الحدود السورية – اللبنانية: بين الواقع وأمنيات العدو

سردية "الصاروخ اللبناني" ذاتها، أتت مقصودة وضمن سياق ممنهج يخدم أكثر من هدف، منها تعمية الحقيقة عمّا حدث وتكرر في "سرغايا" فعلًا!

  •  احتمال تدخّل عسكري سوريّ في لبنان؟
    احتمال تدخّل عسكري سوريّ في لبنان؟

ما إن أعلن بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية، عن سقوط "صاروخ لبناني" في محيط بلدة "سرغايا"، حتى سرى خطاب إعلاميّ وشعبويّ يتحدّث عن احتمال تدخّل عسكري سوريّ في لبنان، بالتزامن مع العدوان الذي يشنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي على لبنان وشعبه.

والواقع، أن سردية "الصاروخ اللبناني" ذاتها، أتت مقصودة وضمن سياق ممنهج يخدم أكثر من هدف، منها تعمية الحقيقة عمّا حدث وتكرر في "سرغايا" فعلًا، ثمّ تسويق الحديث عن "تدخل سوري" ضد المقاومة اللبنانية، لغرض حصارها بين النيران الإسرائيلية والسورية والتآمر الداخلي اللبناني بعض الرسميّ، وتكريس فكرة وجود "أمر أميركي" واجب التنفيذ من جميع الجهات الرسمية في الإقليم، يقضي بوجوب التحرك للقضاء على المقاومة بكل الطرق والسبل.

وقد ساهمت شخصيات لبنانية عُرفت على مدى سنوات طويلة، بعدائها للوجود العسكري والأمني السوري السابق في لبنان، في الترويج، عبر وسائل التواصل الإجتماعي خصوصًا،  لهذه الفكرة باعتبارها "واجبة ومشروعة" ويجب دعمها. بينما اقتصر التحريض من الجانب السوري، على بعض الحسابات التي لا وزن لأصحابها ولا حيثية، في وسائل التواصل. 

وبالعودة إلى "سرغايا"، البلدة السورية الواقعة بمحاذاة سلسلة جبال لبنان الشرقية، والتي تكرر ذكر اسمها لأكثر من مرة، وفي ذات السياق، خلال أقل من ثلاثة أيام،  فقد أقدمت 15 مروحيّة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي على الطيران على علوّ منخفض فوق قرى السلسلة الشرقية لجبال لبنان، لينحرف عدد منها وينفّذ إنزالًا لقوة عسكرية في سهل بلدة البلدة السورية، وتتخذ منه منطلقًا للتسلل إلى الأراضي اللبنانية تحت غطاء ناري كثيف من باقي المروحيات.

لكنّ القوة الإسرائيلية الغازية جوبهت بمقاومة شديدة من الجانب اللبناني، حيث تبين أن مقاتلي حزب الله كانوا على أهبة الاستعداد على ذلك المحور. وقد أدى الاشتباك الشديد إلى وقوع قذائف على أطراف سهل "سرغايا"، في الجهة التي حاولت القوة الإسرائيلية التسلل منها، بينما أكدت مصادر المقاومة إسقاط مروحية إسرائيلية في جرود بلدة "النبي شيت" اللبنانية.

لم تكن تلك المحاولة الإسرائيلية هي  الأولى من ذلك الجانب، بل سبقتها بأقل من يومين فقط، عملية أخرى استهدفت بلدة "النبي شيت"، تفيد المعلومات والمعطيات أنها بدأت من ثلاثة محاور، أحدها محور "القوز – سرغايا"، وشارك فيها عدد كبير من المروحيات والطائرات الحربية والهجومية التي نفذت أكثر من أربعين غارة لتغطية انسحاب عشرات الجنود المظليين الذين تسللوا إلى البلدة وتلقوا مقاومة عنيفة بعد انكشاف أمرهم والاشتباك معهم.

