إلى أي مدى يمكن أن يصل الدعم الصيني لفنزويلا في نزاعها مع واشنطن؟

إذا لم تتدخل الصين في ملف فنزويلا، فإن ترامب لن يكتفي بتقليص نفوذها في هذا البلد، بل سيلاحقها في بلدان أخرى يكون لها فيها نفوذ كبير.

  • هل تقف الصين تقف بكين مكتوفة الأيدي حيال أزمة فنزويلا؟
    هل تقف الصين تقف بكين مكتوفة الأيدي حيال أزمة فنزويلا؟

قبل عدة أشهر، تفاخر الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بأنه تلقى من نظيره الصيني شي جين بينغ هاتفاً محمولاً لا يمكن التنصت عليه، إذ إنه مصمم خصيصاً لحماية الاتصالات من أي اختراق خارجي.

وإذا كانت الصين تهدف من وراء ذلك إلى تأمين الحماية الشخصية للرئيس مادورو، إلا أن حماية نظامه من السقوط من جراء الضغوطات الأميركية، وحمايته من الاعتقال، أو النفي خارج البلاد، مسألة شائكة بالنسبة إلى بكين، لكونها تدخل في إطار التنافس الصيني الأميركي.

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل عدة أيام فرض حصار بحري على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التي تدخل فنزويلا وتغادرها في خطوة تهدف إلى قطع المصدر الرئيسي لدخل حكومة مادورو، إذ يتهم ترامب كاراكاس باستخدام عائدات النفط لتمويل أعمال العنف المرتبطة بتجارة المخدرات، ويزعم أنها تسرق النفط من الولايات المتحدة الأميركية.

يأتي هذا القرار من ضمن الهجمات المكثفة التي يشنها ترامب على مادورو، والتي تشمل ضربات عسكرية على قوارب يشتبه في تهريبها المخدرات في منطقة بحر الكاريبي، وفرض عقوبات، وتصنيف النظام الفنزويلي منظمة إرهابية أجنبية. ويبرر ترامب تصرفاته هذه بأنها تهدف إلى مكافحة تهريب المخدرات، ويقول إن حكومة مادورو متورطة في الاتجار بالبشر وغير شرعية. 

ويكمن الهدف الأساسي لترامب في إسقاط نظام مادورو ودفعه إلى الاستسلام. وربما تشابكت الأهداف الشخصية لترامب بتصفية حساباته مع مادورو وطموحات الهيمنة الجيوسياسية في نصف الكرة الغربي وخنق نفوذ الصين وروسيا المتنامي.

كثّف ترامب ضغوطاته على الرئيس الفنزويلي بعد الاتصال الهاتفي بينهما، والذي عرض فيه ترامب على مادورو اللجوء إلى روسيا، أو إلى أي بلد يختاره، غير أن مادورو كان له قائمة مطالب رفضها بدوره ترامب.

إزاء التحركات الأميركية ضد فنزويلا، أبدت الصين دعمها الكامل لفنزويلا، ورفضت التدخل في شؤونها الداخلية تحت أي ذريعة، ودعت جميع الأطراف إلى الحفاظ على أميركا اللاتينية منطقة سلام.

لطالما دعمت الصين الرئيس مادورو خلال رئاسته منذ العام 2013، والرئيس هوغو تشافيز قبل ذلك. وفي الوقت الذي رفضت فيه العديد من الدول نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي وانتهت بفوز مادورو، أبدت الصين دعمها له، وأكدت أنها ستدعم بقوة جهود فنزويلا لحماية سيادتها الوطنية وكرامتها واستقرارها الاجتماعي. 

وقد ساهم الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وفنزويلا في تسريع التقارب بين بكين وكاراكاس التي وجدت في الصين طوق نجاة لها للتخفيف من حدة العقوبات المفروضة عليها، لاسيما في مجال النفط، الذي يشكل عصب الاقتصاد الفنزويلي، إذ يساهم بأكثر من 80% من صادرات البلاد، ونحو 17% من ناتجها المحلي الإجمالي.

ولفنزويلا أهمية كبيرة لدى الصين بسبب غناها بالنفط وموقعها الاستراتيجي ضمن مبادرة الحزام والطريق، فضلاً عن رغبة الصين في توسيع نفوذها في أميركا اللاتينية التي تُعد مصدراً أساسياً للمواد الخام والمعادن الاستراتيجية مثل الحديد والليثيوم والكولتان والنحاس.

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط مؤكد في العالم، والصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي، إذ يشكل 4% من إجمالي وارداتها من النفط الخام. عام 2024، اشترت الصين ما يقارب 351 ألف برميل من النفط الفنزويلي يومياً، وهو رقم يمكن أن يكون أعلى في الواقع بسبب التهريب والالتفاف على العقوبات. ويتوقع خبراء أن تتجاوز واردات الصين من النفط الفنزويلي خلال الشهر الحالي 600 ألف برميل يومياً.

وإلى جانب الثروة النفطية، تمتلك فنزويلا احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي وخام الحديد والبوكسيت، وهذا ما يفسر سبب اهتمام الدول الكبرى بهذا البلد الذي يتزايد الصراع عليه.

ترتبط الصين وكاراكاس بشراكة استراتيجية بكل الأحوال  All-Weather Strategic Partnership، وهو التصنيف الذي تحتفظ به الصين لعدد محدود من الدول كإثيوبيا وباكستان. والصين هي من أكبر شركاء فنزويلا بحجم تبادل تجاري بلغ عام 2024 نحو 6.8 مليار دولار أميركي مع احتمالية زيادته خلال السنوات القادمة بعد توصل البلدين إلى اتفاق جزئي يمهّد لإعفاء كامل لنحو 400 منتج فنزويلي.

