أطفال الحواضن: القصة التي لم تحدث.. ولكنها أشعلت الحرب!
في أروقة السياسة، لا تُصنع الحروب دائماً بطلقات الرصاص، بل أحياناً بـ "قصة" محبوكة تُبكي الملايين وتدفعهم للمطالبة بالانتقام.
-
هل ثمة "نيرة" جديدة تُحضر اليوم خلف الكواليس؟
منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تعتمد الأخيرة استراتيجية "الردع العسكري المباشر"؛ إذ تركز الرشقات الصاروخية والمسيرات بشكل أساسي على القواعد الأميركية في المنطقة، وعلى "إسرائيل" بطبيعة الحال.
أما الهدف، فيبدو ذا أبعاد زمنية مزدوجة: فلحظياً، يُراد من الاستهداف الصاروخي الرد على الجانب الأميركي بشكل مباشر، وكل من يشارك أو يسهل له العدوان. أما على المدى الأبعد، فالغاية هي الضغط لإخراج القوات الأميركية من المنطقة.
وما إن باشرت إيران بردع العدوان، حتى تعالت أصوات تنتقدها بحجة عدم احترام "حسن الجوار"، وبأنها تتسبب بوقوع ضحايا مدنيين. وكلنا يعلم بأن تعميق الشرخ بين إيران والدول الخليجية وبعض الدول العربية، لا يحتاج إلا إلى القليل من المبالغة الإعلامية، فكيف بما بدأنا نشاهد ونتابع.
هل ثمة "نيرة" جديدة تُحضر اليوم خلف الكواليس؟
في أروقة السياسة، لا تُصنع الحروب دائماً بطلقات الرصاص، بل أحياناً بـ "قصة" محبوكة تُبكي الملايين وتدفعهم إلى المطالبة بالانتقام.
تبرز قضية "حواضن الأطفال" في الكويت عام 1990 كأحد أضخم نماذج التضليل الإعلامي في العصر الحديث، حيث جرى تحويل مشهد إنساني مُتخيّل إلى وقود لمحركات الطائرات الحربية.
صناعة "الضحية" المثالية
في كتابه "حرب المعلومات"، يسرد دايفد كولن تفاصيل ذلك المشهد الذي لم يكن عفوياً؛ فقد استأجرت حكومة الكويت في المنفى شركة العلاقات العامة الأميركية العملاقة "هيل أند نولتون" (Hill & Knowlton) بمبالغ طائلة تجاوزت 10 ملايين دولار لمهمة محددة: تسويق الحرب للرأي العام الأميركي. كان التحدي هو إقناع المواطن الأميركي البسيط بضرورة إرسال أبنائه للقتال الى أراضي الرمال البعيدة، وكان الحل يكمن في "هندسة العاطفة".
"نيرة"... ابنة السفير في ثوب المتطوعة
ظهرت فتاة كويتية تبلغ من العمر 15 عاماً تُدعى "نيرة" أمام لجنة حقوق الإنسان بالكونغرس، لتروي بدموع غزيرة كيف شاهدت الجنود يخرجون الأطفال الخُدّج من الحواضن ويتركونهم يموتون.
لكن من هي نيرة؟ لم تكن ممرضة متطوعة، بل هي نيرة سعود ناصر الصباح، ابنة السفير الكويتي في واشنطن آنذاك. وقد جرى إخفاء لقبها "الصباح" عمداً لتبدو كشاهدة عيان محايدة، وتم تدريبها على الأداء من قبل خبراء في لغة الجسد لضمان أقصى تأثير عاطفي.
من المنصة إلى ساحة المعركة
لم تتوقف الخديعة عند الشهادة، بل تحولت إلى "منتج إعلامي" عابر للقارات؛ حيث وزعت شركة العلاقات العامة تسجيلات الجلسة على أكثر من 700 قناة تلفزيونية. واستشهد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بهذه القصة أكثر من 10 مرات في خطاباته، إلى حدٍ يُعتقد معه أن القصة هي التي قلبت موازين التصويت في مجلس الشيوخ الأميركي؛ حيث جرت الموافقة على قرار الحرب بفارق ضئيل جداً (52 صوتاً مقابل 47). ويرى المحللون أن 5 أصوات فقط تأثرت بقصة الحواضن كانت كافية لتغيير مسار التاريخ.
حين تنجلي غمة الحرب
بعد عامين من انتهاء عاصفة الصحراء، وتحديداً في عام 1992، كشفت تحقيقات ميدانية أجرتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" وصحيفة "نيويورك تايمز" الحقيقة الصادمة: فالأطباء والممرضات في مستشفيات الكويت نفوا وقوع الحادثة، ولم يُعثر على أي أدلة تدعم ادعاءات نيرة. كما أقرّت شركة العلاقات العامة لاحقاً بأنها لم تتحقق من صحة القصة، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل، والجيوش قد تحركت بناءً على "مشهد تمثيلي".
الموقف الرسمي: الغاية تبرر الوسيلة!
لم تنكر الحكومة الكويتية لاحقاً صلتها بشركة "هيل أند نولتون"، وكان التبرير الضمني –والعلني أحياناً– أن الكويت كانت تحت احتلال كامل ووجودها كدولة مهدداً بالزوال؛ وبالتالي، كان استخدام "سلاح الإعلام" والقوة الناعمة أمراً مشروعاً لضمان تحرير الأرض، بحسب رأيهم.
تظل "أكذوبة الحواضن" درساً قاسياً في تاريخ التضليل الإعلامي؛ فهي تذكرنا بأن الصور والدموع أمام الكاميرات قد لا تكون تعبيراً عن الحقيقة، بل مجرد أداة لدى شركات العلاقات العامة، أو مشهداً تحتاجه وسيلة إعلامية تتقن فن صناعة الحروب من خلف الستار.
قد لا يحتاج التضليل اليوم بالضرورة إلى اختلاق قصص خيالية كقصة "نيرة"، ولكن من دون شك سوف يعمد إلى "خلط الأوراق"؛ كالمبالغة في نتائج سقوط الشظايا مثلاً.
فعند اعتراض الصواريخ الإيرانية المتوجهة إلى القواعد الأميركية أو الكيان الإسرائيلي فوق المناطق السكنية، قد يسقط الحطام على منازل أو مراكز حيوية، وهنا يجري تصوير الأمر إعلامياً على أنه "استهداف متعمد للمدنيين"، والهدف تجييش الرأي العام.
فلنحذر.