الدولة الوطنية إلى أين؟
الرأسمالية العالمية طرحت العولمة كوسيلة "لانضغاط العالم وتكثيف وعي العالم ككلّ". ومنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي عملت على فرض هذه العولمة على دول العالم، في محاولة لكتابة نهاية التاريخ بالخط الرأسمالي.
-
هل نحن أمام موجة جديدة من العولمة تأخذ شكلاً متوحّشاً كما يراها البعض؟
إذ نظرنا بتأمّل إلى التغوّل الإمبريالي على عالم اليوم، وإلى سعي قواه الواضح لتحويل الدول القائمة إلى دول فاشلة كما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان وأفغانستان، أو إلى دول تابعة مسلوبة الإرادة والسيادة مثل بقيّة الدول العربية، وأوكرانيا، و"إسرائيل" والأرجنتين ودول أوروبا الشرقية فإننا لا بدّ وأن نتساءل عن هذا التغيّر في السلوك الإمبريالي من النزوع إلى تشكيل المزيد من الدول الوطنية، إلى العمل على تقويض هذه الدول وإنهاء دورها التاريخي؟
نشأت الإمبريالية من رحم الدولة القومية الأوروبية كما أوضح ستالين في كتابه "الاشتراكية والمسألة القومية"، هذه الإمبريالية سعت بعد أن اشتدّ عودها إلى تقسيم العالم على شاكلتها وبحسب مصالحها، ونال منطقتنا من هذا السلوك الإمبريالي: اتفاقية سايكس ـــــ بيكو (1916) ومؤتمر سان ريمو (1919) واتفاقية لوزان (1923) التي قسّمت ممتلكات الإمبراطورية العثمانية، ونال أوروبا التقسيم مرّة بعد الحرب العالمية الأولى من خلال معاهدة فرساي (1919) ومرّة بعد الحرب العالمية الثانية في مؤتمر يالطا (1945)، وتكرّر السلوك نفسه بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية. فقد نشأ عن اتفاقية حلّ الاتحاد السوفياتي عام 1991 والتي وقّع عليها بوريس يلتسين 15 دولة جديدة، ونجم عن تفكّك يوغسلافيا 7 دول جديدة.
يبدو الجواب عن السؤال بديهياً، فالرأسمالية العالمية طرحت العولمة كوسيلة "لانضغاط العالم وتكثيف وعي العالم ككلّ". ومنذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي بشّرت وعملت على فرض هذه العولمة على دول العالم، في محاولة لكتابة نهاية التاريخ بالخط الرأسمالي.
فهل نحن أمام موجة جديدة من العولمة تأخذ شكلاً متوحّشاً كما يراها البعض؟
الواقع يقول إنّ النسخة الأولى من العولمة التي قامت على الاتفاقيات والمنظّمات الدولية مثل اتفاقية "الجات" ومنظّمة التجارة العالمية فشلت لعدة أسباب منها:
- أدّت إزالة الحدود التجارية إلى تدفّق البضائع بشكل عكسي من الأطراف نحو المركز الرأسمالي، ما أدّى بدوره إلى ظهور اقتصادات طرفية صاعدة ومنافسة للمركز كما حدث في الصين، والهند، والبرازيل.
- أدّت السلوكيات الاقتصادية المرتبطة بالعولمة إلى مجموعة من الأزمات الاقتصادية الخطيرة مثل انهيار النمور الآسيوية (1997) والانهيار المالي (2008).
- الاصطدام بالقوانين المحلية للدول وظهور مقاومة للعولمة في العديد من دول الأطراف والمركز بسبب الأزمات الاقتصادية المتكرّرة، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
لم يكن هذا الفشل العامل الوحيد في تغيّر السلوك الإمبريالي، إذ يضاف إليه تسارع التطوّر التقني خلال الربع الأول من القرن الحالي، وخاصة التطوّر غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، الذي يعد بتغيير شكل البشرية بحلوله مكان الإنسان في أخذ القرارات الرئيسة في جميع المجالات وفي مقدّمتها المجالات الاقتصادية والعسكرية، مما يجعل السباق في هذا المجال الأكثر قوة وشراسة في التاريخ البشري لما يحمله النصر من إمكانية السيطرة على العالم، أي تحقيق الحلم الرأسمالي التاريخي.
