ألبانيا: بوابة الأدرياتيكي وصراع المجال في البلقان
ألبانيا باتت محوراً جيوسياسياً متزايد الأهمية في التنافس الدولي على النفوذ والطاقة والممرات الاستراتيجية في البلقان وشرق المتوسط.
-
ألبانيا: بوابة الأدرياتيكي وصراع المجال في البلقان
تشهد ألبانيا منذ مايو (أيار) الماضي موجة احتجاجات واسعة تطالب باستقالة رئيس الوزراء إدي راما، بعد تصاعد الجدل حول مشروع استثماري ضخم تقوده شركة مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشمل تشييد منتجعات سياحية فاخرة في مناطق محمية طبيعياً، أبرزها جزيرة سازان ومنطقة بحيرة نارتا، ما يهدد الحياة البرية، وخصوصاً طيور الفلامنغو. وقد انصب جانب كبير من النقاش على الجوانب البيئية والاتهامات المتعلقة بالشفافية، بينما ربط آخرون المشروع بالصراع السياسي الداخلي أو بعلاقات الحكومة الألبانية بالولايات المتحدة.
غير أن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا يمكنها أن تجيب عن السؤال الأهم: لماذا أصبحت ألبانيا، وهي دولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، محط اهتمام استثمارات أميركية بهذا الحجم في هذا التوقيت؟
الجغرافيا التي صنعت الدولة
إن الإجابة المباشرة عن هذا التساؤل تنطلق من الجغرافيا. فموقع ألبانيا يجعلها جزءاً من صراع أوسع على مجال منطقة البلقان وشرق أوروبا وشرق المتوسط، حيث تتقاطع المصالح الأميركية والأوروبية مع محاولات الحد من النفوذين الروسي والصيني. وعلى الرغم من صغر مساحتها وقلة عدد سكانها مقارنة بجيرانها، فإنها تحتل موقعاً استثنائياً على الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي، مقابل جنوب إيطاليا مباشرة، وتشرف مع السواحل الإيطالية على مضيق أوترانتو، وهو المنفذ البحري الوحيد الذي يربط البحر الأدرياتيكي بالبحر الأيوني، ومنه إلى البحر المتوسط.
إن أهمية هذا المضيق تتمثل في أنه البوابة التي تعبرها الحركة البحرية المتجهة إلى موانئ الأدرياتيكي، ومنها إلى قلب أوروبا. فالموانئ الواقعة على هذا البحر، وفي مقدمتها موانئ شمال إيطاليا وسلوفينيا وكرواتيا، ترتبط بشبكات السكك الحديدية والطرق السريعة المؤدية إلى النمسا وألمانيا والمجر ودول وسط أوروبا، الأمر الذي يمنح الأدرياتيكي قيمة استراتيجية تتجاوز حدودها البحرية الضيقة.
وبهذا المعنى، فإن ألبانيا تقع عند إحدى العقد الجغرافية التي تصل شرق البحر المتوسط وطرق التجارة القادمة عبر قناة السويس بالمجال الاقتصادي لوسط القارة الأوروبية. وإلا فليس بالإمكان تبرير الاستثمارات الكبرى التي تتجه نحو ألبانيا بالرهان على سوقها المحلية، وإنما بالقيمة التي يضفيها الموقع الجغرافي على الدولة.
تكشف هذه الحقيقة عن قاعدة في الصراع الجيوسياسي؛ فالدول لا تستمد أهميتها من مساحتها أو عدد سكانها أو مواردها فحسب، بل من موقعها الذي يمنحها التحكم في عقد النقل والممرات البحرية والبرية. وعندما تتغير ممرات التجارة أو تتوسع، تتقدم هذه العقد إلى واجهة الصراع، فتتحول الدول الصغيرة إلى ساحات تنافس دولي. وبالنسبة إلى ألبانيا، فيبدو أنها مرشحة للعب دور منصة استثمارية ولوجستية غربية على مدخل البحر الأدرياتيكي، على نحو يجعلها مركزاً لجذب رؤوس الأموال والسياحة والمشروعات العقارية، بما يعزز حضور الغرب في غرب البلقان.
