الشعب والأرض والنظام.. معادلة ذهبية لحماية الثورة والدولة في إيران! (1/2)

لقد أثبت الشعب الإيراني بصموده وثباته وصبره، والتفافه حول قيادته أنه الصخرة التي تتحطّم عليها مؤامرات الأعداء، وأنّ الدولة والثورة التي تتكئ على شعب حيّ وواعٍ لن تستطيع كلّ قوى الشر في العالم إسقاطها أو التغلّب عليها.

0:00
  • في إيران لم تكن القوة العسكرية وحدها من استطاعت إفشال خطط الأعداء.
    في إيران لم تكن القوة العسكرية وحدها من استطاعت إفشال خطط الأعداء.

لا أعرف إن كان هناك دولة أو نظام على مستوى العالم تعرّض لمثل ما تعرّضت له وما زالت الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا أعرف أيضاً دولة أو نظاماً كبيراً كان أو صغيراً استطاع تحمّل كلّ هذا الكمّ الهائل من الضغوطات والاعتداءات والحصار والتضييق مثل ما فعلت هذه الجمهورية القويّة والمقتدرة، والتي تحوّلت بعد ثورتها الإسلامية المجيدة من سوط غليظ لقوى الظلم والاستكبار العالمية ضدّ شعوب المنطقة، إلى أكبر مناوئ ومعادٍ لهذه القوى المجرمة، بل وباتت كما لم تفعل أيّ دولة أخرى تواجههم في ميدان القتال، كما هو الحال في ميادين السياسة والاقتصاد والإعلام وغيرها.

في العالم الحرّ، والرافض لكلّ السياسات الاستعمارية التي تتبنّاها الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المنطقة والعالم، يُنظر إلى إيران ما بعد الثورة بأنها تمثّل أيقونة الثبات في وجه العدوان، والصمود في وجه الإجرام، بل وباتت بعد المواجهة الأخيرة مع قوى الشرّ والتي لم تنتهِ بعد بمثابة رائدة الحرية والسلام على مستوى العالم، كيف لا وهي الوحيدة إلى جانب حلفائها وأصدقائها التي قالت لمحور الشرّ لا، وهي الوحيدة التي وقفت بلحمها الحيّ في وجه مخطّطاتهم التوسّعية والاستعمارية، وفي سبيل ذلك دفعت وما زالت أثماناً باهظة، وقدّمت وما زالت عطاءات قلّ نظيرها .

إلا أنه وعلى الرغم من كلّ ما بذله هؤلاء القتلة والمجرمون من جهد، وما استخدموه من قدرات وإمكانيات، وما ارتكبوه من جرائم بحقّ المدنيين في المحافظات الإيرانية المختلفة، على الرغم من كلّ ذلك ما زالت الجمهورية الإسلامية قادرة على التصدّي والقتال، بل وتكبيد الأعداء خسائر لم تكن في حسبانهم، إذ كانوا يعتقدون أنّ مغامرتهم في إيران لن تستغرق أكثر من أسبوع أو أسبوعين، وفي أسوأ الأحوال يمكن أن تمتد إلى بضعة أشهر، إلا أنهم تفاجأوا كما العالم كله بصمود أسطوري لم يسبق له مثيل، حوّل أحلامهم إلى كوابيس، وأسقط مشاريعهم بالضربة القاضية، بل ودفعهم لإعادة النظر في كلّ خططهم التي بان ضعفها وهشاشتها.

في إيران لم تكن القوة العسكرية وحدها من استطاعت إفشال خطط الأعداء، إذ إنّ هذه القوة لا تتماثل من قريب أو بعيد مع ما يمتلكه أعداؤها، ولم تكن القوة الاقتصادية أيضاً سبباً وحيداً في تمكين إيران من تجاوز الحصار الذي تجاوز عامه السابع والأربعين، إذ إنّ التضييق الاقتصادي غير المسبوق أكبر من أن تتمّ محاصرة تداعياته الكارثية من خلال حلول اقتصادية بحتة حتى لو كانت من دولة كبيرة وغنيّة بالموارد مثل الجمهورية الإسلامية، بل احتاج الأمر أكثر من ذلك بكثير.

يمكن ملاحظة ثلاثة عوامل رئيسية مكّنت الدولة الإيرانية من التصدّي للمروحة الواسعة من الصعوبات والمشكلات التي واجهتها منذ الثورة وحتى الآن، وهي كما أسلفنا مشكلات وصعوبات لم يسبق وأن واجهت دولاً أخرى، حتى من تلك الدول التي تملك إمكانيات وقدرات تفوق ما تملكه إيران بمراحل، بل أنّ أنظمة ودولاً عديدة انهارت وسقطت وتفكّكت تحت وطأة مجموعة من العقبات الأقل حدّة من نظيراتها الإيرانية.

