الحرب التجارية الأميركية ضد جنوب أفريقيا تدفع بريتوريا الى أحضان الصين

من المرجّح أن تسعى جنوب أفريقيا إلى تحقيق توازن ما بين سياساتها الاستراتيجية وتوجهاتها الاقتصادية بحيث تحافظ على استقلاليتها عن القرار الأميركي وفي الوقت نفسه السعي إلى عدم إغضاب واشنطن إلى حد القطيعة معها.

0:00
  • التوجّه الاقتصادي لجنوب أفريقيا لا تقتصر أسبابه على البعد الاقتصادي.
    التوجّه الاقتصادي لجنوب أفريقيا لا تقتصر أسبابه على البعد الاقتصادي.

قبل أشهر رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب من وتيرة حربه التجارية على جنوب أفريقيا فارضاً على صادراتها إلى الولايات المتحدة رسوماً إضافية، وحاظراً تصدير أو استيراد بعض السلع الأساسية منها وإليها. هذا دفع بأكبر اقتصاد أفريقي للبحث عن بدائل دافعاً إياهاً إلى تفعيل شراكتها الاقتصادية مع الصين، وهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. وكانت أول مفاعيل هذا التوجه قد تمثلت برفع نسبة الصادرات الأفريقية الجنوبية إلى الصين بنسبة 25 في المئة، علماً أن الدولتين هما عضوان في منظمة بريكس. 

أسباب جيوسياسية للعداء الأميركي 

يعكس هذا التطور تنامي أهمية الصين بالنسبة لجنوب أفريقيا كسوق كبيرة بالنسبة للمنتجات الأفريقية يمكن أن يشكّل بديلاً عن الأسواق الغربية وخصوصاً الأميركية التي كانت تعتمد عليها بريتوريا بعدما ازدادت الصعوبات والعراقيل بالنسبة للصادرات الجنوب أفريقية إلى الولايات المتحدة. في المقابل فإن هذا يعكس أيضاً الحاجة الملحّة التي تشعر بها الصين من أجل إيجاد أسواق بديلة عن الولايات المتحدة، في ظل الحروب التجارية التي يطلقها ترامب ضدها وسعيها لإيجاد شراكات مع دول خصوصاً في عالم الجنوب، وذلك عبر فتح الأسواق الصينية أمام صادرات هذه الدول وهو ما يفسّر نمو حجم الواردات من جنوب أفريقيا بنسبة 23 في المئة خلال العام الحالي. 

الجدير ذكره، أن التوجّه الاقتصادي لجنوب أفريقيا لا تقتصر أسبابه على البعد الاقتصادي، بل هو ناتج عن محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطويع بريتوريا، التي باتت تتجه أكثر فأكثر نحو شراكات استراتيجية مع القوى الأوراسية وعلى رأسها الصين وروسيا، بما يضعف موقف واشنطن في الجزء الجنوبي من القارة السمراء، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة لإبقاء هيمنتها عليها في ظل سياساتها الآيلة إلى فرض أحادية قطبية ومنع روسيا والصين من إقامة شراكات مع البلدان الأفريقية تسمح لها باستثمار أفضل في مواردها للتنمية الذاتية بعيداً عن الاستغلال الذي يمارسه الغرب لموارد الشعوب الأفريقية. 

هذا هو الذي دفع بترامب إلى التدخل في شؤون جنوب أفريقيا الداخلية واتهام بريتوريا بممارسة التمميز العنصري ضد الأقلية البيضاء التي سبق أن حكمت جنوب أفريقيا حتى العام 1990 وفقاً لنظام فصل عنصري مقيت. وتشكل منطلقات ترامب العنصرية وكرهه للأفارقة واللاتين وغيرهم من الشعوب "غير البيضاء" والتي يعبّر عنها في الولايات المتحدة ضد الأميركيين من أصول غير أنكلوساكسونية، منطلقاً للسياسات العدائية التي يوجّهها ضد بريتوريا. وهو يسعى عبر ذلك إلى إثارة فتنة داخلية في جنوب أفريقيا من شأنها أن تزعزع استقرار هذا البلد وتضعضع أركان البريكس التي تعتبر جنوب أفريقيا واحدة من مؤسسيها. في هذا الإطار، يأتي تهديد ترامب لبريتوريا بحرمانها من الاستفادة من قانون النمو والفرص الأفريقية الذي يمنح الدول الأفريقية المرضي عنها أميركيا امتيازات للوصول إلى السوق الأميركية. 

