أي الساحات سيختار نتنياهو لتعزيز حظوظه الانتخابية؟

بحسب مقرّبين من نتنياهو المأزوم، والملاحق بقضايا فساد تقضّ مضجعه صباح مساء، فإنه يحاول وضع استراتيجية قابلة للتنفيذ للخروج من وضعه الحالي، ولقلب الطاولة على رؤوس كل أعدائه في الداخل.

  • نتنياهو يحاول وضع استراتيجية قابلة للتنفيذ للخروج من وضعه الحالي.
    نتنياهو يحاول وضع استراتيجية قابلة للتنفيذ للخروج من وضعه الحالي.

يبدو أن حظوظ مجرم الحرب، والفارّ من وجه العدالة الدولية بنيامين نتنياهو ليس في أفضل حالها للمحافظة على كرسي الحكم في "الدولة" العبرية، إذ تشير معظم استطلاعات الرأي حتى تلك التي تجريها وسائل إعلام مُقرّبة منه إلى عدم تجاوز ائتلافه الحالي حاجز الاثنين والخمسين مقعداً في "الكنيست "المقبل، وهو ما يعني دون أدنى شك خسارة فادحة يحاول تفاديها بكل ما أوتيَ من قوة، ومن مخطّطات وألاعيب برع فيها خلال الفترة الماضية من حكمه.

بحسب مقرّبين من نتنياهو المأزوم، والملاحق بقضايا فساد تقضّ مضجعه صباح مساء، والعالق في أتون ملفات داخلية وخارجية معقّدة ومُستعصية، فإنه يحاول وضع استراتيجية قابلة للتنفيذ للخروج من وضعه الحالي، ولقلب الطاولة على رؤوس كل أعدائه في الداخل، ولم لا، على أولئك الموجودين في الخارج، والذين شكّلوا له معضلة يصعب الفكاك منها أو تجاوزها، ولا سيّما أنه جيّر للقضاء عليهم  كل إمكانات "دولته" المارقة، وكل ما حصل عليه من مساعدات غير مسبوقة من حلفائه على مستوى العالم، غير أنه فشل حتى الآن في تحقيق ما يسعى إليه من انتصار أو إنجاز لافت وحاسم كما يردد على الدوام، وهو الانتصار الذي يمكن أن يُشكّل له طوق نجاة من وضعه الحالي، ومن جملة الأخطار التي تهدّد مستقبله السياسي الذي يبدو قاتماً وسوداوياً ولا يُبشّر بخير. 

تعتمد استراتيجية نتنياهو الجديدة، كما يشير العديد من المعطيات، على خطة مُتعدّدة المسارات، يأتي في مقدّمتها إعادة ترتيب أوراق معسكر اليمين الإسرائيلي الذي يعاني من انقسامات خطيرة، قد تُؤدّي في بعض تداعياتها إلى ضياع العديد من الأصوات، خصوصاً في حال خاض بعض أحزاب ائتلافه الحالي الانتخابات بقوائم مُنفصلة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى فشل جزء منها في تجاوز نسبة الحسم.

مسار ثانٍ يعمل عليه نتنياهو يتعلّق بالسعي لإضعاف خصومه السياسيين سواء كانوا أفراداً أم جماعات، إذ يعمل على التحريض عليهم، والتشكيك في قدرتهم على حماية "البلاد" في حال وصولهم إلى الحكم، إضافة إلى التشكيك بوطنيّتهم وإخلاصهم "للدولة"، حيث دأب على وصفهم بأنهم أحزاب يسارية، لا تملك الرغبة أو القدرة على قيادة "إسرائيل" إلى بر الأمان في ظل التحدّيات الكثيرة التي تواجهها خلال المرحلة الحالية.

مسار ثالث يعتمد عليه بنيامين نتنياهو، وهو أهم من سابقَيه يتعلّق بإدامة الصراع العسكري في المنطقة، وعدم السماح بهدوء الجبهات المشتعلة منذ قرابة الثلاث سنوات، والتي بدأت بانطلاق شرارة معركة "طوفان الأقصى" أوائل تشرين الأول /أكتوبر من العام 2023، وامتدت بعد ذلك لتصل إلى مديات أوسع وأشمل، وصولاً إلى الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية في إيران، والتي فشلت فيها "إسرائيل" وحلفاؤها في تحقيق النصر الحاسم الذي كانوا يبشّرون به.   

في هذا الجانب تحديداً، تبدو خيارات نتنياهو أيضاً صعبة، بل وخطيرة للغاية، إذ إن المراهنة عليها وعلى إحداث اختراق واضح فيها بعد جملة الفشل والإخفاق يمكن أن ينقلب إلى مزيد من التراجع، وإلى فقدان المزيد من الأصوات والمقاعد، خصوصاً إذا ما عرفنا أن "إسرائيل" بزعامة نتنياهو، وإلى جوارها أكبر قوة عسكرية في العالم الولايات المتحدة الأميركية قد أخفقتا في تحقيق هذا الخرق، أو إحداث تحوّل جذري وحقيقي في مجريات المعركة في المنطقة، على الرغم من الهالة الإعلامية الضخمة التي أحاطت بها، والتي ما زال الحليفان ترامب ونتنياهو يستخدمانها حتى الآن للتغطية على فشلها، ولتعويض إخفاقهما الذي بات واضحاً ولا يحتاج إلى المزيد من الدلائل والشواهد.   