وما يقوي وضع ألبانيا للعب هذا الدور أنها تمتلك عدداً من الموارد المهمة؛ فلديها أحد أكبر الاحتياطيات النفطية البرية في أوروبا، وإن كان إنتاجها متواضعاً مقارنة بالدول النفطية الكبرى. ويعد حقل باتوس-مارينزا من أكبر الحقول البرية في القارة العجوز. كما أنها من كبار منتجي خام الكروم، وهو معدن يدخل في صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ والعديد من الصناعات العسكرية، وتمتلك احتياطيات متفاوتة من النحاس والنيكل والفحم والبيتومين.
كما أن الطبيعة القومية لألبانيا، واختلافها عرقياً عن المجال السلافي والإغريقي المحيط بها، وكون غالبية سكانها من المسلمين ضمن دولة علمانية، وامتدادها العرقي والديني إلى دول مجاورة، أدى إلى حالة من التوجس لدى الألبان من المحيط الذي اعتبروه معادياً، ما جعلها أكثر قابلية للاندماج في المنظومة الغربية. وهذا العامل، وإن لم يكن هو أساس الاهتمام الأميركي، فإنه وفر بيئة سياسية وثقافية أكثر ملاءمة لتوظيف الموقع الجغرافي في الاستراتيجية الغربية.
الاستراتيجية الأميركية في غرب البلقان
أعادت الحرب الروسية-الأوكرانية ونجاح إيران في السيطرة على مضيق هرمز الاعتبار لما تحمله منطقة البلقان من أهمية استراتيجية، سواء من منظور الأمن العسكري، أو من منظور الممرات التجارية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية التي تربط البحر المتوسط بوسط أوروبا، ما أجبر الولايات المتحدة على النظر إلى البلقان بوصفه حلقة مهمة في إعادة تشكيل المجال الأوروبي في ظل التنافس مع روسيا والصين.
تمثل ألبانيا أحد أكثر شركاء واشنطن انسجاماً مع سياساتها. لذلك تنظر الولايات المتحدة إليها باعتبارها نقطة ارتكاز يمكن البناء عليها لتعزيز الحضور الغربي في المنطقة، والذي بدوره يمتد إلى تشجيع الاستثمارات الخاصة، وتطوير البنية التحتية، ودعم المشروعات السياحية والعقارية واللوجستية. فهذه الاستثمارات تسهم أيضاً في ترسيخ الارتباط الاقتصادي والمؤسسي بين ألبانيا والغرب، وهو ما يمنح النفوذ السياسي أساساً أكثر استدامة من الاتفاقات الأمنية وحدها.
من ناحية أخرى، تسعى واشنطن إلى الحد من تنامي النفوذ الصيني في البلقان، بعد سنوات من توسع بكين في تمويل مشروعات البنية التحتية والموانئ والطرق ضمن مبادرة "الحزام والطريق". كما تراقب باهتمام استمرار النفوذ الروسي في بعض دول المنطقة، ولا سيما من خلال الروابط السياسية والطاقة والإعلام، وإن كان هذا النفوذ أقل حضوراً في ألبانيا مقارنة ببعض جيرانها.
المجال الاستراتيجي متعدد المهام
إن النظر إلى التحركات الأميركية في أوروبا الشرقية والبلقان وشرق المتوسط باعتبارها حلقات منفصلة، يجعل كثيراً من دلالاتها يبدو غامضاً. أما إذا أُعيد ربطها ضمن إطار جغرافي واحد، فإنها تبدو أقرب إلى محاولة بناء مجال استراتيجي متعدد المهام يمتد من بحر البلطيق شمالاً إلى شرق البحر المتوسط جنوباً، مروراً بالبحر الأسود والبحرين الأدرياتيكي والأيوني.
في هذا التصور، تؤدي بولندا دور الارتكاز في شمال شرق أوروبا وعلى بحر البلطيق، بينما تمثل رومانيا وبلغاريا الامتداد نحو البحر الأسود، وتحتفظ تركيا بوظيفتها الاستراتيجية في التحكم بالمضائق والربط بين البحر الأسود وشرق المتوسط. أما ألبانيا واليونان فتشكلان بوابة البحرين الأيوني والأدرياتيكي، بما يربط هذا المجال بوسط أوروبا والممرات البحرية القادمة من قناة السويس وشرق المتوسط. كما يضيف وجود المجر في قلب أوروبا بعداً برياً يربط هذه السلسلة بمحاور النقل والطاقة داخل القارة.
