الذكرى المئويّة الأولى للحكيم جورج حبش

جورج حبش قائد فلسطيني مقاوم ومفكر قومي يساري كرّس حياته لتحرير فلسطين ومناهضة المشروع الصهيوني.

  • الذكرى المئويّة الأولى للحكيم جورج حبش
    الذكرى المئويّة الأولى للحكيم جورج حبش

​في الأول من آب/أغسطس عام 1926 ولد القائد الفلسطينيّ المقاوم / جورج نيقولا حبش من أسرة فلسطينيّة عربيّة مسيحيّة أرثوذكسيّة في مدينة اللّدّ الفلسطينية، تربّى وترعرع في أسرة فلسطينيّة ميسورة ولذلك تمكّن من دراسة المراحل التعليميّة الأساسيّة والثانويّة وصولاً إلى التحاقه كطالب جامعيّ لدراسة العلوم الطبيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت،  وتخرّج منها طبيباً متخصّصاً في اختصاص مرض الأطفال في العام 1951.

​إنّ شخصيّة القائد الثائر العروبيّ المقاوم شخصيّة متميّزة من النّواحي السّياسيّة والثقافيّة الفكريّة وحتّى العلميّة، ولهذا أطلق رفاقه وطلابه عليه اسم (الحكيم) لتميّزه عن أقرانه من السّياسيين الفلسطينيين، وهم بطبيعة الحال كثر وذوو مشارب متعدّدة، وكان زملاؤنا الفلسطينيون في المرحلة الجامعيّة في البكالوريوس، وفي مراحل الدراسات العليا يكرّرون باستمرار هذا المسمّى؛ لشموله أكثر من معنًى ومدلول.

​وكانتْ للجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين حضور طاغ في جنوب الوطن اليمنيّ؛ باعتباره فصيلاً سياسيّاً يساريّاً، أو كما كان زملاؤنا الفلسطينيون المتحزّبون بتعصّب يطلقون على الجبهة؛ باعتبارها فصيلاً سياسيّاً تقدّميّاً، أمّا بقيّة الفصائل فكانوا يطلقون عليها مسمّيات، وتسميات ما أنزل الله بها من سلطان.

​وللمصادفة العجيبة كنت أتابع عدداً من الأخبار، والنّشرات اليوميّة لمحور المقاومة العربيّة الإسلاميّة بشكل عام، ومحور المقاومة الفلسطينيّة تحديداً ضدّ المحتلّ الصّهيونيّ، وبطبيعة الحال هناك فصيل عسكري فدائي مقاوم، هو الجناح العسكريّ للجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين، يكافح، ويقاتل مع زملائه ورفاقه من بقيّة فصائل المقاومة الفلسطينيّة الحرّة من حماس، والجهاد، وغيرها من المقاومين..

هذه المصادفة قادتْني لمعرفة أنّ هذا العام هي مناسبة خاصّة لاحتفالات المقاومين الجهاديين الفلسطينيين بمرور 100 عام على ميلاد القائد الفلسطينيّ المقاوم الحرّ الذي عاش، وناضل، وقاوم المحتلّ الإسرائيليّ / اليهوديّ / الصّهيونيّ حتّى آخر يوم في حياته الفانية، وهو يقود، ويوجّه تيّارات الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين، هؤلاء القادة المفكّرون العظماء يجب ألّا تجفّ الأقلام في الكتابة عنهم، وعن إبراز نضالاتهم، ومواقفهم، وتاريخهم المشرق لكي تتعلّم منه أجيال المقاومة في عالمنا العربيّ / الإسلاميّ الدّوليّ الحرّ.

​أتذكّر أنّنا في مرحلة الدراسة الجامعيّة كنّا نتابع باهتمام مجلة الجبهة المعنونة بـ "مجلة الهدف" وكانتْ عبارةً عن منبر إعلامي يساري ثوري، تنشر فيها سلسلة من الدراسات، والمقالات التحليليّة ذات الطابع العروبيّ اليساريّ، كما تنشر فيها خطابات الرّفيق جورج حبش التي كان يتناول فيها أدقّ المستجدّات السّياسيّة والثقافيّة حول القضيّة الفلسطينيّة، وكذلك تعرض فيها القضايا العالميّة والمعروفة يومذاك بسيطرة فكرة المعسكرين المتضادّين المعسكر الأميركيّ الرأسماليّ الإمبرياليّ المساند للمشروع الإسرائيليّ الصّهيونيّ، وبالمقابل المعسكر الاشتراكيّ وبقيادة الاتحاد السّوفياتيّ الّذي كان مسانداً قويّاً لحركات التحرّر الوطنيّ العالميّ، ومسانداً دائماً للقضيّة الفلسطينيّة، وتحريرها من هيمنة وسيطرة "إسرائيل" الصّهيونيّة، ومنذ انهزام المعسكر الاشتراكيّ فقدت القضيّة الفلسطينيّة والأحرار العرب سنداً قويّاً في مواجهاتهم.