غير أن العالمين ببواطن مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وبطريقة تفكيره النرجسية والإجرامية، يعتقدون أنه سيفعل كل ما بإمكانه رغم ما سبق من إخفاقات، غير عابئٍ بجملة التحذيرات التي تصل إليه من القادة العسكريين والأمنيين، والتي تصبّ جميعها في خانة انعدام وجود أي فرصة لتحقيق ما فشلت فيه "الدولة" خلال السنوات الماضية، وأن خوض مغامرة جديدة، خصوصاً إذا كانت منفردة، سيكلّف "إسرائيل" خسائر جديدة هي بأمس الحاجة لتلافيها، والابتعاد عنها.

يمكننا الاعتقاد بأن نتنياهو يمكن أن يلجأ إلى عملية تصعيد عسكري أو أمني لافتة خلال الأسابيع المقبلة، سواء لتجديد ثقة المجتمع الإسرائيلي المتطرّف به، أم لتأخير موعد الانتخابات المقبلة بحجة الحرب، أو تعرّض "إسرائيل" لمخاطر وتهديدات تجعل من التصدّي لها أولوية أهم من الانتخابات البرلمانية.

هناك ثلاث ساحات يمكن أن يذهب إليها نتنياهو لتحقيق هدفه المُشار إليه أعلاه، يأتي في مقدمتها الساحة الإيرانية، والتي استعصت عليه منذ أمدٍ بعيد، وباتت تشكَل عقدة مستعصية لم يجد لها حلّاً منذ بداية وصوله إلى الحكم لأول مرة قبل ثلاثين سنة تقريباً.

في المرحلة الحالية التي وصلت فيها المفاوضات الإيرانية الأميركية إلى طريق مسدود، وبات الطرفان فيها يتبادلان الضربات العسكرية بين الفينة والأخرى، وإن بشكل محدود، تبدو الفرصة مواتية أمام نتنياهو لتفجير الوضع وإعادته إلى سيرته الأولى، والتي بدأت بالهجوم المشترك الواسع أواخر شباط/فبراير الماضي، والذي وعلى الرغم من ضراوته واتساعه، لم ينجح في إخضاع النظام الإسلامي أو الشعب في إيران، بل أفرز نتائج بدت في بعضها استراتيجية مثل أزمة مضيق هرمز، الذي تحوّل إلى علامة فارقة في مسيرة هذه الحرب، وبات يشكّل أزمة مُستعصية للجانب الأميركي خصوصاً للرئيس دونالد ترامب، والذي يعاني هو الآخر من أزمات كثيرة قد تؤثر على حظوظ حزبه في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

بحسب الكثير من الخبراء والمحلّلين، يمكن أن يذهب نتنياهو إلى مغامرة منفردة تجاه إيران، يعتقد البعض أنها ستعتمد على عمليات أمنية نوعية، تثير الكثير من ردود الفعل داخل "إسرائيل"، وتمنحه مزيداً من الثقة بين الجمهور المتطرّف، غير أنها لا تستدعي رداً إيرانياً واسعاً، أو انتقاداً أميركياً ودولياً لافتاً.

في هذا الجانب تمتلك "إسرائيل" سجلّاً من النجاحات والإنجازات، خصوصاً فيما يتعلّق بتنفيذ عمليات اغتيال نوعية ضد العلماء النوويين الإيرانيين، وضد القادة العسكريين، سواء داخل الأراضي الإيرانية أم خارجها، وهو ما يجعل من إمكانية لجوئها إلى هذا الخيار خلال هذه الفترة وارداً وممكناً، غير أنه غير مضمون العواقب، خصوصاً في ظل تغيير إيران لعقيدتها القتالية التي كانت تعتمد أسلوب الصبر الاستراتيجي، وتحوّلها إلى الرد المباشر والنوعي الحاسم، بعيداً عن الحسابات الكثيرة التي كانت تقيّد حركتها وردّها قبل الحرب الأخيرة.

ساحة ثانية يمكن أن نرى فيها تصعيداً إسرائيلياً لافتاً وهي الساحة اللبنانية، والتي تفشل فيها "إسرائيل" حتى الآن في تثبيت قواعدها التي تسعى إلى جعلها ثابتة ومُستدامة، كما هي الحال في سوريا وقطاع غزة على سبيل المثال، إذ وعلى الرغم من كل ما بذلته من جهود، وما شنّته من ضربات وهجمات، ورغم الموقف الرسمي للدولة اللبنانية الذي لم يكن على المستوى المأمول أو المطلوب بالنسبة لمعظم اللبنانيين، فإن الإخفاق الإسرائيلي ما زال مستمراً ،خصوصاً في ظل إصرار المقاومة اللبنانية على مواصلة القتال بغض النظر عن الظروف المحيطة، وبغض النظر عن الخلل في الإمكانات وتخاذل الدولة.         