أما في مجال التسليح، فرغم أن فنزويلا حصلت سابقاً على أسلحة صينية كطائرات تدريب قتالية ومركبات مدرعة، إلا أن التقارير تشير إلى تقليص الصين لصادرات السلاح لفنزويلا منذ عام 2023 تجنباً لتوتير علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، أو بسبب صعوبات في الدفع.

تستثمر الصين بكثافة في فنزويلا، ولا سيما في مشاريع النفط والغاز والبنى التحتية، عبر صيغ قروض مقابل النفط وبأسعار تفضيلية.

الاستثمارات الصينية في فنزويلا، لا سيما في البنى التحتية الاستراتيجية والموانئ، أثارت قلق الولايات المتحدة الأميركية التي ترى أنه قد يحمل طبيعة ثنائية الاستخدام (مدني وعسكري)، وربما تكون لدى بكين رغبة في إنشاء قاعدة عسكرية في فنزويلا.

وفي الوقت الذي كان ترامب يهدد ويتوعد فنزويلا بضربات عسكرية، كانت بكين وكاراكاس تدشنان خطاً بحرياً (خط تيانجين- كاراكاس) ضمن مبادرة الحزام والطريق، يربط بين الموانئ الصينية والفنزويلية، ويهدف إلى تقليص مدة الشحن إلى النصف. ومن أجل ترسيخ الشراكة بين البلدين، فهما يتفاوضان أيضاً على اتفاقية إعفاء جمركي بما لا يقل عن 400 منتج فنزويلي، ما من شأنه تعزيز الصادرات الفنزويلية إلى السوق الصينية الضخمة.

 وبالفعل، سعى البلدان إلى زيادة المنتجات الفنزويلية إلى الصين. فقد ارتفعت الصادرات الفنزويلية إلى العملاق الآسيوي العام الحالي. فخلال شهر تشرين الأول /أوكتوبر 2025 ، صدّرت فنزويلا إلى الصين 120 مليون دولار بزيادة 123% عن تشرين الأول / أكتوبر 2024، إذ بلغت صادراتها إلى الصين 53.9 مليار دولار.

مما لا شك فيه أن الحصار الذي يفرضه ترامب على النفط الفنزويلي قد يؤثر على الصين التي تراقب من كثب وبقلق ما ستؤول إليه الأوضاع، سواء بسبب الحصار الذي فرضه ترامب على النفط الفنزويلي، أو في حال أقدم على أي عمل عسكري ضد فنزويلا، لأن من شأن ذلك أن يؤثر في مصالحها الاقتصادية والسياسية.

يُعد النفط الفنزويلي ذا أهمية بالغة للصين، وتهديدات ترامب بشن عمليات عسكرية ضد فنزويلا أو حتى في حصاره للنفط الفنزويلي، يهدف جزئياً إلى تقييد نفوذ الصين المتنامي في منطقة أميركا اللاتينية، فالرئيس الأميركي واجه الصين في قناة بنما. والآن يريد تقييد حضورها في فنزويلا، وبكين تدرك ذلك جيداً.

بالنظر إلى إستراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة، ركز ترامب على تطبيق مبدأ مونرو من أجل استعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، ومنع المنافسين من نشر قوات، أو السيطرة على أصول ذات أهمية استراتيجية حيوية، وهو يقصد الصين وإن لم يسمّها بالاسم.

لا تتصرف الصين بشكل انفعالي وتصادمي فهي تدرس خطواتها بعناية مدروسة. فقد اعتمدت على الأسلوب الدبلوماسي حيث أعربت عن دعمها لفنزويلا سواء عبر تصريحات مسؤوليها، إذ قال وزير خارجيتها وانغ يي في مكالمة هاتفية مع نظيره الفنزويلي أن الصين تعارض أسلوب "الترهيب بشكل أحادي" أو في المحافل الدولية، إذ أيدت عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن بخصوص كاراكاس.

على الرغم من أهمية فنزويلا للصين وتعرض مصالحها للخطر بسبب الحصار على النفط، أو إذا استطاع ترامب إسقاط نظام مادورو، فمن غير المرجح أن تتدخل الصين عسكرياً، فهي لا تريد مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية قد تهدد مصالحها الاقتصادية والسياسية.

 ومع ذلك، لن تقف بكين مكتوفة الأيدي حيال أزمة فنزويلا، بل ستدعم كاراكاس بوسائل غير مباشرة. فهناك خيارات عديدة يمكن أن تتبعها بكين دون أن تصل إلى حد المواجهة العسكرية المباشرة مع واشنطن، منها مثلاً تقييد المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة الأميركية مقابل استمرار تدفق النفط إليها، أو إرسال المواد اللازمة لصناعة الأسلحة، أو اللجوء إلى التفاوض مع البيت الأبيض.

بطبيعة الحال، إذا لم تتدخل الصين في ملف فنزويلا، فإن ترامب لن يكتفي بتقليص نفوذها في هذا البلد، بل سيلاحقها في بلدان أخرى يكون لها نفوذ كبير فيه. لذلك، ترى أن عليها المواجهة، وإلا خسرت نفوذها التي عملت السنوات الماضية على ترسيخه، فضلاً عن أن العديد من دول العالم ستفقد ثقتها بها، ولا سيما أنها من أشد المنادين بعالم متعدد الأقطاب.