الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على الأمن القومي الإقليمي (1-4)
الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران تمثل تصعيداً استراتيجياً يستهدف إضعاف الدولة الإيرانية وتغيير نظامها وتفكيك قدراتها العسكرية ومحور المقاومة، بما يخدم إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط
-
الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على الأمن القومي الإقليمي (1-4)
في الـ 28 من فبراير/شباط 2026، أطلقت الولايات المتحدة و"إسرائيل" عملية عسكرية واسعة النطاق ضد إيران، حملت اسمي "الغضب العارم" (Epic Fury) و"زئير الأسد" (Roaring Lion)، لتكون ثاني حرب تشنها واشنطن وتل أبيب على طهران خلال ثمانية أشهر فقط، بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025.
ما بدأ كضربات استباقية لمواجهة البرنامج النووي الإيراني وفق مزاعم الترويج، سرعان ما تحول إلى مواجهة وجودية تستهدف إطاحة النظام في طهران، بعد اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في الدقائق الأولى من الهجوم.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل موسع ومركز لطبيعة هذه الحرب، وجذورها وأسبابها، وسياقاتها وأهدافها، وتداعياتها المتعددة المستويات على الأمن الإقليمي والدولي، وعلى جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة والعالم، وتأثيراتها على الوضع الإيراني الداخلي.
المحور الأول: طبيعة الحرب - الأسباب والجذور والمبررات والغايات
الجذور الاستراتيجية
تمتد جذور العداء بين إيران من جهة وأميركا و"إسرائيل" من جهة أخرى إلى أربعة عقود مضت، منذ انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الراحل العظيم الإمام الخميني عام 1979 التي أطاحت نظام الشاه العميل للغرب عموماً ولأميركا و"إسرائيل" خصوصاً. لكن الحرب الحالية تمثل تتويجاً لمسار تصاعدي من الحرب والعقوبات القاسية على طهران والانسحاب الأميركي الأحادي من الاتفاق النووي في العام (2018)، والذي بدأ بالتحول والتصاعد مع اغتيال القائد الكبير الحاج قاسم سليماني (2020) قائد فيلق القدس والداعم الإقليمي لحركات الجهاد والمقاومة، مروراً بالعدوان الصهيوني الكبير على غزة ولبنان واغتيال القائد الكبير السيد حسن نصر الله وعدد من القيادات الكبيرة لفصائل المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان واليمن والعراق، وتطوّر عبر سلسلة من الضربات المتبادلة التي شهدتها المنطقة، وصولاً إلى محاولة كسر إرادة "محور المقاومة" برمّته.
يقف الملف النووي الإيراني في صدارة المبررات الرسمية للحرب؛ إذ اتهمت واشنطن وتل أبيب طهران بالسعي لامتلاك سلاح نووي، واصفتين إياه بأنه "تهديد وجودي". غير أن وقائع المفاوضات —الأخيرة— التي سبقت الحرب تشير إلى أن الدبلوماسية كانت قد وصلت إلى مرحلة حرجة وناضجة قُبيل الهجوم، وأن إيران أبدت مرونة كبيرة في ملف التخصيب مقابل رفع العقوبات وقضايا أخرى. والمفارقة العظمى أن الحرب قد تؤدي إلى ما كانت تدّعيه مبرراً لها وتسعى إلى منع حدوثه بحسب وصفها، إذ تشير التحليلات إلى أن إيران قد تسرّع الآن وجهتها نحو امتلاك السلاح النووي رداً على التهديد الوجودي الذي واجهته وتتعرض له، وهو ما سيكون حقاً طبيعياً لها في وجه عدوان غاشم يعلن أن هدفه القضاء عليها وتدمير حضارتها.
المبررات المتتالية:
ما يميز هذه الحرب عن سابقتها في يونيو/حزيران 2025 هو تحول الأهداف من "تحييد البرنامج النووي" إلى "تغيير النظام" بشكل علني. فبينما تركزت أهداف العمليات الأولى على تدمير المنشآت النووية والدفاعات الجوية، فإن المرحلة الثانية من الحرب – المنطلقة في فبراير/شباط 2026 – استهدفت القيادة السياسية والعسكرية مباشرة، باغتيال المرشد الأعلى وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين. ومهما تعددت المبررات التي تسوقها الإدارة الأميركية، فإنها جميعاً تظل مجرد ذرائع واهية:
- انهيار المفاوضات النووية بعد أن وصلت إلى طريق مسدود (والسبب الحقيقي هو تعنّت أميركا وتراجعها عن التزاماتها).
