إردوغان يقاضي داود أوغلو .. للانتقام فقط؟
انفجر الخلاف بين داود أوغلو والرئيس إردوغان بعد المعلومات التي تحدّثت عن اتصالات أجراها داود أوغلو من دون علم إردوغان مع العواصم الأوروبية بهدف الحدّ من هجرة السوريين إلى أوروبا.
-
الخلاف بين داود أوغلو والرئيس إردوغان.. إلى أين؟
اضطرّ رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو (الاثنين 7 أيلول/سبتمبر) للردّ على أسئلة وكيل النيابة العامّة الذي اتهمه بالإساءة لرئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان خلال خطاب سابق له في 11 أيلول/سبتمبر 2021.
وبعد الاستجواب الذي استمر نحو تسعين دقيقة تساءل داود أوغلو "يا ترى لماذا انتظرت النيابة خمس سنوات حتى تلاحقني الآن وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ تركيا، إذ يتمّ استجواب رئيس حكومة فقط لأنه أدلى برأيه حول قضية ما".
وأكّد داود أوغلو أنه "ما زال عند رأيه الذي عبّر عنه قبل خمس سنوات، ولأنّ تركيا أصبحت الآن في وضع أسوأ بكثير عمّا كانت عليه قبل خمس سنوات وفي جميع المجالات". وتعرّض داود أوغلو قبل أيام لحملة إعلامية مسعورة من الإعلام الموالي للرئيس إردوغان والكثير من حسابات التواصل الاجتماعي التي قامت ببثّ مقطع فيديو قصير من خطابه في مدينة بينغول شرق البلاد قبل خمس سنوات، حيث اتهم الرئيس إردوغان بالفساد وقال "لقد جعل من صهره وزيراً للاقتصاد وهو لا يفقه أيّ شيء. وأصبح هو وأفراد عائلته أثرياء، وجعل من كلّ المقرّبين منه أغنياء بلا حدود ولا رقابة ولا حساب، والفساد والارتشاء والمحسوبية باتت متفشّية في جميع مؤسسات الدولة وفي جميع المجالات".
داود أوغلو الذي قال إنه "سيستمرّ في نضاله من أجل أن تكون تركيا دولة حضارية بكلّ المعاني، وأهمّها الديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي والنزاهة والشفافية في جميع تعاملات الدولة مع مواطنيها مع ضمان حقوقهم الدستورية والقانونية كافة، عبّر عن "قلقه من مستقبل المسار الذي تنتهجه الحكومة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية".
الأوساط السياسية التي ذكّرت بموقف داود أوغلو الذي أعلن في 22 آب/أغسطس الماضي اعتزاله العمل السياسي بعد أن قرّر حلّ حزب المستقبل الذي كان قد أسسه في 12 كانون الأول/ديسمبر 2019، كانت قد تحدّثت أيضاً عن احتمالات عودته لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي استقال منه في 13 أيلول/سبتمبر 2019 بعد خلافه مع الرئيس إردوغان.
وتحدّثت أوساط أخرى عن صراع بين الأجنحة داخل حزب العدالة والتنمية، وقالت إنّ الجناح الذي يقوده برات آلبايراك وهو صهر الرئيس إردوغان قد سرّب الفيديو القديم لمنع داود أوغلو من العودة إلى الحزب بعد تحقيق المصالحة مع الرئيس إردوغان الذي قد يفكّر حينها وبعد ضمان ولائه المطلق له في تعيينه في منصب جديد داخل تركيا أو خارجها، وعلى سبيل المثال الحلف الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة لما له من خبرة نظرية وعملية في هذه المجالات.
فقد كان أستاذاً في إحدى الجامعات التركية في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، قبل أن يعيّنه عبد الله جول الذي أصبح رئيساً للوزراء نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2002 مستشاراّ للسياسة الخارجية. واستمر داود أوغلو في منصبه هذا عندما حلّ إردوغان محلّ جول في رئاسة الحكومة في 9 آذار/مارس 2003.
وأصبح داود أوغلو عام 2009 وزيراً للخارجية ومن ثمّ رئيساً للحكومة للفترة 2014-2016 بعد أن كان مهندس السياسة الخارجية التركية عبر التحالف مع واشنطن في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير ومن بعده "الربيع العربي". وقامت واشنطن والعواصم الغربية آنذاك وبكلّ مؤسساتها المختلفة بتسويق تجربة حزب العدالة والتنمية إلى الدول العربية والإسلامية، حيث استلم هذا الحزب ذو الأصول الإسلامية المعتدلة السلطة عبر انتخابات ديمقراطية في بلد مسلم وعلماني.
