الصومال يتوعّد "إسرائيل" والتصعيد يطرق باب المندب

خطاب الصومال وتهديده السفن الإسرائيلية يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية استراتيجية غير تقليدية، فترجمة التهديد قد تُفضي إلى بناء علاقات تحالف جديدة بين مقديشيو وصنعاء.

0:00
  • تمتد تبعات قرار الصومال وتداعياته إلى حيث الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
    تمتد تبعات قرار الصومال وتداعياته إلى حيث الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران.

أعلن الصومال عن قرار يقضي بحظر مرور السفن الإسرائيلية عبر مضيق باب المندب، في خطوة وصفت بأنها رد مباشر على اعتراف "إسرائيل" بإقليم أرض الصومال وتعيين سفير لها هناك، وحذّر السفير الصومالي لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي، عبد الله ورفا، من أن أي تدخل في سيادة الصومال سيواجه عواقب، قائلاً: "أي دولة تتدخل في الشؤون الداخلية للصومال وتضر بسلامة أراضيه وسيادته ستواجه عواقب وخيمة، بما في ذلك فرض قيود محتملة على الوصول إلى مضيق باب المندب".

 والسؤال ما الذي يعنيه قرار الصومال؟ وهل يمتلك الصومال القدرة الفعلية على تنفيذ قرار حظر مرور السفن الإسرائيلية في باب المندب؟ وما دلالات قرار الصومال في سياق مجريات الحرب على إيران؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن الصومال لا يستطيع عسكرياً تهديد "اسرائيل" نظراً لفارق موازين القوة، ولكن استهداف السفن الإسرائيلية في باب المندب لا يحتاج إلى فوارق قوة كبيرة إذ تكفي بضعة زوارق صغيرة وسريعة لا سيما في منطقة عُرفت بقرصنة السفن، والصومال لم يدعِ بأنه سيغلق باب المندب ولكن قال إن قراره مُحدد بمناطق في خليج عدن والبحر الأحمر أي مداخل مضيق باب المندب، وأن القرار يقتصر على السفن الإسرائيلية فقط. عملياً، هذا ممكن ومتاح وبإمكان الصومال تنفيذه.

وصحيحة تلك التقديرات التي تقول بأن تهديد الصومال لـ "إسرائيل" محدود التأثير؛ ولكن قرار الصومال لا يقتصر ولا يُختصر في البعد العسكري فقط؛ فهو موقف سياسي أكثر من كونه إجراء عسكرياً، وبالتالي دلالته الرمزية والاستراتيجية والسياسية أكبر وأخطر من مجرد تلويح بالقوة العسكرية.

قرار الصومال يعني أن فاعلاً أفريقياً إقليمياً جديداً عابراً لجغرافيا الحرب الحاصلة، حتى وإن كان محدود القوة، قد انضم إلى تهديد الملاحة المرتبطة بـ "إسرائيل"؛ ما يعني أن نطاق التهديد قد توسع ولم يعد يقتصر على إيران وحلفائها التقليديين بل بات ظاهرة إقليمية متدحرجة وممتدة، وأن هناك أطرافاً إقليمية جديدة قد التحقت بهذا المحور، حتى وإن لم تكن حليفاً تقليدياً. وأن منطقة البحر الأحمر التي كانت "إسرائيل" تريد تأميمها والتموضع فيها باتت موضع تهديد مُعلن. 

ذهاب الصومال صوب التصعيد والتهديد في مداخل باب المندب ومنطقة البحر الأحمر بما لها من قيمة جغرافية واستراتيجية تربط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس؛ وتعد شرياناً عالمياً استراتيجياً تتقاطع فيها مصالح الدول الكبرى، يعني أن أي تهديد ولو كان محدوداً  سيرفع تكلفة التأمين ويدفع شركات الشحن لإعادة حساباتها ويضع العالم على حافة أزمة طاقة قد تتطور لأزمة اقتصادية عالمية. 

