انتهاء جولة المفاوضات في مسقط.. أي واقعٍ أمام إيران والولايات المتحدة؟
لغة "الكباش" الأمنية واللوجستية، بين طهران وواشنطن، لم تكن بهدف إلغاء التفاوض، بل لإيجاد طريقة ملائمة للدخول إليها مع فهم كل طرفٍ للطرف الآخر.. هل تنجح هذه اللغة في رسم حدود واضحة تمنع أي صدام، أم أن الأمور قد تخرج عن السيطرة؟
-
انتهاء جولة المفاوضات في مسقط.. أي واقعٍ أمام إيران والولايات المتحدة؟
لم تكن خطوة اقتراب طائرة "شاهد - 129" المسيّرة الإيرانية من حاملة الطائرات الأميركية في مياه بحر العرب، قبل أيام معدودة من انطلاق جولة المفاوضات الحاسمة بين واشنطن وطهران، مجرد حادثٍ عرضي تمليه ضرورة الرصد التقني، أو مناورة تكتيكية روتينية في بحر تتكدس فيه الآلة العسكرية الأميركية. بل كانت، في عمقها الاستراتيجي، تجسيداً عملياً وواقعياً لسياسة "حافة الهاوية" التي يتقن الطرفان الرقص عليها قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
تحليق "شاهد" في المجال الحيوي للقطع البحرية الأميركية الأكثر تطوراً، كان محاولة لفرض واقع ميداني يسبق اللغة الدبلوماسية. في تلك اللحظة الحرجة، جاء إعلان واشنطن عن إسقاط الطائرة ليوحي بأنها اعتبرت التحليق "عملاً هجومياً" متعمداً، وهو ما كان يفتح الباب على مصراعيه لرد أميركي باستهداف مركزٍ معيّن أو نقطة معيّنة تنزلق فيه الأمور إلى الحرب، خاصة لو كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب حينها تبحث عن "ذريعة للحرب" أو فرصة لتوجيه ضربة قاصمة لأهداف استراتيجية.
إلا أن الاكتفاء بالإعلان الأميركي عن الإسقاط، ومقابله الإعلان الإيراني بـ "إنجاز المهمة"، كشف عن رغبة ضمنية في عدم الانزلاق نحو الانفجار الشامل. هذا الصمت المتبادل بعد الحادثة كان الإشارة الأوضح إلى أن المسائل التقنية المعقدة، بما فيها الخلاف حول مكان التفاوض، باتت أقرب إلى الحل، رغم ضجيج التحريض الإعلامي والتهديدات الأميركية المبطنة بإلغاء المفاوضات إذا لم تتراجع طهران عن شروطها. وبالفعل، لم تتراجع طهران عن شروطها وعُقدت المباحثات في مسقط حيث أرادت. وقبلها بساعات، أظهرت مشاهد لمدينة صاروخية يوجد فيها صواريخ "خرمشهر 4" بالستي، فرط صوتي، ممكن أن تصل سرعته إلى 16 ماخ!
الانتقال إلى مسقط
يشي تجاوز الطرفين هذه "المطبّات"، وانتقال الوفود إلى سلطنة عمان لبدء مفاوضات تمحورت بشكل دقيق حول الملف النووي فقط، كما أصرّت طهران أيضاً، يشي بأن لغة "الكباش" الأمنية واللوجستية، ليست بهدف إلغاء التفاوض، بل لإيجاد طريقة ملائمة للدخول إليه مع فهم كل طرفٍ للطرف الآخر، وفي هذا الإطار، جاءت جولة مفاوضات مسقط في السادس من شباط/فبراير 2026 لتضع هذه الاستراتيجيات على المحك؛ حيث انتهى يوم الجمعة، بالاتفاق على مواصلة الحوار وتحديد موعد لجولة مقبلة.
من الجانب الإيراني، وصف وزير الخارجية عباس عراقتشي الأجواء بأنها "جيدة وجدية" وبأنها "بداية موفقة"، لكنه وضع الخطوط الحمر بوضوح، مؤكداً أن المفاوضات اقتصرت على الملف النووي، مع اشتراط "الامتناع عن التهديدات والضغوط" كضمانة للاستمرار، وهو ما يعكس رغبة طهران في تحويل الوقت السياسي إلى مكاسب اقتصادية وأمنية ملموسة. أيضاً، دخلت واشنطن الجولة بوفد ضم شخصيات مثل كوشنر وقائد "السنتكوم" إلى جانب ستيف ويتكوف، في محاولة لممارسة ضغط مزدوج، سياسي وعسكري، حيث لا يزال التركيز الأميركي منصباً على محاولة إقحام البرنامج البالستي والحضور الإقليمي في صلب التفاوض أو حتى على هامشه، وهو ما تجلى في مطالبات وزير الخارجية ماركو روبيو قبيل الاجتماع، بـ "تقديم تنازلات جوهرية مقابل أي تخفيف للضغط".
