الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على الأمن القومي الإقليمي (2-4)
الحرب على إيران بين سياقات التصعيد والأجندات الخفية، وانعكاساتها على تماسك النظام والمجتمع الإيراني ومستقبل المنطقة.
-
الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على الأمن القومي الإقليمي (2-4)
المحور الثاني: سياقات الحرب وارهاصاتها وأجنداتها الخفية
السياق الزمني: بين حربين
لم تنشأ من فراغ الحرب الحالية، بل جاءت كحلقة ضمن سلسلة متصلة من التصعيد. إذ يمكن تتبّع السياق الزمني كالآتي:
- حزيران/يونيو 2025: ما يعرف بحرب الأيام الاثني عشر (Rising Lion)، التي ركّزت على المنشآت النووية ودفاعات إيران الجوية. وتمكّنت إيران من الصمود وتوجيه ضربات مؤلمة للعدو.
- 23 حزيران/يونيو 2025: إعلان ترامب وقف إطلاق النار، الذي وصفه محلّلون بأنه "هدنة تكتيكية" أكثر منه سلاماً مستداماً، أُعيد خلالها ترتيب الصفوف الإسرائيلية ـــــ الأميركية.
- شباط ـــــ فبراير 2026: انهيار المفاوضات النووية التي كانت تجري في سلطنة عمان، رغم التقارير التي تحدّثت عن "تقدّم إيجابي"، وذلك بضغط إسرائيلي مباشر على إدارة ترامب.
- 28 شباط ـــــ فبراير 2026: انطلاق عملية "الغضب العارم" بضربة استهدفت السيد علي الخامنئي وكبار القادة، في محاولة لتنفيذ تكتيك "قطع الرأس" وتحقيق الانهيار الكامل، وهو ما فشلت واشنطن في تحقيقه.
هذا التسلسل الزمني يكشف نمطاً ممنهجاً: فترات هدوء قصيرة تعقب كلّ جولة حرب، تُستغلّ لإعادة التموضع والتخطيط للجولة التالية، من دون وجود مسار دبلوماسي جادّ نحو تسوية مستدامة، مما يؤكّد أنّ الحرب كان مخططاً لها مسبقاً وليست ردّ فعل على تطوّر طارئ.
السياق السياسي الداخلي الأميركي: ترامب بين الإكراه والطموح
يؤدّي الرئيس الأميركي دونالد ترامب دوراً محورياً في اندلاع الحرب. فأغلب المحلّلين يصفون موقفه بأنه "ارتجال عالي المخاطر"، حيث وجد نفسه محاصراً بين قراراته السابقة (الانسحاب من الاتفاق النووي 2018، والذي يعتبره كثيرون من أكبر الأخطاء الاستراتيجية في التاريخ الدبلوماسي الحديث) وضغوط حليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فمن ناحية، وعد ترامب أثناء حملاته الانتخابية بعدم خوض حروب جديدة. ومن ناحية أخرى، كان بحاجة إلى تعزيز موقفه الانتخابي بإظهار القوة. كما أنّ التحدّيات الداخلية ـــــ على المستويين الاقتصادي والسياسي ـــــ جعلت من الحرب وسيلة لصرف الأنظار وتعزيز شعبية الرئيس لدى قاعدته الجمهورية والصهيونية المتشدّدة. لكن من الواضح أنّ ترامب راهن على حرب سريعة وحاسمة، وهو ما لم يتحقّق له.
السياق الإسرائيلي: نتنياهو وهوس الأمن
يمثّل الجانب الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يصفه المحلّلون بالمأزوم نفسياً والمريض السياسي الذي يعاني من "هوس أمني" يدفع به نحو خوض حرب وجودية ضدّ إيران. بالنسبة لـ "إسرائيل الكبرى" والصهيونية العالمية، فإنّ الحرب على إيران تمثّل الفرصة الأخيرة لضرب إيران وإضعافها وتدمير البرنامج النووي قبل أن يصبح "منيعاً"، وكذلك تفكيك "محور المقاومة" الذي رأت فيه تهديداً وجودياً، خاصة بعد عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023) التي شكّلت صدمة استراتيجية للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية وأثبتت هشاشة كيان الاحتلال.
