الولايات المتحدة وفنزويلا: النفط في صلب القرار "الجيواقتصادي"
الحفاظ على القوة الاقتصادية الأميركية وتعزيز السيطرة على مفاصل السوق يفرضان، من وجهة نظر صانعي القرار في واشنطن، إعادة رسم شبكة الحلفاء الاقتصاديين، وتعزيز أوراق الضغط في مواجهة المنافسين والخصوم.
-
معادلة النفط الأميركية.
أعاد التدخّل الأميركي المباشر في فنزويلا، وما رافقه من اعتقال رئيس البلاد، فتح النقاش حول الخلفيّة التي تنطلق منها السياسة الأميركية في تدخّلها المباشر وغير المباشر في شؤون الدول ومصادرة قرارها السيادي، ولا سيما فيما يتعلّق بدور الأجندات الاقتصادية في توجيه هذا السلوك.
وتذهب قطاعات واسعة من الحكومات والنخب السياسية والرأي العامّ إلى أنّ ما قامت به الإدارة الأميركية لا يمكن تفسيره بمعزل عن الرغبة في السيطرة على الاحتياطيات النفطية الفنزويلية، في ظلّ غياب مبرّرات أخرى كافية تفسّر معالجة واشنطن لخلافها مع كراكاس بهذه الطريقة، التي ينظر إليها كثيرون بوصفها انتهاكاً مباشراً لسيادة دولة مستقلة.
في المقابل، يقلّل بعض المراقبين من مركزية العامل النفطي في هذا الحدث، مستندين إلى الموقع المتقدّم الذي تحتله الولايات المتحدة من حيث حجم الإنتاج النفطي اليومي، وإلى تدخّلها في مناطق أخرى من العالم لا تتمتّع دائماً بجدوى اقتصادية مباشرة تبرّر إقامة قواعد عسكرية أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية واسعة النطاق.
لا شكّ في أنّ الولايات المتحدة تحجز لنفسها موقعاً متقدّماً بين الدول المنتجة للنفط، كما أنّ تدخّلاتها الخارجية خلال العقود الماضية لم تكن دوماً مدفوعة باعتبارات اقتصادية صرفة. غير أنّ هذا المعطى، على أهميته، لا يصلح لتفسير جميع حالات التدخّل الأميركي قديماً وحديثاً، ويفتح الباب أمام البحث في الحالات التي يتداخل فيها العامل الاقتصادي، ولا سيما النفطي، مع أدوات القوة الصلبة والسياسة الخارجية.
معادلة النفط الأميركية
منذ سنوات، تبرز في أوساط خبراء الطاقة نظرية مفادها أنّ عدد الشركات العالمية العاملة في مجالات الاستكشاف والتنقيب وإنتاج النفط يشهد توسّعاً مستمراً، الأمر الذي أدّى إلى تصاعد حدة المنافسة على الحصص الإنتاجية والأسواق العالمية. وفي هذا السياق، ورغم ما تتمتّع به الشركات النفطية الأميركية من ملاءة مالية وتفوّق تقني، فإنّ شركات أوروبية وآسيوية، إضافة إلى الشركات الوطنية في الدول المنتجة، نجحت في تعزيز مواقعها وتوسيع نفوذها.
هذا الواقع دفع كبرى الشركات النفطية الأميركية إلى ممارسة ضغوط متزايدة على الإدارات الأميركية المتعاقبة بهدف تحصين حصتها في الإنتاج والتجارة النفطية العالمية، وهو ما انعكس في بعض الحالات على خيارات السياسة الخارجية الأميركية. غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة اختزال التدخّلات العسكرية أو السياسية الأميركية بعامل واحد، بقدر ما يشير إلى تداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية.
وإذا ما عدنا إلى أحدث التقارير النفطية الدولية، يتبيّن أنّ واردات الولايات المتحدة من النفط الخام خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر ارتفعت لتصل إلى نحو 5.9 ملايين برميل يومياً، في حين تراجعت صادراتها من الخام إلى نحو 3.5 ملايين برميل يومياً. في المقابل، سجّلت صادرات المنتجات النفطية المكررة ارتفاعاً لتبلغ نحو 7.4 ملايين برميل يومياً، مقابل واردات بحدود 1.6 مليون برميل يومياً.
