اشتباكات تايلاند- كمبوديا: عوامل داخلية وضغوط أميركية
جاء وقف إطلاق النار بين كمبوديا وتايلاند مدعوماً بالترهيب من قبل الولايات المتحدة الأميركية، التي ضغطت على بانكوك وبنوم بنه لوقف الاشتباكات، تحت طائلة فرض رسوم جمركية عليهما.
-
تعود جذور الصراع بين كمبوديا وتايلاند إلى أكثر من قرن.
في الـ 26 من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وفي أثناء زيارته ماليزيا لحضور القمة الـ47 لرابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، رعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوقيع الرسمي على اتفاق وقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا، وصرّح قائلاً "لقد فعلنا شيئاً قال الكثيرون إنه لا يمكن فعله". ووصف رئيس وزراء كمبوديا هون مانيت ذلك اليوم بأنه يوم تاريخي وقال رئيس وزراء تايلاند أنوتين تشارنفيراكول إن الاتفاق يخلق اللبنات الأساسية لسلام دائم.
يتفاخر الرئيس الأميركي دائماً بأنه أنهى العديد من الحروب خلال هذا العام، حتى أن ادعاءاته هذه أوردها في الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأميركي، ومن القضايا التي كثيراً ما يستشهد بها عند الحديث عن الحروب التي يدعي أنه أوقفها قضية تايلاند وكمبوديا.
غير أن الرياح جرت بما لا يشتهي ترامب، إذ عادت الاشتباكات لتندلع مجدداً على الحدود بين تايلاند وكمبوديا، وسط تبادل الاتهامات حول المسؤول عن خرق وقف إطلاق النار الذي توسط فيه الرئيس الأميركي.
وجاء اتفاق وقف إطلاق النار بين البلدين بعد اشتباكات دامية في تموز/ يوليو الماضي على حدودهما، أسفرت عن مقتل العشرات وتهجير الآلاف، فضلاً عن أضرار جمّة لحقت باقتصاد كل منهما.
تعود جذور الصراع بين كمبوديا وتايلاند إلى أكثر من قرن، وتحديداً إلى ترسيم الحدود بينهما، والتي تمتد لأكثر من 800 كلم، خلال الحقبة الاستعمارية، حيث كانت كمبوديا تخضع للاستعمار الفرنسي وتايلاند مملكة مستقلة. وعندما رسمت السلطات الاستعمارية الفرنسية خريطة الحدود عام 1907، أغفلت تحديد أربع مناطق متنازع عليها، بما في ذلك المنطقة المحيطة بمعبد برياه فيهير الذي طالب به البلدان.
في العام 1962 منحت محكمة العدل الدولية المعبد لكمبوديا، لكن تايلاند استمرت في المطالبة بالأراضي المحيطة به، ما أدى إلى استمرار النزاع الحدودي. وفي العام 2013 قضت محكمة العدل الدولية بأن المعبد ملك لكمبوديا بالكامل، وأمرت تايلاند بسحب قواتها، إلا أن بانكوك ما زالت ترفض اختصاص المحكمة، ولا تزال المنطقة المحيطة بالموقع تشهد اشتباكات بين الحين والآخر، إذ اندلعت مواجهات بين البلدين عامي 2008 و 2011 ، وعادت لترتفع وتيرة الصراع خلال شهر أيار/ مايو الماضي عقب مقتل جندي كمبودي خلال تبادل لإطلاق النار مع تايلاند. وظلت الأوضاع متوترة بين بانكوك وبنوم بنه إلى أن وقعت الاشتباكات العسكرية في تموز / يوليو الماضي، وتوقفت بعد تدخل الرئيس ترامب وماليزيا والصين.
غير أن تايلاند علّقت الشهر الماضي الاتفاق الذي رعاه ترامب من جانب واحد، عقب انفجار لغم أرضي أسفر عن إصابة عدد من الجنود التايلانديين، إلى أن تصاعدت المواجهة بين البلدين قبل عدة أيام، وأسفرت عن مقتل العشرات ونزوح أكثر من نصف مليون شخص.
عوامل داخلية
جاء وقف إطلاق النار بين كمبوديا وتايلاند مدعوماً بالترهيب من قبل الولايات المتحدة الأميركية، التي ضغطت على بانكوك وبنوم بنه لوقف الاشتباكات، تحت طائلة فرض رسوم جمركية عليهما، ولم تُحل مشكلة الحدود بين البلدين من جذورها، وبالتالي كان اتفاق وقف إطلاق النار هشاً منذ البداية، وكان من المتوقع أن ينهار في أي وقت وتتجدد الاشتباكات.
إضافة إلى ذلك، تلعب العوامل الداخلية، دوراً محورياً في تجدد الاشتباكات على الحدود، إذ تستخدمها الحكومات لتحقيق مكاسب سياسية، أو لصرف الانتباه عن التحديات المحلية، حيث يوظف كل طرف خطاب الدفاع عن الأرض لتعزيز شرعيته الشعبية، خاصة خلال فترة الأزمات أو التغيرات في السلطة.