لا يقتصر دور هذا المجال – إذا اكتمل – على الاحتواء العسكري للدب الروسي ضمن إطار حلف "الناتو"، بل يجمع بين وظائف اقتصادية وطاقوية ولوجستية وأمنية في آن واحد. فهو يوفر بنية تحتية لحركة التجارة والطاقة، ويعزز شبكات النقل، ويخلق عقداً اقتصادية جديدة، وفي الوقت نفسه يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها قدرة أكبر على التأثير في التوازنات الممتدة من البلطيق حتى شرق المتوسط، حيث خزانات الطاقة الهائلة، والتي تبلغ، حسب التوقعات، 200-250 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي (3-4% من احتياطيات الغاز العالمية)، و2-5 مليارات برميل من النفط (0.5% من احتياطيات النفط العالمية).
وهنا، فإن ما يحدث في ألبانيا مرتبط بالمشروعات الأميركية الترامبية في شرق المتوسط، خاصة غزة وجنوب لبنان، وحتى بالأطماع التركية في سوريا وشمال لبنان والإصرار على موطئ قدم في غزة. فعلى سبيل المثال، يبلغ مقدار الغاز الطبيعي المتوقع أمام سواحل لبنان 25-30 تريليون قدم مكعب. أما سوريا، التي لم تُكتشف مواردها كلها بعدُ، فالتوقعات تشير إلى 15 تريليون قدم مكعب، وتبلغ التوقعات في حوض غزة مارين نحو تريليون قدم مكعب.
إن أحد التفسيرات المحتملة للتحولات الجارية في الفترة الأخيرة يتمثل في سعي أميركا وحلفائها إلى بناء مجال طاقة وتجارة متكامل يمتد من ليبيا مروراً بمصر حتى تركيا، وصولاً إلى البلقان وشرق أوروبا والقوقاز، بهدف توفير بديل استراتيجي قادر على تقليل الاعتماد على الطاقة القادمة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز. وبهذا المعنى، فإن أي نجاح إيراني في فرض معادلة ردع تجعل إغلاق المضيق أو التهديد به ورقة ضغط فعالة، يفقد جزءاً من قيمته إذا تمكن الغرب من ربط موارد شرق المتوسط والبحر الأسود والبلقان في شبكة واحدة تغذي القاعدة الصناعية الأوروبية.
ثمة دور كبير للأتراك، عبر ربط بترول كركوك العراقية بميناء جيهان التركي، بالإضافة إلى خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان. أيضاً، تقوم تركيا حالياً بنقل غاز تركمانستان إلى أوروبا، وقد أعلنت صراحة أنها تطمح إلى إنشاء خط عابر لبحر قزوين يربط تركمانستان بأذربيجان، ثم إلى شبكة الأنابيب التركية مثل TANAP ومنها إلى أوروبا. وفي هذه الحالة، فإن هذا المجال الذي تقوم أميركا بتشكيله سوف يتحكم في 15-20% من احتياطيات الطاقة العالمية.
لكن، في المقابل، يبرز كذلك دور محور الكيان الصهيوني بمحاولة فرضه كعقدة جغرافية عبر التحالف مع اليونان وقبرص. لكن لكي يتمكن من أداء هذا الدور، يجب أن يتمكن، بدعم أميركي، من السيطرة على كل من غزة وجنوب لبنان، والهدف هو محاولة سحب البساط من المحور التركي المتعاون مع مصر، أو على الأقل أن يكون الكيان الصهيوني عقدة إلزامية داخل هذا المجال.
لكن الأهم هو محاولة الأميركيين ربط هذا المجال الاستراتيجي بممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، وفي هذه الحالة ستتم محاولة عزل روسيا وإيران عن سلاسل التوريد المنتقلة بين آسيا وأوروبا، ما يضعف كلاً من النفوذين الصيني والروسي في البلقان وشرق أوروبا عموماً، ويقلل من مكاسب إيران في حال تمكنت من فرض سيطرتها على مضيق هرمز.
مشروع كوشنر: الاستثمار أم الجيوبوليتيك؟
لقد كشف الجدل حول مشروع كوشنر عن حالة من التنافس داخل المعسكر الغربي لا تدور حول الهدف النهائي، وهو دمج ألبانيا في الفضاء الغربي، وإنما حول أدوات تحقيق هذا الهدف. فالولايات المتحدة تميل إلى توظيف رأس المال والاستثمارات الخاصة لتعزيز نفوذها، بينما يصر الاتحاد الأوروبي على أن يمر هذا الاندماج عبر مؤسسات الدولة وقواعد الشفافية وسيادة القانون، بحسب تصريحات تينيكه سترايك، رئيسة بعثة تقصي الحقائق الأوروبية.