في سياق هذا الصراع تتراجع أهمية ما فوق الأرض لصالح ما هو موجود تحتها من معادن، ومياه، ومصادر طاقة. وينتقل الصراع إلى السماء على مصادر الطاقة المتجدّدة كالشمس والرياح. هذا التغيّر الجذري في آليات الصراع حيث أصبح احتلال الأرض كجغرافيا غير كافٍ ومكلف دفع إلى تغيير الفكرة الرأسمالية عن الجغرافيا وتوجيهها نحو مفاهيم جديدة في مقدّمتها إلغاء مفهوم الدولة الوطنية، ويتبعه إلغاء مفهوم الوطنية نفسه لصالح سوق عالمي رأسمالي، يتحكّم به من يسيطر على التقنية ومدخلات إنتاجها، ونتائجها.
لقد أصبحت الدولة الوطنية تشكّل عائقاً أمام التوسّع الرأسمالي/ الإمبريالي، وكان على الإمبريالية الاستعجال في إزالتها من الطريق في سياق السباق الذي تخوضه داخل المعسكر الرأسمالي نفسه، أو مع الاقتصادات الصاعدة في الأطراف وبشكل خاصّ الصين.
قدّمت الحربان في غزة وأوكرانيا نموذجاً تجريبياً تمارس من خلاله الرأسمالية شكلان من أشكال التعامل مع الدولة الوطنية. الشكل الأول في غزّة أو لنقُلْ القضية الفلسطينية، تدمير فكرة الدولة الوطنية على الأرض واستبدالها بإدارة دولية على رأسها الولايات المتحدة. الشكل الثاني تجاوز ما تعتبره الدول إرادة وسيادة وطنية من خلال فرض الحلول الرأسمالية على النزاعات القائمة من دون أخذ الاعتبارات الوطنية بعين الاعتبار.
فخطة ترامب في غزّة تهمل تماماً الطموحات الوطنية الفلسطينية والعربية بإنشاء دولة فلسطينية ما (رغم تزايد الاعترافات العالمية بهذه الدولة)، وهي في الوقت نفسه تسقط الاعتبارات "الوطنية" الإسرائيلية برفض الحديث عن السير نحو دولة فلسطينية ورفض دخول قوات دولية إلى الأراضي الفلسطينية.
الأمر نفسه يتكرّر في الحرب الأوكرانية حيث تفرض الخطة على أوكرانيا التنازل عن جزء من أراضيها، مقابل حصول الولايات المتحدة على الثروات والمعادن الثمينة في الجزء المتبقّي من أراضي هذه الدولة. والخطة تفرض على روسيا شروطاً مقابل السير في تنفيذها، من بينها دفع 100 مليار دولار من أصولها المصادرة في إعادة إعمار أوكرانيا، وتأسيس مشاريع مشتركة أوكرانية ـــــ روسية بمبلغ 100 مليار أخرى، على أن تتولّى هيئة دولية برئاسة ترامب إدارة عملية إعادة الإعمار، والمشاريع المشتركة، وهذه الهيئة ليست سوى نسخة من مثيلتها المقترحة في قطاع غزّة وقد تكون نفسها.
نحن إذاً أمام إدارة عالمية جديدة، لا تتجاوز الدولة الوطنية وحدها، بل تتجاوز كلّ ما نتج عنها من ثقافات وطموحات وطنية للشعوب والأفراد، إذ يتحوّل الإنسان من مواطن إلى مستهلك، وتتجاوز كذلك الهياكل الأممية التي نتجت عن الدولة الوطنية مثل الأمم المتحدة، ومنظّمة التجارة العالمية التي أوقفت الولايات المتحدة مساهمتها فيها، والمنظّمات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي أو الجامعة العربية أو الاتحاد الأفريقي ومجموعة العشرين G20 التي قاطعت الولايات المتحدة مؤتمرها الأخير في جنوب أفريقيا ما دفع الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون للقول: "قد تكون مجموعة العشرين على مشارف فقدان دورها".
ما تهدف إليه الرأسمالية اليوم هو القضاء على كلّ المنافسين وإقامة حكومة عالمية رأسمالية، تدير العالم "الذكي".