آيزنكوت يتقدم في استطلاعات رئاسة حكومة الاحتلال.. هل تُطيح به أصوله الشرقية؟

صعود غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي يعكس بحثاً إسرائيلياً عن قيادة بديلة من نتنياهو، لكنه يواجه عقبات حزبية وسياسية عميقة، فضلاً عن عنصرية متجذرة داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه اليهود الشرقيين قد تحول دون وصوله إلى رئاسة الحكومة.

  • آيزنكوت يتقدّم في استطلاعات رئاسة حكومة الاحتلال.. هل تطيح بها أصوله الشرقية؟
    آيزنكوت يتقدّم في استطلاعات رئاسة حكومة الاحتلال.. هل تطيح بها أصوله الشرقية؟

وفقاً لأحدث استطلاع رأي نشرته "القناة 12" الإسرائيلية، مساء الاثنين، يتقدم رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في سؤال "الشخص الأنسب لرئاسة الحكومة"، بفارق هو الأكبر منذ إعلان آيزنكوت خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وبحسب الاستطلاع، حصل آيزنكوت على تأييد 43% من المستطلعة آراؤهم، مقابل 34% لنتنياهو. كما تصدّر حزبه "يشار" توزيع مقاعد الكنيست، بحصوله على 23 مقعداً، مقابل 22 مقعداً لحزب "الليكود". أما في المقارنة بين نتنياهو ونفتالي بينيت، فتقدم نتنياهو بنسبة 37%، مقابل 35% لبينيت.

البحث عن قيادة مختلفة

تتعدد الأسباب الكامنة خلف صعود آيزنكوت، وربما يرتبط بعضها بالرغبة في التغيير والبحث عن نموذج قيادة أقل صخباً وكذباً من نتنياهو. وإن كان ثمة فارق بين الرجلين، فربما يتمثل في غرور نتنياهو وغطرسته وفساده، الذي أنتج مزاجاً إسرائيلياً يبحث عن قيادة مختلفة، "قيادة من دون تزييف، تعرف حدودها، ولا تغزو طهران أو تقصف بيروت كلما احتاجت إلى استعراض القوة"، وفقاً للباحث الإسرائيلي يوسي كلاين.

ومع أن البعض يعزو هذا التقدم إلى كون آيزنكوت رئيساً سابقاً لهيئة الأركان، في ظل حنين إسرائيلي إلى العسكر، وتحديداً إلى أولئك الذين يُقدَّمون بوصفهم أكثر نزاهة وأقل ارتباطاً بمساومات السياسة اليومية، فإن نسبة كبيرة لا ترى أهمية حاسمة لهذا العامل. فبيني غانتس شغل هذا المنصب وأخفق في إطاحة نتنياهو، إذ إن "رئاسة الأركان لا تضمن الحماية من الغباء"، وفق تعبير كلاين. فقد كان غانتس "معبود ناخبي كتلة التغيير"، لكن "عاطفتهم" الجارفة تجاهه، التي أوصلته إلى 35 مقعداً في بداية صعوده، هي ذاتها التي قادته إلى ما دون نسبة الحسم في استطلاعات الرأي الأخيرة.

ويكتسب آيزنكوت مصداقية داخلية لعدة أسباب، منها أنه يُعدّ من الجنرالات القلائل الذين يُنسب إليهم إنتاج تصورات أمنية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. وتُنسب إليه "عقيدة الضاحية"، القائمة على استخدام قوة غير متناسبة وإحداث تدمير واسع في البنى التحتية والمناطق المدنية بذريعة تحقيق الردع.