أول هذه العوامل هو الشعب الإيراني، والذي أخذ على عاتقه نصرة الثورة، والدفاع عنها، وتقديم كلّ ما يلزم لحمايتها من كلّ ما يتهدّدها من مخاطر، حتى لو أدّت هذه المخاطر إلى حصاره وتجويعه وحرمانه من الكثير من مستلزمات الحياة، بل وحرمانه من الحياة نفسها نتيجة جرائم الأعداء الذين لم يدّخروا جهداً ولم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها من أجل التضييق على هذا الشعب والضغط عليه، بل وقتله بالقنابل الذكية والغبية، والصواريخ الحارقة والخارقة، وصولاً إلى تهديده باستخدام القنابل النووية التكتيكية المحرّمة دولياً.

وعلى الرغم من التنوّع العرقي والديني واللغوي للشعب الإيراني إلا أنه نجح في تجاوز كلّ هذه الاختلافات، وتحويلها إلى حالة من الانسجام والوحدة بين شرائحه المختلفة كافة، بما ساهم في تعزيز المناعة المجتمعية، والتي تُعدّ ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لمواجهة سيل المخاطر التي تواجه هذا الشعب خصوصاً تلك المحاولات الهادفة إلى إثارة الفتنة المذهبية، وإشعال الحرب الأهلية، والتي يُنظر إليها بأنها أشدّ خطراً على استقرار الدولة من العدوان الخارجي.

 بنظرة سريعة على الفسيفساء الإيرانية الاجتماعية يمكن مشاهدة مجموعة كبيرة من التنوّع، إذ تُعتبر القومية الفارسية الأكبر في إيران، حيث تبلغ نسبة المواطنين الفرس نحو 60%، يتركّز معظمهم في وسط البلاد وشرقها وجنوبها، تليها القومية الأذربيجانية والتركية، والتي تشكّل نحو 21% من نسبة السكّان، وهي تتركّز في الشمال الغربي من الجمهورية الإسلامية ولا سيّما محافظات أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل.

الكرد من جهتهم يشكّلون نحو 10% من سكان الجمهورية الإيرانية، وهم يعيشون في المناطق الغربية والشمالية الغربية في كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، فيما يشكّل اللور والبختياريون نحو 6% من السكّان، ويتمركزون في غرب وجنوب غرب البلاد، أما العرب فيشكّلون نحو 3% فقط، ويعيش معظمهم في محافظة خوزستان جنوب غرب البلاد.

إلى جانب القوميات السابقة يوجد أيضاً البلوش والتركمان والجيلاكيين والمازندرانيين والأرمن والآشوريين واليهود، وهم ينتشرون في مناطق مختلفة من البلاد، ويعيشون جنباً إلى جنب مع قوميات أخرى من سكّان البلاد.

إضافة إلى التنوّع العرقي يوجد أيضاً تنوّع مذهبي في إيران، إذ يعتنق نحو 90% من السكان المذهب الشيعي، فيما يعتنق نحو 10% منهم المذهب السنّي، إلى جانب وجود أقليّات أخرى غير مسلمة مثل المسيحيين واليهود والزرادشتيين، والصابئة المندائيين. 

في ظلّ كلّ هذا التنوّع العرقي والمذهبي حافظ الشعب الإيراني على حالة من الوحدة والتماسك رغم كلّ ما مُورس عليه من حملات ترهيب وترغيب، ورغم كلّ محاولات شقّ الصف وإثارة النعرات المذهبية والقبلية، والتي بلغت أشدّها في الأشهر التي سبقت العدوان الأخير في نهاية شباط/فبراير الماضي، والتي وصلت إلى حدّ دعم بعض المجموعات التخريبية بالسلاح كما اعترف بذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى إدخال عناصر إرهابية من خارج البلاد للمشاركة في أعمال العنف التي رافقت تلك الأحداث، والتي لولا فطنة الشعب، ويقظة القيادة لذهبت بالبلاد إلى المجهول، ولأشعلت حرباً أهلية شعواء لم تُبقِ ولم تذر.

يمكن ملاحظة مجموعة من الشواهد والدلائل التي تشير بوضوح لدور الشعب الإيراني في حماية الدولة والثورة من الأخطار الهائلة التي تُحيط بها، وهي أخطار مستمرة منذ انتصار الثورة، إلا أنّ وتيرتها ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها في العدوان الأخير الذي ما زالت تداعياته ماثلة حتى يومنا هذا، والذي يعتقد الكثيرون أنه سيعود للانفجار من جديد خلال الأيام او الأسابيع المقبلة.

من أبرز تلك الشواهد وأكثرها أهمية هو الالتفاف الشعبي الواسع حول القيادة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، وفي المقدّمة منها قائد الثورة والجمهورية، والذي يحظى بمكانة خاصة لدى معظم الشعب الإيراني حتى عند أولئك الذين يختلفون مع النظام سياسياً.

