العدوان الأميركي على إيران: جدلية الشرعية، الكلفة، والاستقطاب

هل يخدم التصعيد العسكري مصلحة استراتيجية بعيدة المدى، أم يندرج ضمن إدارة ظرفية للأزمة؟ وهل ينسجم مع الوعود الانتخابية، أم يعيد إنتاج نمط من الانخراط الذي سعت قطاعات واسعة من الناخبين إلى تجاوزه؟

0:00
  •  سؤال
    سؤال "لماذا أشعلت الحرب؟" لا ينفصل عن بنية النظام السياسي الأميركي.

حين تطرح نيويورك تايمز في افتتاحيتها يوم الـ28 من شباط/فبراير سؤالاً من قبيل: "لماذا أشعلت هذه الحرب يا سيادة الرئيس؟"، فإن الأمر يتجاوز مساحة النقد الظرفي لقرار العدوان على إيران ليطال بنية القرار الاستراتيجي في الولايات المتحدة برمّتها، ذلك أنّ سؤالاً كهذا، في سياق إدارة مثل إدارة دونالد ترامب، يبعث جدلاً لم يحسم بعد داخل الولايات المتحدة حول الشرعية الدستورية لإعلان الحرب، وحول كلفة انخراطها العسكري، وحول العلاقة الدقيقة بين الحسابات الانتخابية ومتطلبات السياسة الخارجية.

جدلية صلاحيات الحرب بين الكونغرس والرئاسة في النظام الدستوري الأميركي

دستورياً، يشكّل توزيع الصلاحيات في النظام الأميركي منصّة ارتكاز أولية لفهم بواعث هذا الجدل؛ إذ ينصّ دستور 1787 على أنّ الكونغرس هو من يملك سلطة إعلان الحرب، وهو ما طبق 11 مرة فقط منذ إقرار الدستور الأميركي، كان آخرها عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، في حين يُعدّ الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ثمّ جاءت تجربة حرب فيتنام (1955–1975) المريرة، التي قُتل فيها أكثر من 58 ألف جندي أميركي، لتدفع الكونغرس إلى البحث عن الحدّ من التوسّع في صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية من دون رقابة تشريعية. ونتيجة لذلك سُنّ "قانون صلاحيات الحرب" عام 1973 بأغلبية دستورية تجاوزت فيتو الرئيس الأميركي آنذاك ريتشارد نيكسون. بموجب هذا القانون، أُلزم الرئيس بإبلاغ السلطة التشريعية خلال 48 ساعة من أيّ استخدام للقوة، مع تحديد سقف زمني قدره 60 يوماً، قابلة للتمديد 30 يوماً إضافية إذا كان ذلك ضرورياً لانسحاب آمن ومنظّم للقوات ــ لأيّ عملية عسكرية من دون تفويض تشريعي صريح. 

غير أنّ الممارسة السياسية منذ سبعينيات القرن الماضي أبانت عن جدل دستوري أثاره تطبيق هذا القانون، بعد أن اعتبره عدد من الرؤساء اللاحقين مساساً بصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبسببه ظهر ميل لدى السلطة التنفيذية إلى توسيع هامش التأويل و"التملّص" من خلال تسمية العمليات العسكرية بالعمليات "المحدودة" أو "الدفاعية" أو "الوقائية"، على نحوٍ يُجنّب الرئيس الإعلان الرسمي للحرب وخرق القانون استتباعاً. فمنذ صدور القانون عام 1973 حتى اليوم، لجأ الرؤساء الأميركيون إلى استخدام القوة العسكرية خارجياً أكثر من 200 مرة من دون إعلان حرب رسمي، وفق تقارير مكتبة الكونغرس. 

ضمن هذا التصوّر، يصبح سؤال نيويورك تايمز سؤالاً مؤسّسياً قبل كل شيء: هل جرى احترام مقتضيات قانون 1973؟ وهل حظي القرار العسكري بتفويض تشريعي واضح؟ أم جرى الاكتفاء بإخطار لاحق يكرّس أسبقية السلطة التنفيذية؟ ومن المؤكد أن الجدل الذي ستثيره هذه الأسئلة يتصل بجوهر التوازن بين السلطات الذي مسّ بقرار ترامب، وبحدود الدور الرئاسي في إدارة الأزمات الدولية.

الكلف الداخلية للحرب: ندوب في الذاكرة الأميركية

أما من زاوية الكلفة الداخلية، فإن مساءلة نيويورك تايمز لقرار العدوان الأميركي على إيران هي استدعاء موارب لتجارب حديثة لا تزال ندوبها حاضرة في الوعي العام الأميركي.