وانفجر الخلاف بين داود أوغلو والرئيس إردوغان بعد المعلومات التي تحدّثت عن اتصالات أجراها داود أوغلو من دون علم إردوغان مع العواصم الأوروبية بهدف الحدّ من هجرة السوريين إلى أوروبا وهو ما لم يغفره إردوغان.
وكان ذلك سبباً كافياً لإقالة داود أوغلو من رئاسة الحكومة ولاحقاً زعامة حزب العدالة والتنمية وعلى الرغم من الانتصار الذي حقّقه في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2015. وشهد الحزب بعد ذلك العديد من حالات التمرّد ضدّ إردوغان الذي تخلّص من جميع رفاق دربه، بمن فيهم رئيس الجمهورية السابق عبد الله جول ونائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان ومعظم الذين أسسوا الحزب في آب/أغسطس 2001، كما أنه تخلّص من أنواع المعارضة السياسية والإعلامية والاجتماعية كافة، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري الذي أعادت المحكمة كمال كليجدار أوغلو إلى زعامته من جديد مما دفع الزعيم المنتخب أوزغور أوزال لتشكيل الحزب الجديد.
في الوقت الذي يقبع فيه عدد كبير من رؤساء البلديات، وأهمّهم رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، في السجون بتهم الفساد التي فشلت النيابة العامّة بإثباتها، مما دفع المحكمة لمنعه من الدفاع عن نفسه ضدّ شهود الزور الذين لفّقوا الأكاذيب ضدّه وضدّ الآخرين من رؤساء البلديات وأعضاء المجالس البلدية.
وأجبر وكلاء النيابة العامّة البعض منهم على الاستقالة من أحزابهم والانضمام لحزب العدالة والتنمية بالتهديد والابتزاز أو مقابل إغراءات مالية. وأدّت كلّ هذه التطوّرات مع قصص الفساد الخطيرة التي بات الجميع يعرفها لردود فعل واسعة في الشارع الشعبي الذي تبيّن كلّ استطلاعات الرأي أنّ معظمه لن يصوّت للعدالة والتنمية والرئيس إردوغان في الانتخابات المقبلة.
مع استمرار الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة التي تعاني منها تركيا ووصول ديونها الخارجية إلى 600 مليار دولار في الوقت الذي زادت فيه نسبة التضخّم عن 60% مع تراجع خطير في القيمة الشرائية لليرة التركية وارتفاع خطير في الأسعار التي أثقلت كاهل المواطن التركي وخاصة العمال والمتقاعدين والموظفين.
ودفع ذلك الحكومة للاستمرار في سياسات الخصخصة لتغطية العجز في الميزانية العامّة، فقرّرت بيع كلّ الجسور المعلّقة والأنفاق والطرقات السريعة والسدود والموانئ وبعد أن باعت كلّ المصانع والمعامل التي بنيت منذ أكثر من خمسين عاماً.
ومن دون أن يبالي الرئيس إردوغان بكلّ هذه المعطيات الخطيرة والانتقادات التي توجّهها له المعارضة، ورجّح على ذلك ملاحقة كلّ من يتحدّث عن هذه السلبيات التي يبدو أنها ستهدّد مستقبله السياسي. وأثبتت كلّ استطلاعات الرأي أنّ إمام أوغلو أو رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش سيهزمان إردوغان وبفارق كبير في الانتخابات المقبلة في حال إجرائها بشكل ديمقراطي ونزيه.
وهو ما يشكّك به الكثيرون بمن فيهم قادة المعارضة ومنهم داود أوغلو الذين يشيرون إلى سيطرة إردوغان على الجهاز القضائي والمفوّضية العليا للانتخابات التي تشرف على العملية الانتخابية، كما هم يستشهدون بما قاله الرئيس ترامب لإردوغان خلال آخر لقاء بينهما في البيت الأبيض في 25 أيلول/سبتمبر العام الماضي حيث أشار إليه بأصبعه وقال "هذا الرجل يعرف عمليات التزوير في الانتخابات أكثر من أيّ شخص آخر".