الأولويات الوطنية الفلسطينية بين الطوفان والتحرير

الأولويات الوطنية الفلسطينية بين الطوفان والتحرير في إطار البرنامج الوطني المرحلي أو برنامج الوجود والصمود هو مرحلة مؤقتة للخروج من مأزق المشروع الوطني الوجودي.

0:00
  • البرنامج الوطني المرحلي تفرضه الضرورة الوطنية.
    البرنامج الوطني المرحلي تفرضه الضرورة الوطنية.

بعد دخول القضية الفلسطينية نفق أوسلو؛ وسقوط الحركة الوطنية في بئر الانقسام، وغرق الأنظمة العربية في مستنقع التطبيع، وظهور النتائج الكارثية لحرب الإبادة الإسرائيلية عقب (طوفان الأٌقصى)، دخل المشروع الوطني الفلسطيني في مأزق وجودي عميق، يتطلب بالضرورة من حركة التحرر الفلسطينية بشقيها الوطني والإسلامي القيام بعملية نقد ذاتي ومراجعة موضوعية لتصويب مساراتها النضالية والتنظيمية، ولتصحيح مضامينها الفكرية والسياسية، بهدف إعادة وضع عجلات قطار المشروع الوطني الفلسطيني على قضبان طريق التحرير والعودة والاستقلال.

وحتى إنجاز هدف عودة قطار مشروع التحرير والعودة والاستقلال إلى طريقه الصحيح، وريثما يلتقط الشعب الفلسطيني أنفاسه، وتستعيد المقاومة الفلسطينية قوتها، وتتغير قواعد الاشتباك لصالح محور المقاومة، وترجح موازين القوى في كفة أحرار الأمة، وتنكسر غطرسة الكيان الصهيوني ويبدأ منحنى انحداره نحو الهاوية... حتى ذلك الحين القادم لا محالة لا بد من وجود برنامج وطني فلسطيني مرحلي بعد (طوفان الأٌقصى) وحرب الإبادة، وقبل انطلاق قطار المشروع الوطني الفلسطيني إلى محطة (تحرير فلسطين).

البرنامج الوطني المرحلي تفرضه الضرورة الوطنية، فالضرورة الذاتية تفرض نفسها بعد فشل الفصائل الفلسطينية في التوافق على: مشروع وطني جامع، ومرجعية وطنية موّحدة، وسلطة فلسطينية واحدة... وانتهى بها المطاف بعد أوسلو والانقسام والطوفان إلى نتائج كارثية على الشعب والقضية والمقاومة. والضرورة الموضوعية تفرض نفسها بعد رفض الكيان الصهيوني كل مشاريع حل القضية الفلسطينية بحدها الأعلى أو الأدنى، من حل الدولة الواحدة إلى حل الدولتين، وحتى الحل عبر بوابة مشروع أوسلو أو صفقة القرن لم تعد مقبولة لديه، والمقبول فقط بعد مشاريع الإبادة والتهجير والاستيطان والضم هو ‘دارة فلسطينية خدماتية بدون كيان وطني جامع وسيادة وطنية مستقلة وأفق سياسي تحرري.

أمام هذه الضرورة الذاتية والموضوعية الخيار الوطني الأكثر واقعية وإلحاحاً للخروج من مأزق المشروع الوطني الوجودي هو الذهاب إلى برنامج وطني فلسطيني جامع كمرحلة انتقالية تُمّهد لبناء مشروع التحرير والعودة والاستقلال، تكون أولويات البرنامج الوطني بعد الطوفان وقبل التحرير هي: وقف الخسارة الفلسطينية في مرحلة الهجوم الإسرائيلي، وضرورة التمسك بالحقوق الوطنية في زمن العلو الصيوأمريكي، وأهمية الحفاظ على المكتسبات النضالية في مرحلة الجزر الثوري.

ويُمكن ترجمة هذه الأولويات كبرنامج عمل له خطط واضحة وواقعية لوقف حرب الإبادة الإسرائيلية، والتصدي لخطر التهجير القسري و(الطوعي)، والحفاظ على الأرض من خطر المصادرة والاستيطان، وإفشال مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، واستئناف الحياة المدنية، واستعادة الأمل في الحياة والثقة بالنصر.

