المرحلة الثانية من خطة ترامب.. إنهاء حرب أم إعادة هندسة لغزة جديدة؟
لا يمكن النظر إلى إعلان ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب على أنها مرحلة المعجزات كما تروج الإدارة الأميركية، بل إنها مشروع لإعادة صياغة وضبط قطاع غزة وفق رؤية اسرائيلية أميركية.
-
الإدارة الأميركية ما زالت تتجاهل جوهر وجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب لوقف الحرب على قطاع غزة، وإعلان تشكيل لجنة تكنوقراط انتقالية لإدارة الأوضاع في غزة، ليس إعلاناً بروتوكولياً شكلياً، بقدر ما يشكل انتقالاً من مرحلة مهمة عنوانها إدارة الصراع إلى مرحلة أهم، عنوانها إعادة هندسة الصراع، وتمثل هذه المرحلة انتقالاً واضحاً في طبيعة المقاربة الدولية تجاه قطاع غزة، عنوانها محاولة إعادة هندسة الواقع السياسي و الأمني من جديد.
انتهت المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي اتسمت بطابع تكتيكي هدف إلى إيجاد معالجات سريعة لبعض القضايا، التي تسببت بها حرب الإبادة الجماعية وسياسة التجويع، التي تعرّض لها الفلسطينيون في غزة، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة ذات طابع استراتيجي بامتياز، تسعى لتحقيق تغيير جذري في عنوانين رئيسيين، الأول شكل الحكم، والثاني قضية نزع السلاح، التي ما زالت محل خلاف بين المقاومة الفلسطينية والأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.
مع الإيذان بدخول المرحلة الثانية رسمياً، لم يعد الحديث عن الواقع في قطاع غزة مجرد تثبيت وقف إطلاق النار، بل يلامس هذا الإعلان قضايا مهمة تتعلق بالإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط، ليست حزبية أو ذات صبغة سياسية من حركتي حماس أو فتح ، و إنما هي لجنة من خبراء التكنوقراط لإدارة مرحلة انتقالية تدير فيها قطاع غزة وفق رؤية جديدة.
تحاول الإدارة الأميركية مع بدء هذه المرحلة الانتقال من التعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كقضية استراتيجية، إلى معالجة نتائج وآثار حرب الإبادة الجماعية التي قامت بها "إسرائيل"، ولكن من وجهة نظر أميركية إسرائيلية خالصة، وهذا ما عبّر عنه ويتكوف في بيانه الذي صدر مع الإعلان ببدء المرحلة الثانية، وتركيزه الكبير على مسألة نزع السلاح فقط، من دون التركيز على جذور المشكلة، وهذا يُقرأ أن هناك رؤية ورغبة أميركية لإنهاء نموذج غزة المقاومة إلى نموذج غزة الجديدة منزوعة السلاح، والتي لا تمتلك أياً من أدوات القوة أو الردع الذي راكمته عبر سنوات طويلة، ولا حتى قرار الإمساك بزمام المواجهة في أي مرحلة مقبلة من مراحل الصراع الذي لم ينتهِ.
أما التركيز الصريح والواضح في قضية نزع سلاح المقاومة، فهذا بتقديري أخطر بند في المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، وسيكون جوهر الصدام المقبل وعنواناً أساسياً لها، فهو بند لا يتوقف عند وقف إطلاق النار فحسب ، بل يستهدف في الأساس تفكيك بنية المقاومة الفلسطينية من أنفاق وسلاح ثقيل، لا لحماس وحدها، بل لكل فصائل المقاومة الفلسطينية.
هذه قضية ليست هامشية أو ثانوية، وهي قضية مرتبطة بشكل مباشر بثلاثة مستويات أساسية، بدءاً من قضية مفهوم المقاومة وحمل السلاح في الوعي الجمعي الفلسطيني، الذي يرى في قضية السلاح ضمانة بقاء وصمود لا مجرد أداة ردع، وأن المقاومة هي بنية اجتماعية سياسية متجذرة في عقل المجتمع الفلسطيني بشكل أساسي، ثم علاقة قضية السلاح في التوازنات الداخلية الفلسطينية، حيث يشكل عنصر قوة وتأثيراً سياسياً في المشهدية الفلسطينية، والعلاقة الأهم التي تلامس هذه القضية وعلاقاتها بالحسابات الإقليمية التي تنظر إلى قطاع غزة كجزء من معادلة الردع الأوسع في المنطقة.
وبالتالي هذا ما سيزيد التساؤل حول احتمالية أن تفتح هذه القضية الباب أمام صدام سياسي وربما أمني مع "إسرائيل" أو الولايات المتحدة من جديد، أم سيتواصل تثبيت وقف إطلاق النار إلى حالة دائمة، عنوانها نهاية الحرب وفق ترتيبات ترضي جميع الأطراف؟
في تقديري، المقاومة الفلسطينية ستتعامل مع هذا الملف تحديداً بوصفه جوهر الصراع في المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب، وتعده خطاً أحمر غير قابل للتنازل، بحكمة ومسؤولية كبيرة وستدير حالة الرفض بصيغة سياسية هادئة لا صدامية في بدايته، والمقاومة الفلسطينية تدرك ألّا تصل إلى لحظة الانجرار إلى مواجهة جديدة مبكرة، وستعمل على تفكيك هذه القضية سياسياً عبر ربط أي نقاش حول السلاح بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ورفع الحصار وتوفير ضمانات دولية حقيقية لذلك، وهي شروط غير متوافرة حالياً في المعادلة القائمة، ومن وجهة أخرى، ستشدد على أهمية ضبط المشهد الأمني الداخلي بصيغة جديدة، مع لجنة التكنوقراط التي ستحكم غزة فترة انتقالية ، ولكن من دون المساس بجوهر السلاح وشرعيته، كما أنها ستتعامل مع قضية الإعمار بعيداً عن لغة الابتزاز السياسي وربط الموضوعات بعضها ببعض، باعتبار أن قضية الإغاثة والإعمار حق إنساني غير قابل للمساومة والابتزاز.