خطاب الصومال وتهديده السفن الإسرائيلية يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية استراتيجية غير تقليدية، فترجمة التهديد قد تُفضي إلى بناء علاقات تحالف جديدة بين مقديشو وصنعاء وقد تتطور لعلاقات تحالفية بين مقديشو وطهران، هذا لن يترجم كتهديد للسفن الإسرائيلية فقط بل يعني أن تحالفاً بحرياً ممتداً من باب المندب إلى مضيق هرمز قد تشكل ويضع المصالح الأميركية والإسرائيلية في عين العاصفة. 

ومن جهة أخرى، فإن دلالة قرار التهديد الصومالي حتى وإن كانت مفاعيله العسكرية محدودة؛ فإنه كخطاب إعلامي وموقف سياسي يعني أن أحلام نتنياهو ووعوده باختراق القارة الأفريقية والتغلغل فيها قد تبخرت؛ وقد باتت تواجه محاذير وتهديداً ووعيداً من الصومال الذي ظن نتنياهو أنه خاصرة رخوة بإمكانه التموضع فيها وابتزازها عن طريق الاعتراف بإقليم أرض الصومال، وأن هذا التقدير القصير النظر بدلاً من أن يؤمن لـ"إسرائيل" موضع قدم على ساحل البحر الأحمر جعلها في دائرة الاستهداف وفي مرمى الصومال من مسافة صفر.

قرار الصومال بتهديد "إسرائيل" يعني إجهاض أحدث التقديرات الأمنية الإسرائيلية؛ ففي 10 كانون الأول/ ديسمبر 2025 أوصى مدير الاستخبارات العسكرية السابق "تامير هايمان" في نشرة دورية يصدرها معهد الأمن القومي الإسرائيلي بأن" إسرائيل تنظر إلى أرض الصومال كشريك محتمل في مواجهة النفوذ الإسلامي في القرن الأفريقي، وكمصدر محتمل للدعم الاستراتيجي بالقرب من طرق الشحن الحساسة". 

سوء التقدير في الرهان الإسرائيلي على إقليم أرض الصومال من خلال الابتزاز بالاعتراف ثم الانفصال لاحقاٌ أفضى إلى متغيرين الأول: تهديد الصومال العلني للسفن الإسرائيلية في باب المندب ما يعني أن هناك جبهة بحرية جديدة تتململ، والثاني: تجييش الحاضنة الشعبية وبالفعل خرج متظاهرون في العاصمة الصومالية مقديشو يحتجون على اعتراف "إسرائيل" بإقليم أرض الصومال الانفصالي، ما يعني أن قرار الصومال ضد السفن الإسرائيلية مدعوم من الشارع.

الإفساد الإسرائيلي في أفريقيا من خلال الاعتراف بإقليم أرض الصومال وتعيين سفير هناك، أفضى إلى حالة قلق أفريقية مشروعة ومفادها أن "إسرائيل" يمكنها الذهاب بعيداً في تشجيع أي اقليم في القارة يسعى للانفصال والإسراع في الاعتراف به وتعيين سفراء فيه؛ وهذه عقدة تاريخية أفريقية مُزمنة عانت أفريقيا وما زالت من تبعاتها وتداعياتها، وبالتالي فإن تكتلاً أفريقياً بدأ يتشكل لمواجهة الابتزاز الإسرائيلي، وهذا يعني أن قرار الصومال لم يكن منفرداً بل بالتنسيق مع دول عديدة صديقة للصومال، تتفق جميعها بأن التدخل الإسرائيلي في البحر الأحمر يُهدد سلامة واستقرار ووحدة هذه الدول. 

ما يعني أن قرار الصومال مدعوم من دول أخرى وإن كان ذلك غير مُعلن. وهذا الدعم يحسم جدلية القوة والقدرة ويعني أن هناك تحالفاً يدعم قدرة الصومال الجغرافية وقوته العسكرية لا لتهديد السفن الإسرائيلية في باب المندب فقط، ولكن لمواجهة أي تهديد أو استهداف أميركي أو إسرائيلي للصومال أو لعسكرة البحر الأحمر أو الوجود فيه. 