 الأولويات الوطنية الفلسطينية بين الطوفان والتحرير في سياق البرنامج الوطني المرحلي هي: معالجة النتائج الكارثية لحرب الإبادة الإسرائيلية بإعادة إعمار الإنسان والبُنيان، وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني على أساس برنامج الضرورة الوطنية لتعزيز وجود وصمود الشعب الفلسطيني في فلسطين، وتجاوز الإفرازات السلبية لمشروع أوسلو بإيجاد واقع سياسي ووطني جديد متجاوز لأوسلو، والبناء على مكتسبات مراكمة النضال الوطني الفلسطيني في مختلف مجالات المقاومة: الشعبية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والإعلامية والثقافية وغيرها.

والعنوان المركزي الذي تندرج تحته هذه الأولويات الوطنية في مرحلة ما بعد حرب الإبادة الإسرائيلية هو (الوجود والصمود) كاستجابة طبيعية ومنطقية لتحدي (الإبادة والتهجير)، كقاعدة صلبة لأي مشروع تحرير وطني ومقاومة شاملة، فالوجود الفعلي والمادي للشعب الفلسطيني داخل فلسطين المُحتلة من البحر إلى النهر مُتمسكاً بأرضه ووطنه، وخارج فلسطين مُرتبطاً بأرضه ووطنه، كجماعة وطنية واحدة لها قضية وطنية واحدة هو جوهر القضية الفلسطينية وضمان وجودها.

والصمود الوطني بمعنى إصرار ومثابرة الشعب الفلسطيني على التمسك بأرضه وحقوقه وأهداف التحرر والعودة والاستقلال هو الركيزة الثانية بعد الوجود للقضية الفلسطينية ومنع تصفيتها... وعنوان (الوجود والصمود) يتطلب توفير مقومات الحياة المادية والمعنوية للشعب الفلسطيني داخل فلسطين وأهمها: الخدمات الحياتية وفرص التعليم والعمل، وثقافة الصمود والمقاومة وأمل التحرير والعودة.

إذا ما تم التوافق الوطني على تلك الأولويات الوطنية الفلسطينية في إطار البرنامج الوطني المرحلي فلا خيار أمام الفلسطينيين سوى تجميد كل خلافاتهم الأخرى وتأجيلها لمرحلة لاحقة والذهاب إلى خيار الضرورة الوطنية بين الطوفان والتحرير (البرنامج الوطني المرحلي) أو (برنامج الوجود والصمود)، ومن ثم التعامل مع حوامل البرنامج المُتاحة والموجودة أو الواقعية والمفروضة، وهي: منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، ولجنة إدارة غزة.

منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية وطنية للبرنامج المرحلي وأولوياته الوطنية، بعد دخول حركتي الجهاد وحماس كجزء أساسي من مكوناتها، وبعد إعادة بنائها على أساس الشراكة الكاملة والعادلة، وبدون التقيد بالتزاماتها باستثناء برنامج الوجود والصمود المرحلي. والسلطة الوطنية الفلسطينية كجهة تنفيذية للبرنامج المرحلي وأولوياته الوطنية سواء بشكل مباشر في الضفة أو غير مباشر في غزة وبوضعها الحالي أو بعد تجديدها. ولجنة إدارة غزة إذا ما كُتب لها الحياة رغم مجيئها في سياق خارجي مفروض وفق خطة ترامب المقبولة فصائلياً فمن الممكن استيعابها والاستفادة منها لخدمة برنامج الوجود والصمود ودمجها في الإطار الوطني.

الأولويات الوطنية الفلسطينية بين الطوفان والتحرير في إطار البرنامج الوطني المرحلي أو برنامج الوجود والصمود هو مرحلة مؤقتة للخروج من مأزق المشروع الوطني الوجودي والوصول إلى محطة انطلاق قطار المشروع الوطني الفلسطيني نحو محطته النهائية نحو التحرير والعودة والاستقلال، وبين محطتي الانطلاق والوصول يحمل معه الثوابت الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها: وحدة الأرض الفلسطينية من البحر إلى النهر، ووحدة الشعب الفلسطيني في داخل فلسطيني التاريخية وخارجها، وثبات الأهداف الوطنية بالتحرير والعودة والاستقلال، ووضوح اسلوب التحرير بالنضال الوطني والمقاومة الشاملة لا سيما النضال العسكري والمقاومة المُسلّحة.