وصاغ آيزنكوت هذه العقيدة علناً عام 2008، مستنداً إلى نموذج الدمار الذي ألحقه الاحتلال بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال حرب تموز/يوليو 2006، ومهدداً بتطبيقه في كل منطقة تنطلق منها عمليات ضد "إسرائيل". كما طوّر تصورات عسكرية مكتوبة، من بينها وثيقة "استراتيجية الجيش"، التي صدرت خلال توليه رئاسة هيئة الأركان عام 2015، وتُعد إحدى مرجعيات العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

لذلك، يُنظر إلى آيزنكوت باعتباره شخصية عامة تُشبع حاجة عاطفية لدى جماهير واسعة من الإسرائيليين، الذين يرون فيه رجلاً مثلهم: "خجولاً بعض الشيء، بسيطاً بعض الشيء، وأباً قُتل ابنه في الحرب وعاش فاجعة الفقد. أراد الناس أن يحتضنوه، وهذه هي الصلة التي تتجاوز القطاعات في إسرائيل". ووفق الكاتب والمحلل السياسي ناحوم بارنياع، فإن صعود آيزنكوت في استطلاعات الرأي، على حساب نتنياهو وبينيت ولابيد، ليس سوى نتاج عاطفي؛ نزاهة الإنسان البسيط، ورئاسة الأركان، والفقد، والتهميش الطائفي، وهي عناصر لا علاقة لها بخطط المرشح، ولا بحلوله المقترحة للخراب الذي خلّفته الحكومة الحالية.

وإن كان آيزنكوت المرشح الأبرز في كتلة التغيير، فإن ما فعلته "آلة السم" التي يحرّكها نتنياهو بغانتس وبينيت سيتكرر معه، وبصورة مضاعفة. وهذا يعني أن الحب الذي يُغدق على آيزنكوت اليوم قد يتحول قريباً إلى سلسلة من الانتقادات والشكوك والهجمات، من اليمين واليسار على حد سواء.

الأصل المغربي ساحة للهجوم

وبالفعل، بدأ هجوم نتنياهو وأنصاره على آيزنكوت، مستنداً إلى إرث إسرائيلي راسخ يجد صعوبة في تقبّل فكرة تولي يهودي "مزراحي"، شرقي، رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

فقد تعرض آيزنكوت، المولود في طبريا لأبوين مهاجرين من المغرب، للسخرية بذريعة "ضعف لغته الإنكليزية"، في تعبير عن عنصرية غربية ضد اليهود الشرقيين تطل برأسها مجدداً، متلبسةً ثوب السخرية من "لكنته الإنكليزية".

ولا شك في أن إنكليزية آيزنكوت ليست هي القصة، بل السخرية الإسرائيلية الأشكنازية من "طموح أولئك الذين لم يولدوا في المكان المناسب أو لأبوين مناسبين". وهي مشكلة قديمة تتجلى من جديد بكل فظاظتها، وتتمثل في صعوبة تقبّل الإسرائيليين، بمن فيهم أعضاء شرقيون في حزب "الليكود"، وجود شخص من أصول شرقية على رأس الحكومة الإسرائيلية. ومن الصعب إنكار الحقائق؛ فحتى يومنا هذا، لم يترأس حكومة "إسرائيل" أو حزب "الليكود" أي إسرائيلي من أصول شرقية.

ويُثار اليوم جدل حول أصول غادي آيزنكوت المغربية، نظراً إلى الدور الذي يُعزى إليها في صعوده في استطلاعات الرأي. إذ يغمز بعض أعضاء "الليكود" من أصل آيزنكوت المغربي بوصفه عاملاً يصب في مصلحته الانتخابية، مفترضين أن بعض الإسرائيليين من أصل مغربي، الذين صوتوا لحزب "الليكود"، يحوّلون دعمهم الآن إلى آيزنكوت لأنه من "جماعتهم".

أو كما قال عضو الكنيست ديفيد بيتان: "يستفيد آيزنكوت من كونه فرداً من عائلة ثكلى ومغربياً، وهما يمنحانه ميزة مثيرة للاهتمام في هذه الانتخابات". إلا أن هذه الميزة سيف ذو حدين، وقد يستخدمها هؤلاء ضده، مستغلين حقيقة أن المجتمع الإسرائيلي قد لا يتقبل بسهولة أن يصبح آيزنكوت أول رئيس حكومة من أصول شرقية.