ترجمة قرار الصومال لبناء تحالفات عابرة للجغرافيا تبدو أقرب مما يُظن، وتعكس شكلاً من أشكال التنسيق والتفاهم غير المُعلن، ذلك أنه يلاحظ أن قرار الصومال تزامن مع تصريحات لأنصار الله في اليمن عبّر عنها القيادي محمد البخيتي في منشور له على منصة "إكس"، أكد فيه أنّ أيّ وجود إسرائيلي في الصومال سيكون هدفاً للقوات المسلحة اليمنية، كاشفاً أنّ "سلطة صنعاء يدها على الزناد وتحضّر لضربة قوية وموجعة ورادعة لإسرائيل، ولن تقتصر على المياه البحرية والمطارات"، وذلك "مع أي وجود على أرض الصومال". 

تهديد الصومال للسفن الإسرائيلية في البحر الأحمر بالتنسيق مع أنصار الله في اليمن ومع استحضار مخاطر الابتزاز الإسرائيلي في أفريقيا والمخاوف من وضع قدم "إسرائيل" في البحر الأحمر مع تصاعد الغضب الشعبي العربي والأفريقي ضد الجرائم الإسرائيلية يعني أن الصراع قد يتمدد، وأن الحرب على إيران لم تعد مرتبطة بجغرافيا بعينها، وأن المواجهة العسكرية قد تصبح في الممرات المائية أيضاً.

تهديد الصومال للسفن الإسرائيلية يجب عدم التقليل منه، حتى لو بدا ذلك محدودًا في قدراته. فالأهمية تكمن في تأثيرات الإرادة السياسية أكثر من القدرة العسكرية؛ لأن قرار التهديد الصومالي لـ "إسرائيل" يُعد سابقة عابرة للتقديرات ذلك أن "إسرائيل" باتت تواجه بيئة إقليمية أكثر عدائية في الدوائر الثلاث العربية والأفريقية والإسلامية وليس في محيطها فقط، وأن هذه البيئة ترفض الوجود الإسرائيلي وتهدده علناً، حتى وإن كانت قدراتها العسكرية محدودة، إلا أن إرادتها السياسية حاضرة وقادرة على ترجمة التهديد. 

تمتد تبعات قرار الصومال وتداعياته أيضاً إلى حيث الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وذلك من خلال فتح جبهات جديدة ودخول فاعلين جدد وتمدد جغرافيا المواجهة حتى أن بعض قطع الشطرنج باتت تميل باتجاه إيران، وهذا يعني رفع تكلفة الحرب وتوسيع رقعة الاستنزاف، وتشتيت الجهد العسكري وفتح جبهة البحر الأحمر؛ وتعطيل الملاحة ورفع أسعار الطاقة والشحن والضغط على الاقتصاد العالمي ما يؤدي إلى ضغط دولي لوقف الحرب ومنع انزلاقها إلى مناطق جديدة.

إن آخر شيء كانت تتوقعه أو تريده "إسرائيل" وأميركا، لا سيما خلال حربهما على إيران، هو تهديد الصومال للسفن الإسرائيلية؛ فهذا يعني دخول دول جديدة إلى ساحات المواجهة حتى وإن كان ذلك بشكل غير مباشر؛ فكيف إذا كانت تلك الدولة أفريقية تقف على شاطئ البحر الأحمر ووجهها لباب المندب.

ختاماً، تهديد الصومال لـ "إسرائيل" يعني أنه ليس بالضرورة أن تمتلك فائض القوة العسكرية يكفي فقط امتلاك الإرادة السياسية. وقرار الصومال يُعيد ترتيب خارطة الوعي، ويؤكد أن "إسرائيل" قابلة للتهديد والهزيمة.