تعكس هذه الأرقام عجزاً في ميزان تجارة النفط الخام، ضمن نموذج اقتصادي أوسع تقوم فيه الولايات المتحدة بتعويض هذا العجز بفائض كبير في تجارة المنتجات النفطية المكرّرة. ويؤكّد هذا النموذج الدور المتنامي للولايات المتحدة كمركز عالمي للتكرير وإعادة التصدير، وهو دور يفترض بالضرورة توافر إمدادات مستقرة ومنتظمة من النفط الخام بالمواصفات المناسبة للمصافي الأميركية.
انطلاقاً من ذلك، يمكن استخلاص جملة من الاستنتاجات. أوّلها، أنّ استمرار حجم واردات النفط الخام يعكس حاجة تشغيلية واستراتيجية، سواء لإعادة التكرير والتصدير، أو لتغطية الطلب المحلي. وهو ما يعزّز فرضيّة سعي الولايات المتحدة إلى ضمان تدفّق منتظم ومتعدّد المصادر للنفط الخام، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالنزاعات الدولية والإقليمية. أما الاستنتاج الثاني، فيتعلّق بأهمية الصادرات الأميركية الكبيرة من المنتجات النفطية، والتي يتطلّب الحفاظ عليها أو زيادتها تأمين سلسلة توريد خام مستقرة ومناسبة تقنياً.
في هذا السياق، يمكن قراءة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول النفط الفنزويلي بوصفها تعبيراً سياسياً عن هذا التوجّه، أكثر من كونها توصيفاً رقمياً مباشراً لحجم المكاسب النفطية الآنية. ويأتي ذلك امتداداً لتاريخ طويل من الحضور الأميركي في مناطق الإنتاج النفطي الكبرى، بدءاً من دول الخليج، مروراً بالعراق بعد غزوه، وصولاً إلى حالات أخرى سعت فيها واشنطن إلى حماية أو إعادة تنظيم قطاع الطاقة بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية، كما في بعض الاتفاقيات الاقتصادية المرتبطة بالموارد الطبيعية.
خريطة اقتصادية جديدة
يبدو أنّ الأجندة الاقتصادية في السياسة الخارجية الأميركية باتت أكثر وضوحاً في عهد الرئيس دونالد ترامب، القادم من عالم الأعمال، حيث جرى توظيف أدوات القوة بصورة أكثر مباشرة لحماية المصالح الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يرجّح أن يشهد العالم خلال ما تبقّى من ولاية ترامب مروحة أوسع من الضغوط والتدخّلات الأميركية، بعضها يتجاوز الأطر التقليدية للعمل الدبلوماسي والقانوني.
وفي ضوء التطوّرات في فنزويلا، يمكن تصوّر أكثر من سيناريو تعمل عليه الإدارة الأميركية. يتمثّل السيناريو الأول في مواصلة محاولة إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي في أميركا اللاتينية، ولا سيما في الدول المنتجة للنفط أو تلك التي تتبنّى سياسات مناهضة للنفوذ الأميركي. إذ يبدو أنّ ترامب يسعى نحو إعادة تشكيل القارة الأميركية بشقّيها الشمالي والجنوبي أسوة بمشروع نتنياهو خلق شرق أوسط جديد، بحيث تدخل القارة كلّها في العصر الأميركي.
أما السيناريو الثاني، فيكمن في ترسيخ قواعد جديدة للتعامل مع الملفات الدولية الكبرى، بما في ذلك قضايا الطاقة والصراعات الدولية، بما يعكس استعداداً لاستخدام أدوات أكثر خشونة في إدارة المصالح. وعليه فإنه ليس هناك سقف للتوقّعات حيال مقاربة إدارة ترامب لتطوّرات الحرب الروسية-الأوكرانية، العلاقة مع الصين، حركات المقاومة في لبنان والعراق واليمن... وغيرها
إنّ الحفاظ على القوة الاقتصادية الأميركية وتعزيز السيطرة على مفاصل السوق الدولية يفرضان، من وجهة نظر صانعي القرار في واشنطن، إعادة رسم شبكة الحلفاء والشركاء الاقتصاديين، وتعزيز أوراق الضغط في مواجهة المنافسين والخصوم، سعياً إلى تقليل المخاطر المستقبلية والتحكّم بمسارات التطوّر غير المتوقّعة في النظام الدولي.