- الادعاء بأن إيران باتت على بعد أسابيع من امتلاك سلاح نووي (وهو ادعاء تكرر لعقود من دون دليل).
- الدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الاحتجاجات الداخلية في إيران (وهي ورقة استغلالية تتناقض مع ما تقوم به أميركا و"إسرائيل" من جرائم فظيعة، ودعم أميركا لأنظمة استبدادية تواليها).
- حماية أمن "إسرائيل" وحلفاء واشنطن في الخليج (وجزئية هذه المقولة "أمن إسرائيل" هي حقيقة الحرب وغايتها الاستراتيجية، والتي تعني وضع مصالح الاحتلال فوق حق إيران في السيادة والتنمية).
غير أن كثيراً من المراقبين يرون في هذه المبررات "ذريعة" أكثر منها أسباباً حقيقية. فالهدف الاستراتيجي الأعمق، كما يشير محللون في معهد الدراسات الاستراتيجية (IISS)، هو "إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقاً للأجندة الأميركية-الإسرائيلية التي ترى في "إسرائيلط الكبرى مشروعاً قابلاً للتطبيق من دون إيران الإسلامية فقط، وكسر ما تبقى من أنظمة مقاوِمة للهيمنة الغربية في المنطقة".
الغايات والأهداف: إعادة رسم خريطة المنطقة
يمكن تلخيص الأهداف الاستراتيجية للحرب الأميركية الإسرائيلية، كما يراها المحللون المنحازون للعدالة والحق، على المستويات التالية:
المستوى المباشر (التكتيكي):
- تدمير القدرات العسكرية الإيرانية: الصاروخية، والجوية، والدفاعية، التي تعتبر رادعاً حقيقياً للعدوان.
- تحييد القدرة النووية الإيرانية بشكل نهائي، لمنع أي خلل في ميزان القوة لصالح المقاومة.
- تصفية القيادة السياسية والعسكرية للنظام، بهدف شلّ حركة المقاومة وتركها بلا رأس.
المستوى المتوسط (العملياتي):
- إحداث فراغ في السلطة يسمح بظهور انشقاقات داخل النظام أو اندلاع حرب أهلية، وهو حلم قديم للاستخبارات الغربية.
- دعم المعارضة الداخلية والحركات الانفصالية لإضعاف الدولة من الداخل، تمهيداً لتقسيم إيران على أسس عرقية وطائفية.
- تفكيك "محور المقاومة" بالكامل؛ إذ سبقت هذه الحرب عمليات إضعاف منهجية لحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، وإسقاط النظام السوري، وتشديد العدوان والعقوبات على اليمن.
ج. المستوى البعيد (الاستراتيجي):
- إقامة نظام في طهران يكون "خاضعاً ومطيعاً" لأميركا و"إسرائيل"، يفتح الباب أمام النفوذ الغربي ويسهّل السيطرة على ثروات إيران النفطية والغازية، التي ظلت تُنهب لعقود قبل انتصار الثورة الإسلامية.
- ترسيخ الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية على المنطقة، على حساب النفوذ الروسي والصيني، واستكمال مشروع "الشرق الأوسط الجديد".
- تهيئة الأرضية لإقامة "إسرائيل الكبرى" من خلال إضعاف كل القوى التي تقف أمام المشروع التوسعي الصهيوني، وعلى رأسها إيران.
د. المستوى التمهيدي (لحروب قادمة):
- إضعاف إيران ومحور المقاومة ليس هدفاً نهائياً للصهيونية العالمية، بل هو تمهيد لاستهداف دول إقليمية كبرى أخرى. ففيما لو نجحت أميركا و"إسرائيل" في تحييد إيران، فإن الأنظار ستتجه مباشرة نحو مصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان، لتفكيك أي قوة إقليمية يُحتمل قدرتها على تحدي الهيمنة الغربية-الصهيونية مستقبلاً. إذ تبقى هذه الدول هي "الأهداف القادمة" في الأجندة التوسعية لا محالة.