المشرق والمشرقية ولعنة التاريخ والجغرافيا (2-2)

أكثر من تضرّر وتأذّى من "إسرائيل" هم شعوب وبلدان ودول المشرق العربي، ومن بينها دول المواجهة، أو دول الطوق.

0:00
  • المشرق العربي والتشتّت والتفتّت الداخليّين.
    المشرق العربي والتشتّت والتفتّت الداخليّين.

هناك أسئلة أو تساؤلات، ربما تصعب الإجابة عنها أو الردّ عليها. وقد يتجاوز ويتخطّى ذلك حدود القدرة على الإدراك أو الوعي الإدراكي، نظراً لجسامة وفظاعة التحوّلات والتبدّلات التراجيدية، الراديكالية والدراماتيكية. فهل نبقى في حيّز لبنان الكبير، أم نعود إلى خانة لبنان الصغير، أم ربما يتمّ ضمّه إلى سوريا أو إلحاقه بها؟ هل تبقى سوريا أيضاً كما هي على حالها؟ ثم ماذا بقي من فلسطين والمشروع المزمع للدولة الموعودة فيها؟ وماذا عن الأردن والعراق؟ ماذا حلّ بهذا المشرق ولماذا؟

المشرق العربي والكيان الإسرائيلي

ربما علينا التركيز، في البداية، على أنّ موقع هذا الكيان الإسرائيلي إنما هو في قلب المشرق العربي بالتحديد، لا المغرب العربي، ولا الجزيرة العربية، ولا حتى الخليج. ووجود هذا الكيان وبقاؤه على قيد الحياة في هذه المنطقة هما من أهم وأبرز الأسباب للتوتر، الاضطراب وعدم الاستقرار، الأمني والسياسي، ليس فقط بداخل فلسطين المحتلة، بل وعلى امتداد إقليم المشرق، من البحر الأبيض المتوسط غرباً، حتى الخليج شرقاً. 

وقد يكون من بين الأسباب التي تكمن في خلفيّة وجود "إسرائيل" واستمرارها، وفي أساسهما، أنها يمكنها أن تضطلع بمثل هذا الدور الوظيفي بتقويض الوحدة السياسية والاجتماعية لإقليم المنطقة الجغرافي والديموغرافي، إن كان للمنطقة العربية على وجه العموم، أو كان للمنطقة المشرقية على وجه الخصوص. 

المشرق العربي والصراعات الدولية والإقليمية

مما تقدّم أعلاه، يمكننا القول إنّ أكثر من تضرّر وتأذّى من "إسرائيل" هم شعوب وبلدان ودول المشرق العربي، ومن بينها دول المواجهة، أو دول الطوق؛ وهي كلّ من: لبنان وسوريا والأردن، إضافة إلى فلسطين المحتلة بطبيعة الحال، أو ما تبقّى منها. 

لذلك، كانت هذه الدول والبلدان والشعوب فيها معنية أكثر من سواها في العالمين العربي والإسلامي بالتعامل والتعاطي والتفاعل مع مسألة وجود وبقاء "إسرائيل"، كذلك وقوف الغرب برمّته معها وخلفها، من المملكة المتحدة بالدرجة الأولى سابقاً، ثم الولايات المتحدة الأميركية بالمرتبة الأولى لاحقاً وراهناً، إلى عموم القوى الغربية بالدرجة/المرتبة الثانية. 

وشهدت المنطقة ـــــ المقصود إقليم المشرق العربي على ضفة الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ـــــ المزيد من الحروب، الصراعات العسكرية والنزاعات المسلحة، ولأسباب عديدة: جيوسياسية، جيوبوليتيكية، جيواستراتيجية، جيواقتصادية، جعلتها على صفيح ساخن، بحالة من الغليان المتواصل إلى حدّ الانفجار المتكرّر، وعلى شفير الهاوية.

المشرق العربي والمشروعات الإقليمية

لقد جعلت هذه الصراعات الدولية والإقليمية في المشرق العربي، وعليه أيضاً، من هذا الإقليم الجغرافي ساحة لتصفية الحسابات وتقاسم النفوذ على خارطة المنطقة والعالم في وقت مبكر جدًاً. وجاءت المشاريع الإقليمية لتفاقم التموضعات، الاصطفافات، التحالفات، التمايزات، التباينات، التناقضات والانقسامات، ولا سيما أربعة مشاريع، أو لنقل ثلاثة فقط، إذا ما استبعدنا أو أقصينا المشروع العربي الإقليمي، الوحدوي أو الاتحادي، مع تراجع تيار المدّ القومي العربي، ومن ثمّ انبجاس واندثار الفكرة القومية العربية. 

فالمشاريع الإقليمية الثلاثة التي تتنافس، تتسابق، تتصارع وتتضارب، مؤخراً وراهناً، على المشرق العربي، بين لبنان، سوريا، فلسطين، الأردن والعراق، هي: الإسرائيلي/الصهيوني أولاً، والتركي ثانياً، والإيراني ثالثاً، بعيداً من التسميات الشعبوية والشوفينية، مثل المشروعين العثماني والفارسي، وسواهما من المسمّيات التاريخية.

المشرق العربي والتشتّت والتفتّت الداخليّين

يُضاف إلى كلّ ما سبق أعلاه، من الصراعات العالمية إلى صعود المشاريع الإقليمية، وبينهما ومعهما الكيان الإسرائيلي، حالة التشتّت والتفتت الداخليّين في المشرق العربي بالتحديد، وعدم القدرة على المبادرة أو استعادة زمام المبادرة لإطلاق مشروع إقليمي للتعاون والتضامن والتكامل بالأمن والاقتصاد والتجارة والتنمية والتكنولوجيا، على غرار العديد من التجارب الإقليمية، من مثل النموذج الخليجي أو النموذج الأوروبي. 

وبالنظر إلى تردّي وتدهور الظروف والأوضاع والأحوال عامّة، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، في بلدان المشرق، من لبنان وسوريا، مروراً بالأردن، وصولاً إلى العراق، ومع غياب الرؤية الاستراتيجية الجديدة والمتجدّدة، وانعدام الوزن العالمي والإقليمي، والاستباحة من كلّ حدب وصوب، ناهيك عن تجذّر وترسّخ العصبيات والنعرات الرجعية، الفئوية والجهوية بين النخب وعامّة الناس.

قد لا تبدو حالة المشرق العربي صحيّة البتة، ولا هي حتى سوية. هو يعاني من العديد بل الكثير من الأزمات المستشرية والمستفحلة، ومن بينها تلك البنيوية أو ذات الصلة بقضايا الانتماء والهوية. كذلك هي أيضاً بلدانه وشعوبه، كلّ منهما على حدة. لقد بات المشرق أبعد ما يكون عن المشرقية، كنموذج جديد ومتجدّد للحداثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ولكنه بأمسّ الحاجة الملحّة إلى مثل هذه الفكرة أو النظرية أو الأطروحة، أو شيء من هذا القبيل للخروج من حالة التيه.