بعد بداية العدوان على إيران نهاية شباط/فبراير الماضي، والذي نتج عنه ارتقاء مجموعة من قادة الجمهورية والجيش وحرس الثورة شهداء في القصف الصهيو-أميركي الغادر، وعلى رأسهم قائد الثورة على الخامنئي رضوان الله عليه، شهدت إيران حالة من التضامن الشعبي قلّ نظيرها، والتفّت الجماهير عن بكرة أبيها حول القيادة الجديدة للثورة، حتى أولئك الذين كانوا قبل الحرب بأيام يتظاهرون ضدّ النظام للمطالبة ببعض الإصلاحات الاقتصادية والحياتية وغيرها عادوا من جديد للالتحام مع جموع الشعب التي خرجت إلى الشوارع، وجدّدت بيعتها لقيادتها في وجه دعوات الفتنة والاقتتال الداخلي، وهو ما شكّل مفاجأة مدوّية لقوى العدوان التي كانت تعتقد أنّ الجماهير ستستغلّ حالة الفراغ الناتجة عن عمليات الاغتيال، واستهداف مؤسسات الدولة للخروج على القانون وتفجير موجة عارمة من الاحتجاجات في كامل أنحاء الجمهورية، بما يؤدّي في نهاية الأمر إلى سقوط النظام، وانهيار الدولة، وشيوع الفوضى والجريمة في كلّ مكان.   

شاهد آخر كان إصرار الشعب الإيراني على استمرار الحياة اليومية رغم كلّ ما يعنيه ذلك من مخاطر، إذ رفضت الجماهير الانصياع لمخطّطات الأعداء بالتوقّف عن العمل، والركون للخوف، ومغادرة الشوارع، والاكتفاء بدور المشاهد لمجمل الأحداث التي كانت تستهدف وطنهم.

في ظلّ هجمة شرسة من الحرب النفسية استمر العاملون في المؤسسات الإيرانية على اختلاف تخصصاتها في أداء أدوارهم على أكمل وجه، وإلى جانبهم العمال والتجار والباعة وهو ما شكّل صفعة للأعداء وإسقاطاً لمخطّطاتهم من جهة، فيما بثّ من جهة أخرى رسائل طمأنينة لكلّ السكان بأنّ الحرب لن تؤثّر على حياتهم، ولن تؤدّي إلى نشوء أزمات يصعب حلّها، وأنّ الحياة رغم القصف والتدمير ستستمر كالمعتاد.

تكيّفُ المواطنين في إيران مع الحصار الاقتصادي وتبعاته المؤلمة كان شاهداً إضافياً على الدور الذي أدّاه الشعب في مواجهة الحرب والعدوان، حيث أثبتت الوقائع أنّ الشعب الإيراني لم يلتفت لكلّ الدعوات المشبوهة التي كانت تدّعي حدوث أزمات على مستوى السلع التموينية، أو المشتقّات البترولية، أو المستلزمات الصحيّة، فلم نرَ تدافعاً على المتاجر، أو محطّات الوقود كما يحدث في معظم دول العالم، بل سادت معظم محافظات الجمهورية حالة من الهدوء والنظام اللذين لم يستطع إنكارهما معظم الصحافيين الأجانب الذين كانوا يغطّون يوميات الحرب من داخل إيران.

خروج ملايين الإيرانيين إلى الشوارع في ظل القصف الهمجي الذي تعرّضت له المدن الإيرانية، وبعد فقدان مجموعة كبيرة من قادة الثورة والدولة شكّل هو الآخر دافعاً قوياً للصمود في وجه الحرب والعدوان، وأكد من جديد لكلّ المراهنين على انفكاك الجماهير من حول ثورتها وقيادتها أنّ رهاناتهم خاسرة، وأنّ توقّعاتهم لم تكن في محلّها، وأنّ التماسك الشعبي والالتفاف حول الدولة بكلّ مكوّناتها أكبر من أن تسقطه أكاذيب وهرطقات قوى الشرّ والعدوان.

لقد أثبت الشعب الإيراني بصموده وثباته وصبره، والتفافه حول قيادته أنه الصخرة التي تتحطّم عليها مؤامرات الأعداء، وأنّ الدولة والثورة التي تتكئ على شعب حيّ وواعٍ لن تستطيع كلّ قوى الشرّ في العالم إسقاطها أو التغلّب عليها.

في الجزء المقبل بمشيئة الله تعالى سنشير إلى عاملي الأرض والنظام، وهما اللذان شكّلا إلى جانب الشعب عوامل صمود ومنعة الجمهورية الإسلامية في إيران، وعوامل قوّة واستقرار هذه الدولة العزيزة والمقتدرة.