أهمية الصين بالنسبة لجنوب أفريقيا 

في المقابل، فإن الصين كانت قد أطلقت في أيار مايو 2026 نظام إعفاءات من الرسوم لعدد كبير من السلع الأفريقية المصدرة إلى السوق الصينية، بما يتيح للدول الأفريقية تصدير بضائعها ومنتوجاتها على قاعدة المعاملة التفضيلية. وتشمل السلع الأفريقية المصدرة إلى الصين المنتجات الزراعية والمعادن النادرة وبعض المنتجات الصناعية، علماً أن التداول التجاري بين الصين والدول الأفريقية بات يتم باليوان والعملات المحلية، بما يحرر الدول الأفريقية من التبعية للدولار الأميركي والإملاءات والقيود التي ترافق الاعتماد على الدولار. 

إضافة الى ذلك، فإنه من شأن زيادة الصادرات الأفريقية إلى الصين، تعديل الميزان التجاري المختل بشكل كبير حالياً لصالح بيجين. فلقد بلغت قيمة الصادرات الجنوب أفريقية إلى الصين في العام 2025 نحو 222 مليار راند أي ما يعادل 13.5 مليار دولار، في مقابل واردات من الصين إلى جنوب أفريقيا بقيمة 27 مليار دولار. من هنا تبرز الحاجة الأفريقية لتصدير سلع ذات قيمة مضافة لمعالجة الخلل الهيكلي في الميزان التجاريي بين البلدين. وقد أعرب المسؤولون الصينيون عن استعدادهم لفتح المجال أمام مزيد من الصادرات الأفريقية إلى الصين ذات القيمة المضافة مرتفعة الثمن، بما فيها المعادن الثمينة والمواد الخام والمنتجات الصناعية. 

على الرغم من ذلك فإن جنوب أفريقيا ستواجه تحدياً متمثلاً بواقع أن عملية إعادة هيكلة الصادرات الجنوب أفريقية، بغية تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة وتوثيق الشراكة مع الصين، ستتطلب وقتاً طويلاً في وقت قد يكون فيه اقتصاد بريتوريا يواجه ضغوطاً حالية كبيرة من الولايات المتحدة التي كانت شريكه الاقتصادي الأوثق حتى زمن قريب. ويأتي هذا في ظل تقارير تفيد بأن قدرة السوق الصيني الاستيعابية للبضائع الجنوب أفريقية هي أقل بكثير من قدرة السوق الأميركية. 

بناءً على ما تقدم، فمن المرجّح أن تسعى جنوب أفريقيا إلى تحقيق توازن ما بين سياساتها الاستراتيجية وتوجهاتها الاقتصادية، بحيث تحافظ على استقلاليتها عن القرار الأميركي وفي الوقت نفسه، السعي إلى عدم إغضاب واشنطن إلى حد القطيعة معها.

فبريتوريا ستبقى في المدى القريب بحاجة  إلى السوق الأميركية لحين اكتمال عملية إعادة الهيكلة على مستوى صادراتها، للوصول إلى وقت تكون فيه الصين قادرة على تقديم بديل كامل عن السوق الأميركية بالنسبة لجنوب أفريقيا. في هذا الإطار على جنوب أفريقيا أن تقوم أيضاً بإعادة هيكلة اقتصادها بغية إنتاج بضائع وسلع ذات قيمة مضافة، تحتاجها السوق الصينية حتى لا تبقى الصادرات الجنوب أفريقية مقتصرة على المواد الزراعية والمعادن النادرة، وذلك بهدف تعديل الميزان التجاري المختل بشكل كبير لصالح بيجين. أما التحدي الأبرز، فيكمن في إعادة هيكلة الاقتصاد الجنوب أفريقي برمّته ليصبح اقتصاداً متطوراً قادراً على إنتاج السلع ذات القيمة المضافة العالية، وهذا يتطلب استثمارات في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما قد يتطلّب عقوداً لاحقة من العمل الدؤوب.