فبالنسبة إلى كمبوديا، تشهد البلاد أوضاعاً اقتصادية واجتماعية صعبة وفساداً واحتيالاً إلكترونياً، لذلك تحاول الحكومة التي يتولاها هون مانيت، الذي تولى الحكم خلفاً لوالده هون سين، إظهار قوتها وقدرتها على الإمساك بزمام الأمور في البلاد.
أما بالنسبة إلى تايلاند، يُلقي عدم الاستقرار السياسي بظلاله على ثاني أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، والذي يُعاني من تداعيات الرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع ديون الأسر، وضعف الاستهلاك. وتأتي هذه التوترات في وقت تواجه فيه حكومة أنوتين تشارنفيراكول، رئيس الوزراء الجديد، الذي تولى منصبه في أيلول/ سبتمبر الماضي، خلفاً لبايتونغتارن شيناواترا، التي استقالت رسمياً في آب/ أغسطس الماضي، بعد أن قضت محكمة دستورية بأنها انتهكت الأعراف الأخلاقية، وأضرت بسمعة البلاد بسبب تسريب مكالمة هاتفية مع الزعيم الكمبودي هون سين، وواجهت انتقادات حادة بشأن قضايا عدة، منها تعامل الحكومة مع الفيضانات المدمرة التي اجتاحت جنوب تايلاند الشهر الماضي، وتنظيم دورة ألعاب جنوب شرق آسيا، وتقارير عن صلات مزعومة بين رئيس الوزراء أنوتين وشبكات احتيال إقليمية.
وأدت هذه العوامل إلى تراجع شعبية رئيس الوزراء الجديد وحزبه. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة Suan Dusit أن تأييد أنوتين أنخفض من 48% إلى 23%.
ومع تجدد الاشتباكات على الحدود، يملك أنوتين حافزاً لصرف الانتباه عن بعض هذه القضايا قبيل الانتخابات النيابية، المقرر إجراؤها بين 45 و60 يوماً، بعد أن حلّ رئيس الوزراء البرلمان.
ويبدو أن أنوتين يركز حالياً على المكاسب المحلية المحتملة من تبني موقف حازم بشأن الحدود مع كمبوديا، لاستغلال المشاعر القومية وزيادة شعبيته قبيل الانتخابات.
العامل الأميركي
رفضت تايلاند تدويل النزاع الحدودي مع كمبوديا، ولم توافق على وقف إطلاق النار، إلا بعد أن لوّح ترامب بالرسوم الجمركية عليها بنسبة 36%، إذ كانت كل من تايلاند وكمبوديا آنذاك على بعد أيام فقط من الموعد النهائي للتفاوض على تخفيضات كبيرة في الرسوم الجمركية على صادراتهما إلى الولايات المتحدة الأميركية، بينما كمبوديا وبسبب اختلال التوزان العسكري مع تايلاند ترحب بالوساطات الخارجية، وتشعر بأنها في وضع غير مواتٍ في المفاوضات الثنائية مع تايلاند.
ومع التوقيع على وثيقة وقف إطلاق النار بين كمبوديا وتايلاند في كوالالمبور، أبرم الرئيس ترامب اتفاقية معادن مع تايلاند، واتفاقية بشأن التجارة المتبادلة مع كمبوديا.
ربما كانت تايلاند تتوقع من الولايات المتحدة الأميركية موقفاً أكثر تعاطفاً معها بسبب التعاون التايلاندي الأميركي الطويل، على الرغم من أن واشنطن كانت منزعجة من علاقة بانكوك ببكين، والتي تجلّت عبر الترحيل القسري لإيغوريين إلى الصين، ولجوء المصنّعين الصينيين الذين يواجهون تعرفات جمركية أميركية باهظة، إلى نقل إنتاجهم أو توجيهه نحو تايلاند للاستفادة من سهولة وصول بانكوك إلى الأسواق الأميركية.
وربما يريد أنوتين أن يحصل على تنازلات أكبر من الولايات المتحدة الأميركية في خضم المشاورات المنعقدة بين الجانبين، حول اتفاقية تجارة، والإصرار على تشكيل لجنة تحقيق دولية حول زراعة كمبوديا لألغام أرضية، انتهاكاً لاتفاقية أوتاوا الخاصة بحظر الألغام الأرضية لعام 1997، وبذلك يحصل رئيس وزراء تايلاند على دعم أكبر من شعبه قبيل الانتخابات.
قد يلجأ الرئيس ترامب الذي وعد بالتدخل مجدداً لوقف إطلاق النار بين كمبوديا وتايلاند إلى تعليق المفاوضات التجارية مع تايلاند، أو إلى زيادة الرسوم الجمركية على البلدين، أو على تايلاند بهدف إرغامهما على الرضوخ لمطالبه، ومع ذلك سيكون وقف إطلاق النار هشاً، وربما يدخل البلدان في مشاورات برعاية أميركية صينية ومن قبل مجموعة الآسيان لإيجاد حل لمسألة الحدود، التي قد تمتد لسنوات تستفيد فيها كمبوديا وتايلاند من الدعم الشعبي للحكومات المتعاقبة.