إثيوبيا والبحر الأحمر والنظام الرئاسي: مخرجات الحوار الوطني على المحك
تقدّم ديباجة دستور إثيوبيا لعام 1995 فلسفة النظام الفدرالي بعبارة:" نحن، أمم وقوميات وشعوب إثيوبيا". وتعكس هذه الصيغة الاعتراف بالتعدد القومي والإثني والثقافي واللغوي، وجعلت الشراكة بين المكوّنات الاجتماعية أساساً لبناء الدولة.
-
النظام السياسي في إثيوبيا: حل للأزمة أم استدعاء للاستبداد؟
جاء الحوار الوطني الإثيوبي في ظل تحولات إقليمية ودولية، تسعى أديس أبابا إلى توظيفها لتعيد بناء مكانة البلاد في القرن الأفريقي وعلى الساحل الشرقي لأفريقيا، حيث تعاظمت أهميتها بسبب التنافس على البحر الأحمر وخليج عدن، مع تزايد أهمية الموانئ وطرق التجارة والطاقة.
وفي الوقت ذاته ، ازداد الحضور العسكري والاقتصادي للدول العظمى والصاعدة. وفي الخضم، تعمل حكومة آبي أحمد على الحصول على ميناء بحري، تراه حاجة استراتيجية لبلد حبيس. ويحظى المسعى الإثيوبي بدعم الغرب و"إسرائيل"، اللذين يجدان في إثيوبيا شريكاً موثوقاً به في المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية في المنطقة.
وانعقد مؤتمر الحوار الوطني بين الـ 15من تموز/يوليو والـ 22 من آب/أغسطس 2026، بمشاركة نحو أربعة آلاف إثيوبي لمناقشة ثماني قضايا، من بينها نظام الحكم، وأوضاع الولايات الفدرالية، ومستقبل المادة الـ 39 من دستور 1995 الساري المفعول، واللغات الرسمية للدولة. وتقول الحكومة إن مخرجات الحوار تهدف إلى تعزيز التماسك الوطني وبناء دولة أكثر استقراراً.
وترى القوى السياسية والاجتماعية في المخرجات إعادة ترتيب للسلطة بما يعزز احتكارها لجماعة سياسية مفردة، بعيداً عن الشراكة الوطنية والتداول السلمي للحكم.
النظام السياسي في إثيوبيا: حل للأزمة أم استدعاء للاستبداد؟
تقترح مخرجات الحوار انتقالاً من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، الذي يضع السلطات والصلاحيات التنفيذية والسياسية في يد رئيس واحد. وتستمر ولاية الرئيس ست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ما يعني أن الرئيس يمكن أن يبقى في السلطة 12 سنة متتالية.
يأتي هذا الطرح في ظل هيمنة حزب الازدهار على مؤسسات الدولة، وضعف التوازن بين القوى السياسية، وضيق نطاق الرقابة البرلمانية. يمنح النظام الرئاسي الرئيس سلطة واسعة، ويخلّ بالتوازن بين السلطات الثلاث، ويضعف استقلال السلطتين التشريعية والقضائية. كما يفتح الطريق أمام حكم فردي، من دون اعتبار للمبادئ والنظم والمصالح الوطنية.
وتستأثر حكومة آبي أحمد، بجميع مقاعد البرلمان تقريباً، باستثناء 14 مقعداً، خصصها حزب الازدهار لمعارضين منتقين. وتمتد هيمنة الحزب إلى مستويات الحكم كافة، الاتحادية والولائية، وبهذا يمسك أحمد وحزبه بمفاصل السلطة التي تجمعت في يد واحدة.
وتستدعي هذه الصيغة تجربتين تاريخيتين: الحكم الإمبراطوري الذي اتّسم بمركزية القرار وانفراد قومية واحدة بقيادة الدولة وإدارتها، ونظام حكم منغستو هايلي مريم الماركسي العسكري الذي جمع هو الآخر السلطة في مركز ضيّق وأدار البلاد بالقبضة الأمنية وبسياسة الحديد والنار.
تُظهر تجارب الأنظمة الرئاسية، حتى في الديموقراطيات الراسخة، جنوحها نحو صناعة الديكتاتوريات، الأمر الذي أنتج حاجة إلى ضبط صلاحيات الرئيس بدقة متناهية، ووجود مؤسسات رقابية مستقلة. ويُعد دونالد ترامب في أميركا، مثالاً على مسالب النظام الرئاسي التي عايشها كثير من "دول العالم الثالث"، حين تطغى رؤية الرئيس ومصالح حزبه على القواعد القيمية والقانونية، مع اعتماد السلطة التنفيذية على الأغلبية الميكانيكية والعصبية الحزبية في البرلمان للبصم والتوقيع على مراد الرئيس وسلطته.