لذلك فإن المسار الدراماتيكي الذي سلكته حادثة المسيّرة وما تبعها من جلوس إلى الطاولة، يقودنا إلى استنتاج جوهري في بنية الصراع الأميركي – الإيراني، وهو أن الحرب أو المواجهة العسكرية، في هذا السياق المعقد، لا تُمثل غايةً بحد ذاتها أو رغبة في التدمير الكلي، بل تُصنّف كأداة "دبلوماسية خشنة" تهدف بالدرجة الأولى إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على الطرف الآخر. فالميدان هنا ليس منفصلاً عن السياسة، بل هو امتدادٌ لها حين تعجز الكلمات عن إحداث خرقٍ ما، أو حين تصبح المواجهة هي النتيجة الحتمية لتعثر العملية التفاوضية واصطدامها بالجدران المسدودة.
وبناءً على هذه الرؤية، يسقط الاعتقاد السائد بأن انطلاق مسار تفاوضي نشط يعني بالضرورة ركون الميدان إلى الهدوء أو تبريد الجبهات. على العكس تماماً، ففي علم إدارة الصراعات، غالباً ما تتصاعد وتيرة الضربات المتبادلة، وتزداد حدة الاستفزازات والاحتكاكات الأمنية في مناطق النفوذ كلما اقتربت لحظة الحسم الدبلوماسي. هذه التحركات، بعيداً عن صبغة العشوائية، هي "رسائل" مدروسة بعناية فائقة.
إن الهدف النهائي من هذا التصعيد المنضبط إن حصل، ممكن أن يأخذ اتجاه قياس "نقطة الانكسار" أو مستوى المرونة لدى الطرف الآخر، وتحديد المدى الذي يمكن أن يذهب إليه في التمسك بشروطه أو التخلي عن مواقفه المبدئية، قبل إغلاق الأبواب والبدء بصياغة المحاضر النهائية. هي باختصار عملية ترسيم حدود النفوذ بالنار، لضمان الحصول على أكبر قدر من المكاسب على طاولة المقايضات السياسية.
تثبيت المعادلة قبل التفاوض
لكن بعيداً عمّا هو متعارف عليه، تتجلى بوضوح ملامح الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الردع الشامل، وهي استراتيجية لا تقوم على توازن القوى التقليدي فحسب، بل على توازن الرعب وتوسيع رقعة الكلفة، ولا سيما أن الحرب الإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025 حصلت بالتزامن مع مباحثات كانت قائمة، وبين جولات كانت تحدث.
لقد نجحت طهران قبل بدء المفاوضات الحالية، في تثبيت معادلة ميدانية صارمة مفادها أن السيادة الإيرانية ليست ساحة للاختبار، أو الضغط خلال التفاوض، فكان التحذير الرسمي القاطع بأن "أي ضربة مباشرة، مهما كان حجمها أو مبررها، ستُعامل كإعلان حرب مفتوحة". هذه الصرامة لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل هي عقيدة أمنية تهدف إلى سلب الخصم "ميزة الضربة المحدودة".
وما يزيد من تعقيد الحسابات في غرف العمليات الأميركية، هو أن طهران أزالت الخطوط الفاصلة بين المواجهة المحدودة والحرب الكبرى. فوفقاً للرؤية الاستراتيجية التي طرحها قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، فإن شرارة أي احتكاك موضعي، ممكن أن تتحول إلى حرب، وهذه الحرب تمتلك ديناميكية التوسع الذاتي لتتحول في وقت قياسي إلى صراع إقليمي عابر للحدود، يستهدف جميع المصالح الأميركية. وليس بالضرورة المقصود هنا، الترابط العضوي بين حلفاء طهران الإقليميين، بل قدرة طهران وحدها على ضرب القواعد الأميركية في الإقليم، ومن ضمنها "إسرائيل" كما أعلن المعيّن حديثاً أميناً عاماً لمجلس الدفاع الأعلى علي شمخاني.
هذا الواقع الاستراتيجي وضع واشنطن أمام خيارات خطيرة، فاستخدام الضغط العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض، وهو التكتيك الأميركي المفضل تاريخياً، بات اليوم خياراً معطلاً أو على الأقل محفوفاً بمخاطر كبيرة، فواشنطن تدرك الآن أن ثمن الرسالة العسكرية الواحدة قد يكون حرباً إقليمية شاملة.
ما الذي تريده إيران؟
عند تشريح مسألة الجدية في هذه الجولات، فإن الفرضيات التي تتهم طهران بالمماطلة العبثية، أو تلك التي تصوّر واشنطن كطرف يستخدم الحوار مجرد غطاء لعدوان عسكري وشيك، تبدو قراءات مستبعدة في ظل المعطيات الراهنة. التفاوض والوقت يمثلان حالياً "تحالفاً" يخدم المصالح الإيرانية العليا، إذ لا تتحرك طهران في الرواق الدبلوماسي لمجرد كسب الأيام، بل لترتيب البيت الداخلي وإعادة تحصين الجبهة الشعبية.