رسميًّا، ورغم انتشار تقارير عديدة تتحدث عن اتّخاذ القوات الإسرائيلية لمواقع ونقاط داخل الأراضي السورية كمنطلق للهجوم خلال العمليّتين، إلّا أن أي تعليق رسميّ سوري لم يصدر لينفي أو يؤكّد هذا الأمر. وقد اكتفت "هيئة العمليات" في الجيش السوري، بالقول إنّ قذائف مدفعية "مصدرها الأراضي اللبنانية"، قد سقطت بالقرب من بلدة "سرغايا"، بينما ذكرت وكالة الأنباء السورية "سانا" أنّ "الجيش قد رصد وصول تعزيزات إلى الحدود السورية – اللبنانية، ويجري تقييم الوضع بدقة"، وأنه يتواصل مع الجيش اللبناني "لبحث الخيارات المناسبة لاتخاذ الإجراءات اللازمة". 

ومع تصاعد الحديث الإعلامي غير الرسمي حول "تدخل عسكري سوري في لبنان"، والذي شاركت فيه وسائل إعلام ومواقع ومنصات تتبع لكيان الاحتلال، منها "هيئة البث" الإسرائيلية التي تحدثت عن "وجود نيات لدى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، لشنّ هجمات ضد حزب الله في البقاع اللبناني"، انتشرت وحدات جديدة من الجيش السوري على الحدود مع لبنان والعراق، فسّرتها وزارة الدفاع السورية في بيان لها، بأنها "إجراء وقائيّ لضبط الحدود في ظلّ التطورات الإقليمية وتصاعد التوترات المتعلقة بإيران"، وأوضحت "إدارة الإعلام والاتصال" في الوزارة، أن هذا الأنتشار "إجراء دفاعي سيادي لا يستهدف أي دولة أو جهة، ويهدف حصريًّا لحماية الحدود ومنع أي أنشطة غير قانونية"، لافتةً إلى عمليات التهريب المستمرة منذ عهد النظام السابق، والتي تنعكس سلبًا على الأمن والاستقرار في سوريا وبلدان الجوار، وأن ما يجري من تعزيز للوجود العسكري على الحدود "لا يُمثّل تصعيدًا عسكريًّا، بل خطوة تهدف إلى ضبط الحدود وتعزيز الاستقرار في ظل الظروف الحالية"، وأنه لا وجود لأي "نيات أخرى" لدى وزارة الدفاع السورية.

كما نقل "تلفزيون سوريا" عن مصادر رسمية لبنانية، أن "تنسيقًا مباشرًا يجري عبر قنوات عسكرية وأمنية بين الطرفين"، يهدف إلى الاطّلاع على حقيقة التحركات الأخيرة، لمنع أي التباس قد يحصل في ظلّ تصاعد التوترات في المنطقة، وأنّ الجانب السوري قد أكد للمعنيين اللبنانيين "عدم وجود أي نيات عدائية أو إجراءات تستهدف لبنان". وأن من بين الأهداف الرئيسية لهذا الإنتشار، هو "منع استخدام الأراضي السورية كمنصّة لأي نشاط عسكري أو أمني مرتبط بالصراعات الإقليمية والدولية الدائرة حاليًّا في المنطقة.

ومن جهته، أجرى الرئيس السوري، أحمد الشرع، اتصالًا ثلاثيًّا مع الرئيسين، الفرنسي إيمانويل ماكرون، واللبناني جوزاف عون. وقد أكّد الشرع خلال الحديث على "دعم سوريا الكامل لاستقرار وسلامة لبنان".

وفي أول موقف رسميّ واضح من المقاومة اللبنانية خلال الحرب الجارية، شدّد الشرع خلال الاتصال على "دعم مساعي حكومة لبنان في استعادة السيادة وتعزيز الأمن ونزع سلاح حزب الله". كما أشار إلى ضرورة وأهمية فتح صفحة جديدة على مسار العلاقات السورية – اللبنانية، تقوم على التعاون والتنسيق بين الجانبين "بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين".