السيناريو الأسوأ في هذه القضية ، هو أن تصل الأمور إلى أن يتحول هذا الملف إلى صراع فلسطيني داخلي، في حال جرى استهداف بنية المقاومة العسكرية أو اللجوء إلى خيار نزع السلاح قسرياً بالقوة بدعم وإسناد قوى خارجية ، في حال وقوع هذا السيناريو، فلن يكون أمام المقاومة إلا اعتماد استراتيجية النفس الطويل والمناورة الزمنية، مع الاحتفاظ بالسلاح كخيار أخير لا كأداة مواجهة، أولى في مرحلة تُدار فيها المعركة سياسياً أكثر مما تُحسم ميدانياً.
لجنة التكنوقراط التي شُكلت، هي بمنزلة سلطة حكم وظيفي، ذات طابع خدمي، ومهامها ستتمحور حول ضبط الأمن والعمل الحكومي والإغاثة والإعمار، من دون أي طابع سياسي فلسطيني، ومن دون امتلاك أي مشروع سياسي يمكن الحديث عنه، ومثل هذه الصيغة تبدو مقبولة ومرغوبة لدى الإدارة الأميركية والأطراف الدولية ، أي بمعنى أدق، سلطة بلا سيادة أو تمثيل سياسي فلسطيني، بهذه المعادلة ستقزم قضية غزة وسيتم التعامل معها من ملف سياسي ذات بعد وطني إلى ملف إنساني أمني بامتياز.
قضية الاعمار ، ستشكل إحدى أدوات الضغط والابتزاز، وستعمل "إسرائيل" والأطراف الدولية على ربط إعادة الإعمار بنزع السلاح، ومثل هذا السيناريو يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة ومعقدة بل وقسرية، عنوانها الإعمار مقابل الأمن، وهي معادلة تحول الاحتياجات الإنسانية إلى وسيلة ابتزاز سياسي، وتفرغ مفهوم الإعمار من بعده كحق إنساني خالص، ليصبح أداة لإعادة تشكيل السلوك السياسي والاجتماعي بدلاً من أن يكون مدخلاً للاستقرار.
لعل أخطر ما في إعلان ويتكوف هو تغييب الإرادة الفلسطينية، حتى لو أصدرت الأطياف السياسية الفلسطينية مواقف مرحبة بتشكيل لجنة تكنوقراط، إلا أن الواقع على الأرض سيكون مغايراً تماماً ، فما أفرزته تلك اللجنة يعد تجاوزا غير معهود في الحالة الوطنية الفلسطينية، يهدد بإعادة إنتاج الانقسام من جديد، ولكن بصيغة جديدة، أو خلق حالة من الصراع الداخلي المؤجل تحت ضغط ترتيبات خارجية.
من الناحية الواقعية، تبدو فرص نجاح تنفيذ المرحلة الثانية محدودة من دون توافق فلسطيني وإقليمي واسعين، وأمام هذا الغياب لن يكون أمام الأطراف سوى اللجوء إلى ممارسة أدوات الضغط بين الحين والآخر، سواء عبر الضغط الاقتصادي، أو تقنين دخول المساعدات الإنسانية، أو الخيار الصعب والمتمثل بالتلويح بالتصعيد الأمني مجدداً، وهذا ما سيجعل الاتفاق هشاً ومؤقتاً طالما لم تتوفر حلول جذرية لأساس المشكلة.
في نهاية المطاف ، لا يمكن النظر إلى إعلان ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب على أنها مرحلة المعجزات أو بوصفها خطة سلام كما تروج الإدارة الأميركية، بل إنها مشروع لإعادة صياغة وضبط قطاع غزة أمنياً وسياسياً وفق رؤية إسرائيلية أميركية، تستخدم من جهة خبراء التكنوقراط والإعمار كغطاء، ونزع السلاح كهدف استراتيجي أساسي من جهة أخرى.
وهنا تكمن المشكلة الرئيسية في أن الإدارة الأميركية ما زالت تتجاهل جوهر وجذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في عدم إيجاد حل جذري يمنح الفلسطينيين حقوقهم باستعادة أرضهم ونيل حريتهم وانعتاقهم من الاحتلال، وتقوم بتحويل الحقوق إلى شروط واشتراطات، كلها عوامل تنذر بأن هذه المرحلة، بدلاً من أن تنهي هذا الصراع وتعيد الحقوق للفلسطينيين، قد تؤسس لشكل جديد منه سيكون أشد و أكثر تعقيداً، ولن يكون محصوراً وقتها في قطاع غزة جغرافياً بل سيطال أمن واستقرار المنطقة بأسرها.