لقد أدرك صانع القرار في طهران أن استقرار النظام وقوته التفاوضية ينبعان من الداخل أولاً، لذا فإن السقف الوطني الذي يرتضيه النظام، وتلتقي عنده تطلعات الفئات الشعبية وحتى أطياف واسعة من المعارضة التي ينهكها التضخم، هو الوصول إلى تسوية براغماتية للملف النووي تفضي إلى كسر طوق العقوبات الاقتصادية. ورفع العقوبات هنا، ليس مجرد مطلب مالي، بل هو ضرورة حيوية لتعزيز الشرعية الشعبية وسحب بساط التوتر الاجتماعي الذي تراهن عليه القوى الخارجية.
إضافة إلى ذلك، يبرز عامل الوقت كعنصر حاسم في العقيدة الأمنية الإيرانية لتأخير أي اصطدام عسكري مباشر قدر المستطاع، خاصة بعد الهزات الأخيرة التي كشفت عن ثغرات أمنية استوجبت إعادة تقييم شاملة. تسعى طهران في هذه المساحة الزمنية إلى إحكام قبضتها على التنظيمات المسلحة المناوئة للنظام، وقطع الطريق على أي محاولات لتنسيق تحركات هذه المجموعات مع أجندات خارجية في حال وقوع عدوان مفاجئ. إنها عملية سباق مع الزمن لترميم التصدعات الداخلية، ولا سيما بعد الأحداث الأخيرة في كانون الثاني/يناير الماضي، وضمان أن يكون الأمن القومي الإيراني في أقصى درجات جاهزيته، بما يتناسب مع حجم التهديدات الوجودية التي تلوح في الأفق.
التعقيدات بالنسبة لواشنطن
في الجهة المقابلة، تبدو الصورة في واشنطن أكثر تعقيداً، إذ تدخل الولايات المتحدة هذه المفاوضات وهي تدرك تماماً أن خيار الحرب لم يعد النزهة التي يروجها الصقور في واشنطن، رغم كل مظاهر الحشد العسكري المتزامن في المنطقة. الهدف الأميركي الجوهري هو محاولة انتزاع تنازلات سيادية وجوهرية من طهران عبر ممارسة ضغوط قصوى، استناداً إلى ما تراه واشنطن "أرباحاً" حققتها في السنوات الأخيرة في المنطقة، إلا أن هذا التوجه يصطدم بواقع خلّفته حرب الأيام الاثني عشر، والتي وضعت صانع القرار الأميركي أمام مأزق لا يمكن تجاوزه.
يكمن التناقض الصارخ في أن واشنطن تجلس اليوم للتفاوض حول "الملف النووي ذاته" الذي سبق أن روّجت آلتها الإعلامية والاستخبارية ومن أعلى سلطة في البيت الأبيض، قصة تدميره أو تحييده، عبر ضربات عسكرية قيل حينها إنها أتمّت ما بدأته "إسرائيل". والأدهى من ذلك، هو الإصرار الأميركي على إدراج "البرنامج البالستي" كبندٍ إلزامي على الطاولة، وهو الموقف الذي ينسف الرواية الإسرائيلية السابقة التي أكدت مراراً نجاحها في إضعاف هذه القدرات أو تحييدها وتقييدها أيضاً، خلال الحرب الأخيرة.
من هنا، يتضح أن الموقف الأميركي الحالي، المتداخل بين لغة التهديد بالحرب والجلوس للتفاوض، هو موقف "مهتز" استراتيجياً؛ كونه لا يستند إلى تجربة حرب ناجحة أو إنجاز ميداني ملموس حقق الأهداف التي يطالب بها الآن. فلو كانت الضربات السابقة قد حققت غاياتها فعلاً، لما وجدت واشنطن نفسها مضطرة للتفاوض على ملفات يُفترض أنها حُسمت عسكرياً، أو التهديد بحرب عسكرية في حال لم تأخذ بالمفاوضات ما تريده.
"تجربة المجرَّب"!
في المحصلة، يبدو أن الطرفين لا يميلان إلى تحويل المفاوضات الحالية إلى مواجهة عسكرية شاملة ومباشرة في الوقت الراهن، فكلاهما يدرك أن كلفة الانفجار كبيرة ومعقدة في بيئة إقليمية منفجرة أصلاً. ومع ذلك، يظل فتيل الصراع قابلاً للاشتعال في أي لحظة، إذ يبقى الاحتمال قائماً بأن تنحاز واشنطن، تحت ضغط حسابات جيوسياسية جديدة أو تقديرات استخبارية، إلى خيار "تجربة المجرَّب"، مراهنةً بمعطيات مستحدثة على أدوات الضغط العسكرية. وفي المقابل، تبعث طهران برسالة مفادها أنها تمتلك اليوم من أوراق القوة ما يمنحها القدرة على تقديم تجربة غير مجرّبة، لم يعهدها الخصم في مواجهاته السابقة، سواء من حيث نوعية الرد أو اتساع رقعته الجغرافية.