وإذا كان الخطاب الرسمي الأوروبي ضد المشروع يتحدث عن الشفافية وسيادة القانون، فإن القراءة الجيوسياسية تطرح صورة أخرى. وبحسب بعض المحللين، فإذا أصبحت أدوات النفوذ الأميركية الاقتصادية في ألبانيا أقوى من أدوات الاتحاد الأوروبي، فقد يزداد تأثير واشنطن في توجيه السياسات الألبانية حتى بعد انضمامها مستقبلاً إلى الاتحاد، وهو احتمال قد لا تنظر إليه بعض الدوائر الأوروبية بارتياح، خاصة الإيطالية، التي تعتبر أن ألبانيا تقع داخل مجالها الحيوي.
لكن مخاوف أوروبا لا تقف عند هذا الحد، فمن الضروري الإشارة إلى أن نجاح الأميركيين في التأسيس لمجال استراتيجي متعدد المهام في شرق وجنوب أوروبا يعني أن مركز القرار الفعلي في كثير من الملفات الأمنية والطاقوية لن يبقى محصوراً في باريس وبرلين، بل سينتقل تدريجياً نحو الدول الواقعة على هذا القوس.
أما الجانب الأسوأ فهو احتمال أن تنجح ألبانيا في التحول إلى مركز استثماري ولوجستي رئيسي على البحر الأدرياتيكي، وبالتالي ستتجاوز آثار هذا التحول حدودها السياسية لتعيد تشكيل التوازنات في غرب البلقان. فصعود ألبانيا قد يؤدي إلى تعميق الاستقطاب العرقي مع كوسوفو والمناطق ذات الأغلبية الألبانية في مقدونيا الشمالية وجنوب صربيا، مع ملاحظة أن احتجاجات الشارع الألباني امتدت إلى المناطق المتحدثة بالألبانية في المنطقة، بما يعني وجود حالة قوية من التوحد العرقي الألباني.
هذا التحول قد يدفع بعض دول الجوار إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه ألبانيا، خشية أن يتحول التفوق الاقتصادي تدريجياً إلى نفوذ سياسي وإقليمي. وإذا صح هذا السيناريو، فإن التوغل الأميركي في ألبانيا سيعني إعادة تشكيل الأوضاع في البلقان، وما قد يترتب على ذلك من تغيرات في موازين القوى والعلاقات الإقليمية خلال العقد المقبل.
إن الحالة الألبانية تكشف حقيقة تاريخية؛ فالجغرافيا لا تفرض النتائج، لكنها تحدد المجال الذي تتحرك داخله القوى الكبرى. فالموقع الذي منح ألبانيا أهميتها الاستراتيجية يظل ثابتاً، لكن قيمته لم تتجسد سياسياً واقتصادياً إلا عندما برزت الحاجة إلى إعادة تنظيم الممرات التجارية وشبكات الاستثمار والنفوذ في أوروبا والبحر المتوسط. والمشروع الأميركي، في جوهره، يعكس صراعاً أوسع حول الجهة التي ستقود عملية إعادة تشكيل المجال في البلقان.
لكن الواقع يشير إلى أن محاولات واشنطن تعاني نقاط ضعف واضحة، لعل أهمها المقاومة الشرسة لمحور المقاومة في المنطقة العربية بالإضافة إلى إيران، وهو ما سيلقي بظلاله على القوقاز لاحقاً، والصراع الصامت بين المحور التركي والمحور الصهيوني داخل هذا المجال الأميركي. ومع استمرار التحولات الحالية، التي تشهد تراجعاً أميركياً تدريجياً في مواجهة تمدد صيني وروسي راسخ، وإن كان بطيئاً، وقوة إيرانية صاعدة تتحكم في أهم ممرات الطاقة، فإن احتمالات نجاح الأميركيين في استخدام ألبانيا لتشكيل مجال جديد في البلقان محل شك كبير، وعلى الأغلب لن تؤدي المحاولات الأميركية في البلقان (برميل بارود أوروبا كما يقال) سوى إلى ضرب التوازنات المستقرة، وإعادة تفجيرها عبر إثارة الهويات العرقية والديموغرافية، التي سعت أوروبا إلى احتوائها خلال العقود الماضية، وهو ما سيلقي بتبعاته على أوروبا كلها لاحقاً.