المادة 39: من ضامن للوحدة إلى مهدّد لها
تقدّم ديباجة دستور إثيوبيا لعام 1995 فلسفة النظام الفدرالي بعبارة:" نحن، أمم وقوميات وشعوب إثيوبيا". وتعكس هذه الصيغة الاعتراف بالتعدد القومي والإثني والثقافي واللغوي، وجعلت الشراكة بين المكوّنات الاجتماعية أساساً لبناء الدولة بعد عقود من المركزية القومية.
جاءت هذه الفلسفة بعد تجربتين من الحكم القمعي؛ تجربة الإمبراطور هيلا سيلاسي ثم تجربة منغستو اللذين رسّخا نموذجاً مركزياً كرّس لانفراد قومية واحدة بالسلطة ومفاصل القرار، في ظل إرث استعماري كان قد رسم حدوداً وديموغرافيات ضمّت جماعات من دون مراعاة خلفياتها؛ فتداخل الإقصاء الداخلي مع إشكالية الترسيم الخارجي، ما جعل بناء الدولة مرتبطاً بالهوية والحدود والمشاركة.
خاطبت المادة الـ 39 شواغل وتطلعات القوميات والأمم والشعوب، ومنحتها حق تقرير المصير، وربط الدستور ممارسة هذا الحق بإرادة الإقليم وشراكة اتحادية، وقيّدتها بقيود دستورية، فأتاح الدستور عبر هذه المادة للقوميات التعبير عن تطلعاتها داخل الاتحاد، وجعل الوحدة قائمة على الشراكة والاختيار.
وتتجه المقترحات الجديدة إلى حذف الاشارة إلى حق تقرير المصير، ما يثير قلق قوى سياسية واجتماعية في أوروميا والصومال وتيغراي وأوغادين، التي ترى في مضامين هذه المادة ضمانة دستورية لحماية هويتها وحقوقها السياسية. في المقابل، ترى الحكومة أن تعديل المادة ضروري للحفاظ على الوحدة الوطنية.
كان من الأفضل معالجة الثغرات التي أفرزتها التجربة الفدرالية عبر تطوير النظام، وإعادة تحديد سلطات الحكم في مستوياته كافة، وتحديد السلطات المشتركة في جداول دستورية واضحة. أما المساس بحقوق القوميات والحدود من دون توافق وطني، فيزيد القلق في بلد تشكلت حدوده وديموغرافيته بفعل التوسع والحروب والتدخلات الاستعمارية، فتعددت داخله الجماعات والهويات من دون مشتركات وطنية وفي غياب مسار مواطنة جامع.
صراع الثروة والسلطة: إعادة الترسيم والمواجهة الكبرى
يتعلق الجدل الدستوري بصراع أوسع حول الأرض والموارد والتمثيل السياسي. تحمل الأرض قيمة اقتصادية ورمزية، وترتبط بذاكرة الجماعات وهويتها ومكانتها داخل الدولة. وتنعكس إعادة تنظيم الولايات على قسمة الثروة والسيطرة على الأراضي الزراعية ومواقع التعدين والطاقة والموانئ والطرق التجارية والبنية التحتية، كما تحدد قدرة كل ولاية على التأثير في القرار الوطني.
لهذا، تصبح عملية إعادة هيكلة نظام الحكم بما في ذلك النظام الفدرالي صراعاً على الثروة والسلطة. فالولاية التي تفقد أراضي أو موارد أو مركزاً إدارياً تخسر جزءاً من نفوذها، ما يفتح المجال لصدامات جهوية واجتماعية، خاصة في المناطق التي تتصادم فيها الملكية التاريخية مع الحدود الإدارية. لذلك تحتاج هذه العملية إلى قواعد دقيقة وشفافة لتقاسم السلطة والثروة، وتتطلب ضمانات لحقوق السكان، وآليات مستقلة ومنصفة لحل النزاعات.
