أربعة عقود من العقوبات على إيران... واشنطن تجرّب المجرّب

إذا كان التاريخ يشير إلى أنّ العقوبات الاقتصادية نادراً ما تدفع الدول إلى التخلّي بسهولة عن مصالح أو قضايا تعتبرها أساسية لأمنها، فإنّ هناك عاملاً آخر يكتسب أهمية خاصة في الحالة الإيرانية وهو أنّ الزمن نفسه أصبح أحد مصادر الصمود.

  • ما الجديد الذي تستطيع هذه العقوبات تحقيقه اليوم؟ 
    ما الجديد الذي تستطيع هذه العقوبات تحقيقه اليوم؟ 

تشكّل إيران أحد أبرز نماذج الدول التي شنّت عليها الولايات المتحدة الأميركية حرباً اقتصادية بهدف تحقيق مآرب سياسية، وهي أيضاً من أبرز الحالات التي أخفقت فيها واشنطن في تحقيق أهدافها السياسية من بوابة العقوبات والضغوط الاقتصادية.

فمنذ الحرب العالمية الثانية، أصبحت العقوبات الاقتصادية أداة متزايدة الاستخدام في العلاقات الدولية لتحقيق أهداف سياسية، واتسع اللجوء إليها بصورة أكبر، خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة.

اللافت في الحالة الإيرانية أنّ ما يقوم به الأميركيون اليوم من تصعيد للعقوبات على إيران يبدو، إلى حدّ بعيد، تجريباً للمجرّب. فإذا كان استخدام القوة العسكرية يمثّل عنصراً جديداً في تاريخ المواجهة الأميركية–الإيرانية، فإنّ الاقتصاد كان على مدى عقود إحدى الأدوات الرئيسية المستخدمة ضدّ طهران، حتى يمكن القول إنّ هذه الأداة اختُبرت إلى حدودها القصوى.

فمنذ عام 1979، اتسعت العقوبات الأميركية تدريجياً لتطال قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، فضلاً عن عدد كبير من المؤسسات والكيانات والشخصيات. ومع ذلك، بقي أثرها في تغيير الأداء والخيارات السياسية الإيرانية محدوداً. فلم تدفع هذه الضغوط إيران إلى تغيير جوهري في مواقفها أو سلوكها السياسي، كما لم تؤدِّ إلى تخلّيها عن نهجها في الداخل والخارج.

فهل ينفع المجرَّب هذه المرة؟

في الحقيقة، حظي موضوع العقوبات الاقتصادية باهتمام كبير في الأدبيات السياسية والأكاديمية، وتناولته كتب ودراسات ومقالات عديدة لباحثين ينتمون إلى اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة. وخلص عدد مهمّ منهم إلى التشكيك في قدرة العقوبات الاقتصادية على تحقيق الأهداف السياسية المطلوبة منها، ولا سيما عندما يكون المطلوب إحداث تغيير جوهري في سياسات الدولة المستهدفة.

ومن أبرز الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة عالم السياسة والعلاقات الدولية روبرت باب (Robert Pape).

برز اهتمام باب بهذا الملف بصورة خاصة عام 1997، عندما نشر دراسته الشهيرة التي أصبحت من المراجع الأساسية في النقاش حول العقوبات، بعنوان: "لماذا لا تعمل العقوبات الاقتصادية؟". 

يشكّك باب في فعّالية العقوبات وفي فكرة أنّ فرض تكاليف اقتصادية مرتفعة على دولة ما سيجعل استمرارها في سياستها مكلفاً، وبالتالي سيدفع قيادتها إلى إعادة حساباتها وتقديم التنازلات المطلوبة منها.

ويشير في تحليله إلى أنّ الدول تمتلك قدرة على امتصاص الضغوط الخارجية والتكيّف معها، وأنّ مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد تمنحها قدرة على تحمّل الضغوط أكبر مما يفترضه التصوّر المبسّط لآلية العقوبات. فالدولة تستطيع اتخاذ إجراءات لإعادة توزيع تكاليف الأزمة، والبحث عن بدائل، والتخفيف من بعض آثار الضغط الخارجي.

كما أنّ الضغط الخارجي لا يؤدّي بالضرورة إلى انقلاب المجتمع على حكومته بل قد يفضي، في بعض الحالات، إلى نتيجة معاكسة، إذ يمكن أن يعزّز الالتفاف الداخلي في مواجهة التهديد الخارجي، ولا سيما عندما تتمكّن السلطة من تقديم المواجهة باعتبارها دفاعاً عن السيادة والاستقلال الوطنيين.