الأجندات الخفية: ما وراء التصريحات الرسمية
وراء الأقنعة الرسمية (النووي، الإرهاب، حقوق الإنسان، وكلاء إيران، الأمن الإقليمي)، ثمّة أجندات أعمق، يكشف عنها أيّ تحليل منحاز لصالح الشعوب المقهورة:
أ. السيطرة على الموارد: تمتلك إيران رابع احتياطي نفطيّ في العالم وثاني احتياطي غازيّ. والإطاحة بنظام طهران تعني فتح الباب أمام الشركات الغربية للسيطرة على هذه الثروات، وهو ما يمثّل استكمالاً لنهب ثروات المنطقة الذي بدأ منذ قرون.
ب. إعادة النفوذ على حساب الصين وروسيا: مع تصاعد النفوذ الصيني والروسي في المنطقة (عبر مبادرات مثل الحزام والطريق، والتعاون العسكري)، فإنّ واشنطن ترى في إيران حليفاً رئيسياً لموسكو وبيجين. وأيّ إضعاف لإيران يمثّل ضربة غير مباشرة للمنافسين، والحفاظ على التفرّد الأميركي في المنطقة.
ج. كسر أنظمة المقاومة: يمثّل محور المقاومة الذي تتصدّره إيران العقبة الرئيسية أمام المشروع الإسرائيلي ـــــ الأميركي في المنطقة. والحرب على إيران هي حرب على كلّ هذه الجبهات، بهدف إخضاع المنطقة بالكامل للهيمنة الصهيونية.
د. تمهيد الطريق لـ"إسرائيل الكبرى": ما لا يقال علناً هو أنّ دول الخليج، ومصر، والعراق، وسوريا، والأردن، ولبنان كلّها تقع ضمن خارطة "إسرائيل" التوسّعية. مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي يمتدّ من النيل إلى الفرات ليس مجرّد شعار، بل هو مخطط استراتيجي صهيوني قديم يعاد إحياؤه اليوم. وإضعاف إيران هو إزالة آخر عقبة كبرى أمام هذا المشروع. فبعد إيران، ستأتي الدول العربية الكبرى (مصر، السعودية)، ثمّ الدول الإسلامية غير العربية (تركيا، باكستان) لتكون الأهداف التالية. هذه حقيقة يجب ألّا تغيب عن أيّ تحليل جادّ.
المحور الثالث: تداعيات الحرب على الوضع الإيراني
تداعياتها على النظام الإيراني
اغتيال المرشد الأعلى وكبار القادة العسكريين: صدمة لم تكسر النظام
اغتيال السيد علي خامنئي في الساعات الأولى من الحرب شكّل صدمة مدوّية للنظام الإيراني ومحور المقاومة والإقليم. وكذلك اغتيال قائد حرس الثورة، إلى جانب عدد من كبار القادة العسكريين. فقدان هذه الرموز في وقت واحد كان بمثابة زلزال هزّ أركان النظام والشعب. لكنّ النظام ـــــ ومعه الشعب ـــــ أثبتا معاً صلابة النظام وتماسكه وتلاحمه مع الشعب، وأنه نظام مؤسسات غير قابل للسقوط والانهيار تحت أيّ ظرف، وأنّ قدرته على الامتصاص والتكيّف السريع أقوى من أيّ نظام آخر على المستوى الإقليمي والدولي.
آلية الخلافة: انتقال حازم وسريع
على عكس التوقّعات الغربية التي راهنت على انهيار النظام سريعاً، تمّ تفعيل آلية "مجلس خبراء القيادة" في غضون 48 ساعة فقط. تلا ذلك انتخاب السيد مجتبى خامنئي (نجل المرشد الراحل) قائداً جديداً للشعب والنظام ومرشداً أعلى للثورة، وهو ما خفّف من هول الصدمة وعالج كثيراً من هواجس القلق والتوتر، وطمأن الشعب وجميع الحلفاء والأصدقاء، وقدّم رسالة قوية تؤكّد ضمان ديمومة الاستمرار في نهج الثورة وخط الإمام. هذا يعني أنّ الحرب بدلاً من أن تنتج نظاماً ضعيفاً أو موالياً أو منسجماً مع الغرب كما كان مخطّطاً له، قد أنتجت وضعاً جديداً وقائداً رشيداً، وأنّ المستقبل قد يكون أكثر تشدّداً وصلابة وحسماً في ملفات عديدة.