​كان الرّفيق جورج حبش ذا صوت عال في المجاهرة بمحاربة، ومعاداة النّظم الرّجعيّة العربيّة الحليفة للإمبرياليّة العالميّة ذات النّهج الصّهيونيّ ، وكانتْ خطاباته وأحاديثه الإعلاميّة، والسّياسيّة المجلجلة عالية النّبرة، واضحة المعالم.. كانتْ جاذبةً أخّاذةً، وملهمةً لجيل الشّباب العربيّ من المحيط الهادر حتّى الخليج الثائر، والعديد من هؤلاء الشّباب العربيّ الصّاعد تعلّم وتتلمذ من تلك التوجّهات والأفكار الثوريّة اليساريّة المقاومة للفكر الصّهيونيّ.

​كان يخطب خطاباته الثوريّة الصّادقة من "كوبا" الاشتراكيّة، و"نيكاراغوا" الثوريّة غرباً، وفي جميع البلدان الاشتراكيّة في قلب أوروبا وكذلك في البلدان العربيّة في سوريا، ولبنان والأردن، واليمن الديمقراطيّة سابقاً، وكذلك مشاركاته في مؤتمرات الأحزاب الثوريّة اليساريّة في البلدان الآسيويّة في جمهوريّة الصّين الشّعبيّة، وفي فيتنام الاشتراكيّة، ولاوس، وكمبوديا.. كان يناشد، ويحثّ الأحرار في العالم أجمع بصوته الشّجاع الجهوريّ، وحماسته النّاريّة، ومفردات خطاباته الوازنة؛ لأنّه تتجسّد في شخصيته الثوريّة معاني القائد الأمميّ التحرّريّ اليساريّ الفريد المناهض بعنفوان وقوّة وصدق للمشاريع الصّهيونيّة العالميّة.

لقد كان داعيةً، وممثل صوت الحريّة بحق للمقاومة، والتحرّر من قيود المستعمر الإمبرياليّ الرأسماليّ المستعبد للشّعوب، والأوطان والأمم من كلّ لون وجنسية وعرق، لأنّ معاني الحريّة هي فلسفته، وعقيدته، ونهجه المستمرّ.

​في عمر الشّباب، ونحن طلاب في الجامعة كنّا نتحرّك في أيّ وقت لحضور، إمّا محاضرة له وإمّا خطاب سيلقيه بمناسبة محدّدة.. كانتْ مدينة عدن عاصمة جمهوريّة اليمن الدّيمقراطيّة الشّعبيّة موئلاً رئيسيّاً لقادة الفكر التحرّريّ اليساريّ في عالمنا العربيّ، وكان الشّعراء، والكتّاب، والمفكّرون والإعلاميّون الكبار العرب يزورون عدن في كلّ حين وساعة برغم ظروف الحصار الذي مارستْه المملكة السّعوديّة على الشّطر الجنوبيّ من الوطن اليمنيّ، ومع ذلك كنّا كشباب نعيش مرحلة استثنائيّة، وحالة شبابيّة ثقافيّة ثوريّة خاصّة.

​ومن بين أهمّ الرّموز الثوريّة التحرّريّة المقبلة إلى مدينة عدن في تلك الأزمنة الثوريّة هو الرّفيق العزيز / جورج حبش كأيقونة ثوريّة، وقد كان جاذباً مستقطباً بود لجيل الشّباب، ولجيلنا المتحمّس لفكرة دعم الفدائيين، والمقاومة وفكرة الصّمود والتّصدّي، وفكرة مقاطعة أيّ نظام رسمي عربي يقترب قليلاً من كيان العدوّ الإسرائيليّ؛ كون القضيّة الفلسطينيّة هي بحق قضيّة الأمّة المركزيّة في كلّ زمان ومكان.