فغزو العراق في 20 آذار/ مارس 2003، قاد إلى حرب طويلة لم تتوقف رسمياً إلا في 18 ديسمبر 2011 كلفت الخزانة الأميركية ما بين 2 و3 تريليونات دولار وفق الدراسة الشهيرة لجامعة براون "تكاليف الحرب"، ناهيك عن مقتل 4431 جندياً أميركياً وإصابة 31994 آخرين.

كما أن الانسحاب من أفغانستان في 30 أغسطس 2021 الذي أغلق فصلاً استمر 30 عاماً كلف أميركا 2.3 تريليون دولار وأودى بحياة أكثر من 2000 من جنودها، هو من الأحداث التي تستذكر حين يعاد إلى الواجهة سؤال جدوى الحروب الممتدة، وحدود القدرة الأميركية على إعادة تشكيل البيئات السياسية بالقوة العسكرية!

في ضوء هذه الذاكرة الجمعية المثقلة بمآسي الماضي، من المؤكد أن قرار الحرب على إيران سيُستقبل باعتباره تهديداً مباشراً لتوازنات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة، لما ينطوي عليه من احتمالات اضطراب فوري في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره قرابة 21 مليون برميل من النفط يوميا، أي ما يقارب خمس التجارة النفطية العالمية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لعام 2023. ولا يقتصر الأمر على مخاطر تعثّر الإمدادات، وإنما يمتدّ إلى توقع ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلب الأسواق المالية، وتضخم الإنفاق الدفاعي على حساب أولويات داخلية محورية كالبنية التحتية والرعاية الصحية، وهي مجالات تؤثر بصورة حاسمة في تماسك النسق الداخلي الأميركي واستدامة استقراره. 

ويتعزّز هذا البعد الداخلي بفعل حدّة الاستقطاب الحزبي الذي تصاعد منذ انتخابات 2016 إلى مستويات لافتة، بحيث أضحى كل قرار في السياسة الخارجية مادةً للصراع الداخلي، يتحوّل معه النقاش حول مقتضيات الأمن القومي إلى ساحة إضافية لتجاذبات الانقسام السياسي.

هنا تتداخل السياسة الخارجية مع الاعتبارات الانتخابية. فمنذ إعلان شعار "أميركا أولاً" سنة 2016، سعت إدارة ترامب إلى تقديم مقاربة تقوم على تقليص الالتزامات الخارجية المكلفة، وإعادة توجيه الاهتمام نحو الداخل. غير أن استخدام القوة في بعض المحطات، ومنها الضربة التي استهدفت قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في الـ3 من كانون الثاني/يناير 2020، أظهر أن منطق الردع والحسابات الجيوسياسية قد يدفعان نحو خيارات عسكرية سريعة، حتى في ظل خطاب انتخابي يميل إلى الحد من التدخّلات. 

ما وراء سؤال نيويورك تايمز...

في هذا السياق، يصبح سؤال نيويورك تايمز تعبيراً عن قلق أعمق واستثارة لأسئلة حرجة: هل يخدم التصعيد العسكري مصلحة استراتيجية بعيدة المدى، أم يندرج ضمن إدارة ظرفية للأزمة؟ وهل ينسجم مع الوعود الانتخابية، أم يعيد إنتاج نمط من الانخراط الذي سعت قطاعات واسعة من الناخبين إلى تجاوزه؟ وهل هو مجرد هروب نحو الأمام لصرف الأنظار عن فضائح إبستين التي تلاحق ترامب أم هو انصياع لرغبة "إسرائيل" التي باتت تقرر سياسة الولايات المتحدة الخارجية أكثر من المواطنين الأميركيين أنفسهم؟ 

إنّ دور الإعلام في هذه اللحظة يتجاوز نقل الخبر إلى تأطير النقاش العام، فعندما تكتب صحيفة ذات تأثير واسع مقالاً افتتاحياً بصيغة استفهامية موجهاً إلى الرئيس، فإنها تسهم في صياغة أجندة المساءلة وتعيد توجيه النقاش نحو الأسس القانونية والاقتصادية والسياسية للقرار. 

في المحصلة، فإن سؤال "لماذا أشعلت الحرب؟" لا ينفصل عن بنية النظام السياسي الأميركي. إنه إثارة أخرى للجدل القائم حول مدى احترام التوازن بين السلطات من جهة، ولفت لانتباه الرأي العام الأميركي إلى مسألة قدرة المجتمع الأميركي على تحمّل أعباء حروب لا تخدم سوى مصالح لوبيات معروفة لديه وكان يمكن تجنبها بالدبلوماسية لو أنّ المحرك الأساسي للقرار الأميركي كان مصلحة شعبها لا مخططات التفوق والهيمنة الإقليمية التي تجريها "إسرائيل" وتجر الولايات المتحدة لتنفذها.   

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد قائد الثورة والجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها.