التصعيد مع إيران... من يدير القرار في "إسرائيل"؟

لم تعد واشنطن العامل الأكثر تأثيراً في سلوك نتنياهو، بل باتت استطلاعات الرأي هي العامل الأكثر حسماً، ونتنياهو يعرف أنّ مستقبله السياسي لن يُحسم في البيت الأبيض، بل داخل صناديق الاقتراع الإسرائيلية.

0:00
  • من يدير القرار في
    من يدير القرار في "إسرائيل"؟

التصعيد الجديد بين "إسرائيل" وإيران، رغم المعارضة الأميركية المعلنة، يطرح سؤالاً مركزياً حول كيفية صناعة القرار الإسرائيلي في هذه المرحلة الحسّاسة.

فهل ما يجري مرتبط فقط بحسابات المؤسسة العسكرية والتوازنات التقليدية داخل "الدولة"، أم أنّ التحوّلات التي شهدتها بنية القرار السياسي والأمني في "إسرائيل" منذ السابع من أكتوبر غيّرت طبيعة هذا القرار نفسه؟ وما هو دور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في ذلك؟

بعد السابع من أكتوبر، لم يعد ممكناً فهم السياسة الإسرائيلية،وخاصة في الملف الإيراني، فقط عبر المؤسسات أو الحسابات العسكرية التقليدية، بل أصبح فهم شخصية نتنياهو نفسه جزءاً أساسياً من فهم مجرى الأحداث. ليس لأنّ الرجل يتحكّم بكلّ شيء وحده، وإنما لأنّ بنية الحكم في "إسرائيل" خلال سنواته الطويلة تحوّلت تدريجياً إلى نموذج شديد التمركز حول رئيس الوزراء، وخاصة في قضايا الحرب والأمن والقرار الاستراتيجي.

نتنياهو يدرك أنّ أخطر ما يهدّده اليوم ليس خصومه فقط، بل صورة "الفشل" المرتبطة بالسابع من أكتوبر. لذلك هو في وضع سياسي لا يسمح له بأن يظهر كرجل مرتبك أو متردّد أو عاجز عن فرض الإرادة الإسرائيلية. 

 لكن بعد الصدمة، تغيّرت البيئة السياسية والنفسية بالكامل. وأصبح التردّد أخطر عليه من التصعيد، وأصبح بحاجة دائمة لإعادة إنتاج صورة "القائد الحاسم" القادر على استعادة الردع وهيبة "الدولة".

ومن هنا يمكن فهم كيف استطاع تحويل فشل السابع من أكتوبر من تهديد شخصي وجودي إلى فرصة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل "الدولة". فبدلاً من أن يتحوّل مباشرة إلى المتهم الأول، نجح سياسياً في توجيه جزء كبير من الغضب نحو "الجيش" والمؤسسة الأمنية وأجهزة "الدولة"، تحت عنوان "الفشل المنظومي". هذا لا يعني أنه تخلّص من المسؤولية، لكنه نجح في تأجيل لحظة محاسبته الشخصية.

لكنّ الأهمّ من مجرّد تأجيل المحاسبة، هو أنّ نتنياهو استغلّ مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر لإعادة هندسة منظومة اتخاذ القرار نفسها، بحيث تصبح أكثر خضوعاً لسلطته السياسية المباشرة وأقل استقلالية من السابق. الحرب لم تكن فقط معركة عسكرية بالنسبة إليه، بل أيضاً فرصة لإعادة تشكيل مراكز القوة داخل "الدولة".

أحد أبرز النماذج على ذلك ظهر في المؤسسة الأمنية نفسها. فبعد موجة تحميل المسؤوليات عن فشل السابع من أكتوبر، شهدت المؤسسة العسكرية والأمنية سلسلة انتقالات وتغييرات في المناصب العليا، فتراجع نفوذ عدد من الشخصيات المرتبطة بمرحلة الفشل، وصعد بالمقابل ضباط وشخصيات يُنظر إليهم باعتبارهم أكثر قرباً من رؤية نتنياهو السياسية والأمنية. عملياً، تحوّلت "المحاسبة" إلى أداة لإعادة تشكيل هرم القرار داخل "الدولة"، وليس فقط لمعالجة الإخفاقات.

النموذج الأكثر وضوحاً كان في أزمة جهاز الشاباك. فنتنياهو دخل في مواجهة مباشرة مع رئيس الجهاز السابق "رونين بار"  بعدما تصاعد الخلاف بينهما على خلفية تحقيقات داخلية وقضية "قطر غيت" التي طالت مقرّبين من نتنياهو. ورغم الاعتراضات القانونية والسياسية، مضى نتنياهو في تعيين الجنرال "ديفيد زيني" رئيساً جديداً للشاباك، في خطوة اعتبرها كثيرون تعبيراً عن رغبته في إحكام السيطرة السياسية على أحد أكثر الأجهزة حساسية داخل الدولة.

طريقة التعيين نفسها كانت دالة سياسياً. فالمستشارة القضائية عارضت الخطوة، كما أُثير جدل واسع داخل المؤسسة الأمنية حول تجاوز آليات التوافق التقليدية في التعيينات الحسّاسة. ومع ذلك، أصرّ نتنياهو على المضي بالتعيين، في رسالة واضحة مفادها أنّ القرار النهائي في قضايا الأمن الداخلي يجب أن يبقى بيد القيادة السياسية، حتى لو اصطدم ذلك بالمؤسسة القضائية أو الأمنية.

كما أنّ اختيار زيني لم يكن محايداً بالكامل. فالرجل يُعرف داخل الأوساط الإسرائيلية بمواقفه الأكثر تشدّداً تجاه الحرب وصفقات الأسرى، ما جعله أقرب إلى المزاج السياسي لليمين الحاكم. 

وفي السياق نفسه، برزت قضية تعيين "رومان غوفمان" سكرتيره العسكري في موقع رئيس بالموساد، رغم التحفّظات داخل المؤسسة نفسها. فالتعيين عُدّ بالنسبة لمنتقدي نتنياهو استمراراً لمحاولة بناء شبكة ولاءات شخصية داخل الأجهزة الأمنية، بحيث تصبح المناصب العليا مرتبطة بثقة رئيس الوزراء السياسية أكثر من ارتباطها بالتوازنات المهنية التقليدية داخل المؤسسات.

ما يجري هنا يتجاوز مجرّد خلافات شخصية بين نتنياهو ورؤساء الأجهزة. نحن أمام عملية أعمق: إعادة تعريف العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية. تاريخياً، كانت "إسرائيل" تقوم على توازن نسبي بين السياسيين والأجهزة الأمنية والعسكرية، حيث تمتلك المؤسسات المهنية هامشاً واسعاً من الاستقلالية. أما بعد السابع من أكتوبر، فيبدو أنّ نتنياهو يحاول دفع النموذج باتجاه أكثر مركزية وشخصنة، بحيث تصبح الأجهزة مرتبطة مباشرة بشرعية القيادة السياسية ورغبتها.

هذا الخوف الوجودي لدى نتنياهو بلغ ذروته مع اقتراب انتخابات الكنيست المقبلة، المتوقّع إجراؤها بحدّ أقصى في 27 تشرين الأول/أكتوبر من العام الجاري. فاستطلاعات الرأي حتى الآن لا تمنحه ضمانة البقاء في السلطة، بل تُظهر استمرار الانقسام الداخلي الإسرائيلي، مع وجود كتلة واسعة ما زالت تحمّله جزءاً أساسياً من مسؤولية كارثة السابع من أكتوبر. ولهذا السبب تحديداً، أصبح نتنياهو أكثر حساسية تجاه المزاج الداخلي الإسرائيلي، وأكثر استجابة لاحتياجات جمهوره السياسي من استجابته للضغوط الأميركية.

في مثل هذه الظروف، لم تعد واشنطن العامل الأكثر تأثيراً في سلوك نتنياهو، بل باتت استطلاعات الرأي ومؤشرات المزاج الإسرائيلي الداخلي، هي العامل الأكثر حسماً، ونتنياهو يعرف أنّ مستقبله السياسي لن يُحسم في البيت الأبيض، بل داخل صناديق الاقتراع الإسرائيلية. ولذلك فإنّ أيّ خطوة عسكرية أو سياسية أو تفاوضية سيقيسها أولاً بميزان تأثيرها على صورته داخل المجتمع الإسرائيلي، وخاصة داخل جمهور اليمين.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يتصرّف أحياناً بطريقة تبدو متناقضة مع الرغبات الأميركية. فعندما يشعر أنّ التراجع سيُفسَّر داخلياً كضعف أو خضوع للضغوط الخارجية، يميل إلى التصعيد أو إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدّداً، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع واشنطن. بالنسبة إليه، الخطر الحقيقي ليس الغضب الأميركي المؤقت، بل فقدان صورة "القائد القوي" أمام الناخب الإسرائيلي.

وعندما يتعرّض لضغط أميركي، يحاول غالباً تحويله إلى رصيد داخلي. فهو يقدّم نفسه لجمهوره باعتباره الرجل القادر على قول "لا" حتى للحليف الأميركي عندما يتعلّق الأمر بما يسمّيه "أمن إسرائيل" أو "استقلال القرار الإسرائيلي". وهذه الرسالة تلقى صدى واسعاً داخل اليمين الإسرائيلي، الذي يحمل منذ سنوات هاجس بناء "دولة" قادرة على فرض إرادتها من دون الخضوع الكامل للضغوط الأميركية. وهو ما يفسّر جزئياً ميله إلى اتخاذ خطوات تصعيدية حتى بعد الضغوط الأميركية، بما يمنع ظهوره داخلياً بمظهر المتراجع أو الخاضع، كما حدث بقرار قصف الضاحية الجنوبية.

نتنياهو يدرك أيضاً حقيقة سياسية شخصية شديدة القسوة: ما دام رئيساً للحكومة، ستبقى واشنطن والعالم مضطرّين للتعامل معه، مهما بلغت الخلافات. أما إذا خسر السلطة، فسيفقد بسرعة جزءاً كبيراً من حصانته السياسية والشخصية، وسيتحوّل من "رجل دولة لا يمكن تجاوزه" إلى سياسي يواجه خطر العزلة أو حتى المحاكمات.

رغم تضخّم دور نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، لا تزال المؤسسة الأمنية و"الجيش" والرأي العامّ والولايات المتحدة تفرض قيودها على القرار الإسرائيلي. لكن ما تغيّر فعلاً، هو حجم الدور الذي بات نتنياهو يؤدّيه في توجيه هذا القرار ومساره، والأهمّ أنّ ذلك بات يتناغم أكثر مع المزاج الشعبي للجمهور الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. 

 لذلك، لم يعد فهم السياسة الإسرائيلية اليوم ممكناً من دون فهم الطريقة التي أعاد بها بنيامين نتنياهو تشكيل العلاقة بين الحرب والسلطة والقرار بعد السابع من أكتوبر.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.