صحيح أن القتال حالياً يشهد حالة من الهدوء، في انتظار الجهود السياسية التي تقودها واشنطن للوصول إلى اتفاق كامل يمنع انزلاق المنطقة نحو الانفجار الشامل، وصحيح أن كل الأطراف ما عدا "الإسرائيلي" تسعى لتجنّب مواجهة قد تُشعل الإقليم، إلا أن رغبة نتنياهو في قلب المشهد الانتخابي لصالحه يمكن أن تحوّل هذا الهدوء إلى عاصفة، ويمكن أن تُسقط كل الجهود السياسية أرضاً بضربة واحدة. 

الساحة الثالثة هي الساحة الفلسطينية، وهي لطالما كانت ساحة مفضّلة بالنسبة لكل السياسيّين الإسرائيليين في أوقات الانتخابات، خصوصاً وأن التداعيات الناتجة عن أي تصعيد فيها يكون في العادة أقل منه في ساحات أخرى، وهذا نابع من ضعف إمكانات الفلسطينيين خصوصاً في هذه الفترة، ومن المواقف الدولية والإقليمية التي تتّسم على الدوام بالعجز والتخاذل كما هو حاصل منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة منذ ما يقارب الثلاث سنوات.

خلال الشهرين الأخيرين بدأت الأصوات الإسرائيلية الداعية إلى العودة إلى الحرب ضد قطاع غزة ترتفع، وباتت تلك الأصوات التي تنطلق من قادة سياسيين مثل نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وعسكريين مثل كاتس وزامير، تجد طريقها إلى أرض الواقع من خلال ارتفاع وتيرة الغارات وعمليات الاغتيال ضد الفلسطينيين، إضافة إلى المزيد من عمليات التوسّع غرباً خارج المنطقة الصفراء، والتي وعد نتنياهو بالاستمرار فيها خلال الفترة المقبلة، بل إن التنصّل من كل ما تم الاتفاق عليه في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي أصبح عملية مُمنهجة، ترتفع وتيرتها مع مرور الزمن، ومع اقتراب العملية الانتخابية في "الدولة" العبرية.

خلال الأسبوع الماضي ارتفعت وتيرة التصعيد الإسرائيلي ضد غزة درجة إضافية، بعد تنفيذ عملية الاختطاف التي استهدفت ضابطاً في الأمن الداخلي في منطقة الكتيبة غرب المدينة، وما رافقها من عمليات قصف جنوني، أدّت إلى دمار كبير، وإلى سقوط شهداء وجرحى من الأطفال والنساء، وهي العملية التي تكرّرت في خان يونس فجر الجمعة وإن بنسق أقل، ومن خلال الميلشيات العميلة المتعاونة مع "جيش" الاحتلال.

يتوقّع الكثيرون تصاعد هذا النوع من العمليات خلال الأسابيع المقبلة، في محاولة إسرائيلية لكسر النمط السابق من العمليات، والتي باتت لا تحوز إعجاب المستوطنين الصهاينة من أنصار اليمين المتطرّف، والذين أصبحوا بحاجة لعمليات نوعية جديدة كما تحاول قوات الاحتلال القيام به خلال هذه الفترة، والتي بحسب الجهد الاستخباري غير المسبوق، يمكن أن تتضاعف خلال الفترة المقبلة.

 فلسطينياً أيضاً، يمكن ملاحظة تصعيد إسرائيلي مُتوقّع في ساحة الضفة الغربية المحتلة، سواء كان ذلك من خلال عمليات التوسّع والضم الجديدة، والمصادقة على مشاريع لإقامة مستوطنات على أراضي المواطنين الفلسطينيين، أم من خلال عمليات التصعيد العسكري في مدن ومخيمات الضفة، والتي استهدف آخرها مدينة نابلس شمال الضفة، ومدينتي جنين وطولكرم التي تم ترحيل وتهجير معظم سكانهما.

يتوقّع البعض أن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد في مدن ومخيمات الضفة المحتلة، ولا سيما بعد أن تم نشر مزيد من الفرق العسكرية الإسرائيلية فيها، بحجة تردّي الوضع الأمني، وورود معلومات عن نية الفلسطينيين شنّ المزيد من الهجمات ضد أهداف إسرائيلية. 

على كل حال قد يبدو ما ذكرناه أعلاه متشائماً بعض الشيء، وقد يبدو المشهد سوداوياً أكثر من اللزوم، إلا أن التجربة علّمتنا أن هذه "الدولة" المارقة المسمّاة "إسرائيل"، والتي أقامت قواعدها على جماجم الشعوب المُستضعفة والمقهورة، وبنت أساساتها على أراضي الغير بعد أن سيطرت عليها بالقوة الغاشمة، لا يمكن الوثوق بها، أو الاطمئنان لها حتى لو أبدت غير ذلك، فكيف بها الآن وهي تعلن على رؤوس الأشهاد أنها ستواصل التوسّع والتمدّد، وقهر جميع جيرانها بقوّة الحديد والنار، وأن مشروعها الاستيطاني لن يتوقف حتى تحقيق حلم "إسرائيل" الكبرى.