وقد لاحظت في إيران أثناء مشاركتي في تشييع سماحة الإمام الشهيد أنّ نظام طهران وشعب إيران فرح جداً وسعيد جداً ومتمسّك جداً بالسيد مجتبى وقيادته، وأكثر حزماً وعزماً والتفافاً حول النظام والقيادة الجديدة. وهذا بحدّ ذاته شكّل صفعة مرتدّة أكثر عنفاً وقوة داخل أروقة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والغربية، وأنّ أميركا قد تترحّم ـــــ مستقبلاً ـــــ على خامنئي الأب والقادة الشهداء والوضع السابق.
احتمالات التصدّع والانشقاق — آمال تحت السيطرة:
مع فقدان "القائد التاريخي الشهيد"، روّجت البروباغندا الغربية الصهيونية لظهور بوادر صراع داخلي بين التيار المحافظ والتيار البراغماتي، ونسجت حكايات من الوهم والخيال. لكنّ المرشد الجديد وقيادات النظام ومؤسساته الأمنية والعسكرية أمسكت بزمام الأمور ومنعت انزلاق النظام إلى صراع داخلي يحقّق أهداف الحرب المكشوفة. ومع أنّ النظام الإيراني قد يكون مرّ بمرحلة صعبة نتيجة لهول الصدمة، لكنه لن يسقط، بل سيخرج من هذه المحنة أكثر تماسكاً ووحدة.
تداعياتها على الداخل الإيراني
أ-الحالة الأمنية: اتّحاد وطني غير مسبوق
- في الأيام الأولى للحرب، حدثت حالة "اتّحاد وطني" استثنائية حول النظام، حيث اصطفّ الإيرانيون (بمن فيهم بعض أطياف المعارضة التقليدية) ضدّ "العدوان الخارجي". ارتفع التطوّع في حرس الثورة بمئات الآلاف، وتوقّفت الاحتجاجات الداخلية تماماً. العدوان الغاشم حقّق ما لم يحقّقه أيّ خطاب وطني سابق: وحدة الصف الوطني الإيراني.
- مع استمرار الحرب الشاملة، حاول العدو الدفع ببعض المظاهر الاحتجاجية إلى الشارع، وقدّم لها الدعم السياسي والمالي والعسكري، لكنها فشلت تماماً وبقيت بلا أيّ تأثير استراتيجي.
ب-الحالة السياسية: قيادة حازمة للمرشد الجديد
مع استشهاد السيد خامنئي الأب والعديد من كبار القادة، كان من المتوقّع أن تشلّ القيادة وتفقد قدرتها على السيطرة. لكنّ المرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي أثبت قدرة استثنائية على إدارة الأزمة وتجاوزها إلى حالة من الثبات والاستقرار، وأصدر أوامره الحاسمة، وأعاد توزيع المهام، ووحّد الصفوف خلفه. ونستطيع القول بأنّ إيران اليوم بقيادة المرشد الجديد، أكثر حزماً وأقلّ تردّداً مما كانت عليه في العقود السابقة.
ج-الحالة الاقتصادية: حرب تجويع، لكنّ الشعب صامد
الحرب ضربت الاقتصاد الإيراني، وأثّرت على استقرار العملة الوطنية، وثمن المعيشة الاستهلاكية، وهذا شيء وارد في الحروب، وهو ما وصل إلى مستوى أعلى بأضعاف مما وصل إليه داخل أميركا والغرب والمستوى العالمي برمّته.
د-الحالة الاجتماعية: صمود مجتمعي واستقرار
على الصعيد الاجتماعي والإنساني لم تتأثّر إيران كثيراً، واستوعبت أيّ محاولات للنزوح والتهجير، ومفاقمة الوضع المعيشي والخدمي والتنموي، وسارت الأمور بشكل منتظم وفاعل، واستقرّت الخدمات كما كانت، وتجاوز النظام محاولات صنع أزمة إنسانية تدفعه نحو الضعف والاستسلام، وفاقت مشاهد التضامن الشعبي بين الإيرانيين كلّ التوقّعات، وأثبتت أنّ المجتمع الإيراني أقوى من أيّ عدوان خارجي.