وبعيدًا عن التصريحات الرسمية والدبلوماسية، ومع العلم أن واشنطن و"تل أبيب" مارستا وتمارسان ضغوطًا بهذا الاتجاه، فإنّ المعطيات تشير إلى صعوبة تحقيق سيناريو التدخل السوري ضد المقاومة في لبنان، لأسباب عديدة، منها أن النظام القائم الذي لم يمضِ على وجوده في الحكم، سوى سنة وثلاثة أشهر تقريبًا، وما زال يعتبر نفسه في طور "إعادة بناء الدولة وهيكلة المؤسسات"، يبدو أنه لا يريد الانخراط في صراعات إقليمية، ترى جهات فاعلة في دمشق، أنها ستنعكس سلبًا على الداخل السوري بشكل كبير، وستورط البلاد في معارك وحروب ليست جاهزة أو مستعدة لها، وستزيد من الشروخ والانقسامات في مجتمع ما زالت تداعيات الحرب وما تلاها من أحداث، تمزقه.

ناهيك عن أن "إسرائيل" التي تشن هذه الحرب، ما تزال تواصل اعتداءاتها على الأراضي السورية وتوغلاتها فيها، رغم إبداء دمشق، مرات عديدة، استعدادها للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق يُنهي هذا الوضع في الجنوب السوري.

 والأهم من هذا كله، سياسياً واستراتيجيًّا، أنّ تركيا، الحليف الأبرز لدمشق، ترى في أي تفوّق إسرائيلي في المنطقة، خطرًا كبيرًا على أمنها القومي، كما ترى في "انتصار إسرائيل" في هذه الحرب، مقدّمة لاستهدافها. وبالتالي، فإن أي "مساعدة" للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، تعني اقتراب الخطر أكثر من تركيا، وهو ما لن تُقدم عليه حكومة دمشق أو تكون جزءًا منه.

أما على المستوى الداخلي، فعلى الرغم من وجود شريحة اجتماعية سورية تعلن عداءها لقوى محور المقاومة بشكل صريح، وذلك منذ السنوات الأولى للحرب التي شهدتها البلاد، وترى في الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية، حليفًا ضامنًا للسلطة الحاكمة التي يُشكّل هؤلاء بعض بيئتها الحاضنة، وهي أيضًا شريحة متأثرة بالخطاب الطائفي الذي بذل المشروع الأميركي – الإسرائيلي جهودًا كبيرة وأموالًا طائلة (بتمويل عربي) لترويجه وتكريسه، فإن شرائح واسعة من الشعب السوري، ما تزال قادرة على تمييز مشاريع الاحتلال والهيمنة وتمزيق المنطقة ونهب ثروات شعوبها وسلب سيادتها وكرامتها الوطنية، وهي شرائح وازنة (رغم عدم امتلاكها منصات إعلامية تُظهر واقعها ومواقفها) تقف بوضوح ضد "إسرائيل" والولايات المتحدة في هذه الحرب، وهو أمر يمكن لمسه بوضوح داخل المجتمع السوري، وذلك رغم  المحاولات الإعلامية الممنهجة التي تبذل جهودًا واضحة في الترويج لعكس ذلك.

وهنا، لا بأس من التطرق إلى موضوع المنشورات الموقّعة باسم "أهل السنة والجماعة" في سوريا، والتي استفاق سكان بعض الأحياء الدمشقية ليجدوها ملصقة على جدران منازلهم قبل يومين، والتي تُعلن بشكل واضح عن وقوف السوريين إلى جانب قوى المقاومة التي تواجه العدوان الأميركي – الإسرائيلي على المنطقة وأهلها.

وعلى الرغم من صعوبة التثبّت من هوية الجهة التي تقف خلف تلك المنشورات، إلّا أن فحوى الملصقات التي تتحدث عن الموقع الحقيقي لسوريا وأهلها في صراع الحق والباطل، قد لاقى استحسانًا كبيرًا لدى الشرائح الأوسع من السوريين، بكل تأكيد.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.