ودعماً ومساعدة بشتى الطرق، وإن لم يكن بالسلاح أو القتال المباشر، ويكفي هذه الأجهزة أن تنشر مجموعات من عناصرها من دون اللباس العسكري، في كل القرى المحاذية للمستوطنات لتقدم الدعم والتأييد للشباب في سهرهم على ممتلكاتهم في وجه المخاطر المتعاظمة.
ثانياً: مسار تقديم السلطة لإنذار حقيقي برحيل رئيسها وحكومتها من الضفة إلى الخارج خلال فترة زمنية محددة وأخيرة، إن لم تتوقف الجرائم الإسرائيلية في الضفة وتتم إعادة أموال المقاصة، وفي حال عدم الوفاء يمكن لرئيس السلطة مثلاً أن يستنكف في إحدى الدول كروسيا أو قطر أو تركيا مثلاً، ليقود من هناك نشاطاً فاعلاً في استعادة منظمة التحرير وبعث دورها السياسي من جديد، مسار كهذا يمكنه أن يخلط الأوراق مع ما فيه من مخاطر، إلا أنه كفيل بتحريك المياه الراكدة والبحث السريع عن حلول جزئية، تساعد في تمرير هذا الشهور الستة بخسائر أقل وربما مع تفعيل أكبر لمظلومية القضية.
ثالثاً: وهو المسار الذي يقلب الطاولة تماماً، باستعادة حركة فتح لدورها النضالي القديم ولو في السياق السياسي والشعبي، ولكن بتغيير كامل خطها الراهن في حصر نفسها عبر مؤسسات السلطة بعد أن ثبت فشل هذا الخط، وتغيير كامل تحالفاتها السياسية بعد أن تخلى عنها هؤلاء جميعاً، وهو ما يكفل شهوراً ستة صعبة بالفعل ولكنها ستكون صعبة على الجميع، على الشعب الفلسطيني في كل أماكنه نعم، لكن أيضاً على "إسرائيل" وأميركا والعرب، بحيث يدفع الجميع فاتورة المعاناة الفلسطينية، وهذا المسار كفيل باستعادة الوحدة الفلسطينية وبعث مظلومية فلسطين عبر الفضاء العربي والإسلامي والأممي.
كانت المعاناة وستبقى رفيقة درب الفلسطيني، فمن سكن ساحلاً من سواحل بيت المقدس فهو في رباط إلى يوم القيامة، وفي كل رباط قبض على جمرة هذا الوطن، فهل بوسع الطيف الفلسطيني كله أن يغتنم الشهور الستة القادمة ليعاني وهو موحد يسهر مرابطاً على ثغره الباسم؟