إعادة الترسيم: حدود لا تقبل التغيير
أوصى الحوار بإعادة رسم حدود الولايات على أساس جغرافي يضمن تنوعاً داخل كل ولاية، بهدف تجاوز الانغلاق القومي وتقوية الروابط بين السكان. وتطرح هذه التوصية أسئلة حول ملكية الأرض والتمثيل الإداري وحقوق المجتمعات المحلية ومصير المناطق المتنازع عليها. وقد يؤثر الترسيم في عائدات الموارد والاستثمارات والضرائب، لذلك يحتاج إلى مشورة شعبية ومشاورات محلية موثوقة، وخرائط دقيقة، ونظام شفاف وعادل لاقتسام الثروة وفق أسس ومرجعيات دستورية تحدد أنصبة مستويات الحكم كافة.
اللغات الرسمية بين التحدي والاستجابة
أوصى الحوار باعتماد خمس لغات رسمية اتحادية لتشارك اللغة الأمهرية الصفة. ويعيد ذلك الاعتبار للغات التي حُرمت من الوقوف على قدم المساوة مع لغة الأمهرا الذين حكموا البلاد ردحاً طويلاً وفرضوها لغة رسمية وحيدة، على أن اعتماد هذه اللغات لغات رسمية تقف أمامه تحديات كثيرة وكبيرة، منها تحديات التعليم والإدارة والقضاء والإعلام.
ويتطلب تنفيذ هذه التوصية توافقاً على خطة واضحة المعالم، قادرة على تحويل هذه التوصية المهمة إلى واقع، ومواجهة التحديات المادية والإدارية والسياسية التي يمكن أن تقف عائقاً أمام التنفيذ.
غياب المعارضة وتوقيت الحوار
جرت أعمال الحوار في ظل غياب القوى السياسية والاجتماعية الأكثر تأثيراً في البلاد. فجبهة تحرير شعب التقراي قاطعت المسار واعتبرته "مناجاة عقيمة"، ووصفته حركة فانو الأمهرية بأنه "تمرين دعائي" لاستعادة شرعية الحزب الحاكم. ورأى جيش تحرير الأورومو أن الحوار "خطاب منفرد" يهدف إلى تعديل الدستور لتعزيز سلطة رئيس الوزراء. وعلقت الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين مشاركتها بسبب خلافات حول آلية اختيار المشاركين.
لا يقتصر حضور هذه القوى على وزنها السياسي فحسب، بل يمتد إلى حضورها السكاني الكبير. فالأورومو يشكلون نحو 40% من سكان إثيوبيا، والأمهرا 30%، والتغراي 6%، ما يعني أن أكثر من ثلاثة أرباع السكان ينتمون إلى قوميات غابت قياداتها السياسية ورموزها الاجتماعية عن الحوار أو عارضت مساره. ويطرح هذا الغياب سؤالاً حول القيمة التمثيلية للمخرجات، لأن القوى الغائبة تملك حضوراً سكانياً ونفوذاً اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً واسعاً، وقدرة على تعطيل أي ترتيبات تُقر من دون مشاركتها أو موافقتها.
هل يخدم الحوار الوطني مشروع النفاذ إلى البحر؟
تتحرك إثيوبيا في ظل أزمات داخلية ومتغيرات إقليمية ودولية لتعيد تموضعها في القرن الأفريقي على نحو جديد. ويتزامن ذلك مع شراكة استراتيجية متنامية مع القوى الغربية، وفي مقدمتها أميركا، وقد أكدت وزيرة الدفاع الإثيوبية -وفقاً للإعلام الإثيوبي الرسمي- ارتقاء العلاقات بين البلدين إلى مستوى استراتيجي. وتعطي مخرجات الحوار انطباعاً بأن إعادة هندسة نظام الحكم والعلاقات الفدرالية يرتبط بمشروع النفاذ إلى البحر المدعوم غربياً، وهو ما يهدف إلى بناء مركز سياسي قادر على إدارة الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، ودعم الأدوار التي تطمح أديس أبابا إلى الاضطلاع بها في شرق أفريقيا وخليج عدن والبحر الأحمر.
فهل ينجح آبي أحمد وحكومته في تنفيذ هذا المشروع في بلد شديد التباين القومي والتاريخي والثقافي؟ وهل يؤدي تركيز السلطة وإعادة ترسيم الحدود وتوزيع الموارد إلى دعم مشروع النفاذ إلى البحر، أم يولد ارتدادات داخلية تزيد الأزمات تعقيداً؟ وما حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه إثيوبيا في الترتيبات الأمنية الإقليمية؟ وهل يتحول موقعها البحري المرتقب إلى مصدر نفوذ مستقر، أم إلى بؤرة جديدة للتنافس والصراع؟