هده الخلاصة  التي توصّل إليها باب بشأن محدودية قدرة العقوبات الاقتصادية على فرض تغييرات سياسية جوهرية، نجد ما يتطابق معها إلى حدّ بعيد في دراسات تناولت الحالة الإيرانية بصورة مباشرة.

ومن بينها ما كتبه راي تاكيه وسوزان مالوني في مقالتهما "النجاح المحدود ذاتياً للعقوبات على إيران". 

أشار الكاتبان إلى أنّ إيران، رغم عقود من العقوبات المالية وغيرها من أشكال الضغط الاقتصادي، استمرت في عدد من السياسات التي سعت الدول الفارضة للعقوبات إلى تغييرها، بما في ذلك سياساتها الإقليمية والملف النووي.

هذه الخلاصة توصّل إليها الكاتبان في مقالتهما المنشورة عام 2012، أي بعد أكثر من ثلاثة عقود على بدء العقوبات الأميركية على الجمهورية الإسلامية.

بعد عشر سنوات، وفي عام 2022، نُشر في مجلة إنترناشونال أفيرز ، وهي المجلة نفسها التي نشرت المقالة السابقة، تقرير تناول تجربة العقوبات على إيران بعد عام 2018. ذهب التقرير إلى حدّ وصفها بأنها واحدة من أبرز حالات تعثّر العقوبات الاقتصادية في تحقيق أهدافها السياسية في التاريخ الحديث.

وفي عام 2024، نشرت فورين بوليسي دراسة تناولت تأثير العقوبات على إيران، ولفتت إلى نتيجة تبدو للوهلة الأولى مناقضة للغاية التي يُفترض أن تعمل بها هذه الأداة: فالعقوبات يمكن، في ظروف معيّنة، أن تعزّز دعم الحكومة المستهدفة بدلاً من إضعافها.

وخلصت الدراسة إلى أنّ العقوبات ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد الإيراني، لكنها لم تنجح في إحداث الانهيار الذي كان يُفترض، وفق منطق سياسة "الضغط الأقصى"، أن يقود إلى تغيير جذري في السياسة الإيرانية.

وتشير المجلة إلى أنّ إيران كانت، حتى الحرب الروسية الاوكرانية، من أكثر دول العالم تعرّضاً للعقوبات. وقد أثّرت العقوبات الغربية بقوة في الاقتصاد الإيراني إلا أنه أظهر، في الوقت نفسه، قدرة على التكيّف حالت دون انهياره.

وتبرز هنا مفارقة لافتة، فرغم استمرار العقوبات، قدّر صندوق النقد الدولي النمو الاقتصادي الإيراني في العام السابق لنشر المقالة بنحو 5.4 في المئة. وهذا بالطبع لا يعني أنّ العقوبات لم تكن مؤلمة، إذ تحمّل المواطن الإيراني العادي جزءاً كبيراً من كلفتها، وظلّ رفع العقوبات مطلباً مهماً داخل إيران. لكنّ الفارق الأساسي هو بين إلحاق الضرر الاقتصادي وتحقيق الهدف السياسي؛ فنجاح العقوبات في إحداث خسائر لا يعني بالضرورة نجاحها في فرض تغيير في خيارات الدولة المستهدفة.

وفي محاولتها الإجابة عن سؤال: لماذا لم تؤدِّ العقوبات إلى انهيار إيران؟ تبرز الدراسة عاملين أساسيين: الصين وروسيا.

وتنقل المجلة تقديراً أميركياً يفيد بأنّ تجارة النفط مع الصين كانت تؤمّن لإيران نحو 150 مليون دولار يومياً. وهنا تظهر إحدى المشكلات البنيوية في سياسة العقوبات: تستطيع الولايات المتحدة فرض العقوبات قانونياً ومالياً، لكنّ فعّاليتها تبقى مرتبطة بقدرتها على منع أطراف ثالثة، وفي مقدّمتها الصين، من مواصلة التعامل الاقتصادي والتجاري مع إيران.

وبحسب المجلة، تمثّل الصين نحو ثلث مجمل تجارة إيران، فضلاً عن أهميتها السياسية بالنسبة إلى طهران، ولا سيما في مجلس الأمن والمحافل الدولية.

وفي موازاة ذلك، عملت إيران على تطوير شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تساعدها على الحد من آثار الضغط الغربي. وفي عام 2024 أصبحت عضواً كاملاً في مجموعة بريكس التي يشارك الرئيس الإيراني في اجتماعاتها خلال هذا الشهر. هذه العلاقة  جاءت ضمن مسار أوسع لتعزيز علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع القوى غير الغربية.

وتكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة لأنها لا توفّر لإيران أسواقاً وشركاء اقتصاديين فحسب، بل تندرج أيضاً ضمن استراتيجية أوسع لتقليص آثار العقوبات والحدّ من العزلة الدولية التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها عليها.

وإلى نتيجة قريبة يذهب الاقتصادي آدم توز الذي أشار في تحليلاته إلى أنّ الاقتصادات الكبيرة والمتنوّعة، مثل إيران وروسيا، يصعب خنقها بالكامل بالعقوبات. فهذه الدول تمتلك مجتمعات كبيرة، وقاعدة واسعة من المهندسين والعلماء والأطباء وأصحاب الخبرات، واقتصادات ذات تقسيم معقّد للعمل، فضلاً عن امتلاكها موارد استراتيجية، وفي مقدّمتها النفط الذي لا يزال العالم بحاجة إليه. وإذا أضيف إلى ذلك وجود الصين كسوق ضخمة وشريك اقتصادي، تصبح محاولة عزل هذه الاقتصادات وخنقها بالكامل أكثر صعوبة.

بل إنّ العقوبات قد تنتج آثاراً معاكسة لما يريده فارضوها. فكلما ازداد الضغط الغربي على إيران، ازدادت الحوافز أمام طهران لتعميق توجّهها شرقاً، ولا سيما نحو الصين وروسيا، 

وتسريع ما أسماه الكاتب "إعادة توجيه علاقاتها الاقتصادية بعيداً عن الغرب". 

تتقاطع هذه الدراسات والمقالات والتحليلات الصادرة في الولايات المتحدة والغرب عند خلاصة أساسية: العقوبات ألحقت بإيران خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة، لكنها لم تؤدِّ إلى انهيار الدولة الإيرانية، ولم تمنع طهران من استعادة جانب مهم من إنتاجها وصادراتها النفطية، ولم تقطع علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع الصين وروسيا، كما لم تدفعها إلى التخلّي عن سياساتها الإقليمية أو برنامجها النووي.

بل إنّ النتيجة قد تكون، في بعض الأحيان، معاكسة لما يسعى إليه فارضو العقوبات. فالضغوط التي يُفترض أن تدفع دولة ما إلى التخلّي عن سلوك معيّن قد تتحوّل، بعد سنوات طويلة، إلى جزء من حساباتها الاستراتيجية، وتدفعها إلى الاعتقاد بأنّ كلفة التراجع أمام الضغط الخارجي أصبحت أكبر سياسياً من كلفة الاستمرار في تحمّله.

وهنا تحديداً تظهر مشكلة الإصرار الأميركي على تجريب المجرّب.

فإذا كان التاريخ يشير إلى أنّ العقوبات الاقتصادية نادراً ما تدفع الدول إلى التخلّي بسهولة عن مصالح أو قضايا تعتبرها أساسية لأمنها القومي وسيادتها، فإنّ هناك عاملاً آخر يكتسب أهمية خاصة في الحالة الإيرانية وهو أنّ الزمن نفسه أو عمر العقوبات أصبح أحد مصادر الصمود والتكيّف.

فالعقوبات قد تكون أكثر تأثيراً عندما تصيب اقتصاداً ودولة ومجتمعاً بطريقة مفاجئة ومن دون استعداد مسبق لها، أما عندما تستمر لعقود، فإنّ الدولة والاقتصاد والمجتمع يطوّرون تدريجيّاً آليات للتعامل معها.

تتعلّم المؤسسات كيف تبحث عن أسواق وطرق دفع ووسطاء وشركاء جدد، ويتكيّف الاقتصاد مع القيود المفروضة عليه، فيما يتعلّم المجتمع بدوره كيف يعيش في ظلّ التضخّم وتقلّبات العملة وعدم اليقين، وكيف يبحث عن البدائل ويعيد ترتيب أولوياته وأنماط استهلاكه.

لذلك، فإنّ السؤال الذي تطرحه حزمة العقوبات الأميركية الجديدة هو: ما الجديد الذي تستطيع هذه العقوبات تحقيقه اليوم؟ 

وهنا نعود إلى نقطة البداية ومفادها أنّ قدرة العقوبات على التغيير في الخيارات السياسية والاستراتيجية الإيرانية بعيدة المنال وأنّ واشنطن مصرّة على تجريب المجرّب.