​أتذكّر أنّنا كنّا مجموعةً من الأصدقاء، والزّملاء من جامعة عدن في رحلة عمل لزيارة الأردن / عمّان، وهم: سعادة السّفير / عبد الوكيل بن إسماعيل بن محيي الدّين السّروري "رحمة الله عليه"، والدّكتور / مهدي علي بن عبد السّلام العولقي، "متّعه الله بالصّحة والعافية، وبركة العمر"، والبروفيسور / ناصر علي ناصر الكازمي "رحمة الله عليه"، وسعادة السّفير / الدكتور / علي منصور بن سفاع "متّعه الله بالصّحة، وطول العمر"، والأستاذ / الدّكتور/ محمّد رجب أبو رجب "متّعه الله بالصّحة، وطول العمر"، والأستاذ / محمّد جبر حيف "متّعه الله بالصّحة، وأطال في عمره"، وتمّ في هذه الزيارة ترتيب زيارة خاصّة للرّفيق / الحكيم "جورج حبش" رحمة الله عليه، وكانتْ زيارتنا في عام 2000، تحدّثنا كثيراً بحديث شائق أخوي عروبي، عن تجربته العظيمة في تأسيس وقيادة حركة القوميين العرب في عالمنا العربيّ، وقيادته الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين، وأدواره الكفاحيّة والنّضاليّة الكبيرة جدّاً جدّاً جدّاً في رصّ صفوف الأحزاب والتنظيمات، والمنظمات الثوريّة المقاومة للمشروع الإسرائيليّ الأميركيّ الصّهيونيّ في عالمنا العربيّ، والإسلاميّ، وحشد جميع الطاقات البشريّة والماديّة، والثقافيّة في المجتمع العربيّ، والإسلاميّ، والدّوليّ؛ لمجابهة المشروع الصّهيونيّ البغيض.

​كنّا صادقين، وجادّين في الحوار، والحديث إليْه، وكنّا نقول له: كنّا نتابعك باهتمام أوّلاً بأوّل في منتديات مدينة عدن، وكليّاتها ومسارحها؛ كي نستمتع بخطاباتك، وحواراتك في زمن شبابنا، وزمن نضوجكم، وحماستكم الثوريّة عالية القيمة، والمستوى، وكنّا نلمس سعادته، وفرحه، وسروره، وهو يستمع لأحاديثنا – نحْن السّبعة الزّملاء -، كان بطبيعة الحال يستمتع بصمت، وهدوء، وهو يستعيد ذكرياته الثريّة، وتاريخه الطويل، ونضاله، وجهاده الفكريّ التنظيميّ التحرّريّ، يستمع من شخصيّات يلتقيها للمرّة الأولى، وتثار له ذكريات من زمن طويل لنضاله، ونشاطه وعظمته.

جورج حبش كان يقول: "الشّعب الذي لا يملك ذاكرةً لا يملك مستقبلاً"، وها نحن اليوم، في ذكراه المئويّة، نستعيد الذاكرة؛ كي لا نخطئ المستقبل.​

في هذه المناسبة المئويّة الأولى لهذا القائد الرّمز البطل المغوار / جورج حبش الذي أفنى جلّ حياته وهو يكافح، ويناضل، ويجاهد ضدّ أبغض وألعن وأقذر مشروع في العالم بني في القرن العشرين، وهو المشروع اليهوديّ الصّهيونيّ العالميّ العنصريّ، وعلى حساب الملايين من أهلنا في فلسطين وتضحيات الشّهداء، والمجاهدين من شعوبنا العربيّة، والإسلاميّة في اليمن، ومصر، وسوريا، والعراق، ولبنان، وكردستان، وتونس، والجزائر... إلخ.

​هذه الشّخصيّة الاستثنائيّة القوميّة اليساريّة تحتاج منّا جميعاً أن نبعث، ونحيي تاريخها، ونضالاتها، وأفكارها المضيئة المشرقة، في الذكرى المئويّة الأولى لميلاده، وهو الذي مات، وودّع الحياة كلّها، وهو ملتزم التزاماً صارماً، وحديديّاً بعقيدة تحرير فلسطين كلّ فلسطين من البحر إلى النهر، ولم يساومْ، ولم ينحرفْ عن مساره التحرّريّ والجهاديّ كما انحرف العديد من القيادات العليا الفلسطينيّة، والعربيّة، والإسلاميّة، أي أنّه عاش، ومات على مبادئه، وثوابته التحرّرية، وهو يذكّرنا بفئة الصّالحين، والمستقيمين، والزّاهدين الثابتين على العهود في هذا التاريخ البشريّ والإنسانيّ المكتوب.

اليوم، وبعد مئة عام، ما زال اسمه يربك الخرائط، وما زال سؤاله معلّقاً في سقف التاريخ: "أيّ سلام هذا الذي يبنى على أنقاض الحقّ؟"

رحل الجسد في 2008، وبقي السّؤال حيّاً في 2026: أيّ فلسطين نريد؟ وأيّ طريق نسلك؟​

الخلاصة:

القادة المفكّرون الثوريّون الصّادقون هم وحدهم من يعيش، ويحيا، ويموت على عهده، وقيمه، ومبادئه، وهنا يأتي معنى الخلود لهؤلاء الأفراد المحدودين نوعاً وعدداً.