العنصرية تجاه اليهود الشرقيين

من وجهة نظر العديد من الإسرائيليين، فإن الخطوة الأولى التي سيقوم بها اليهود الشرقيون في حال تمكينهم هي "إلقاء الأشكناز في البحر، والانضمام إلى أبناء عمومتهم المسلمين، وإعادة تبني قيمهم الشاملة، والقضاء على إسرائيل التي عزلتهم واضطهدتهم وأذلتهم".

والافتراض السائد في "إسرائيل" كذلك هو "أن ممثلي اليهود الشرقيين سيتخلون، في لحظة الحقيقة، عن إخوانهم اليهود الغربيين، ويديرون ظهورهم للتقدم والازدهار، وينضمون إلى التخلف العربي المحيط"، لأنه يفترض أن اليهود الشرقيين، في أعماقهم، ليسوا إسرائيليين أو وطنيين أو حداثيين وواقعيين بما فيه الكفاية، وأنهم، إذا ما مُنحوا زمام الأمور، سيحوّلون "إسرائيل" إلى دولة عربية متخلفة أخرى في "الشرق الأوسط".

في المحصلة، فإن المجتمع الإسرائيلي لم يُبنَ لاستقبال رئيس حكومة شرقي، والجمهور الإسرائيلي ليس جاهزاً بعد، ولا يمكنه استيعاب رئيس حكومة شرقي، كما أن النظام السياسي لن يسمح بسهولة لرئيس حكومة شرقي بتولي منصبه. فبعد نحو 78 عاماً على قيامها، لا تزال "إسرائيل" لا تملك، وقد لا يكون لديها في المستقبل المنظور، يهودي شرقي في أعلى منصب سياسي.

ويعود هذا، وفق الكاتب والمحلل السياسي الإسرائيلي ناحوم بارنياع، إلى سببين رئيسيين؛ أولهما أن الأشكناز الليبراليين لا يشعرون بالذنب إزاء ما فعلته الصهيونية ودولة "إسرائيل" باليهود الشرقيين، من تمييز وقمع ممنهجين، فلا يزال موقف المؤسسة الأشكنازية تجاه الشرقيين غارقاً في العنصرية والتعالي والتمييز.

ولم يقف الأمر عند حدود عدم شعور الأشكناز بأي ندم على ما فعلوه بالشرقيين، بل ذهبوا إلى القول إن الصهيونية ودولة "إسرائيل" "قدمتا خدمة عظيمة" للشرقيين، من خلال إنقاذهم من "الهاوية البنيوية للثقافة العربية، وفتح نافذة العالم الغربي أمامهم".

بل وأكثر من ذلك، يزعمون أن "الأشكناز الغربيين أنقذوا اليهود العرب من محرقة كان من الممكن أن يُلحقها بهم الحكام القتلة في العالمين العربي والإسلامي". أما السبب الآخر، وفق بارنياع، فهو أنه، على الرغم من كل المغالطات والإشكاليات التي تعتري هذه الرواية، يميل العديد من اليهود الشرقيين في الواقع إلى الموافقة عليها وقبولها.

وعملياً، أعلن آيزنكوت ترشحه، وهي، في ظاهر الأمر، خطوة يتوق إليها الجمهور الشرقي منذ سنوات عديدة. لكن مشكلة اليهود الشرقيين، كما يراها بارنياع، هي أنهم "أكبر العنصريين تجاه أنفسهم"، ولن يصوتوا لآيزنكوت بسبب أصله الشرقي. فهم ما زالوا يريدون "أن يكونوا محبوبين، وأن يكونوا جزءاً من التيار السائد، وأن ينتموا إلى الغالبية، حتى لو كلفهم ذلك طأطأة رؤوسهم، أو التقليل من شأن أنفسهم وجماعتهم".

فقد سبق أن فضّلوا التصويت لإيهود أولمرت، الغربي، لا لعمير بيرتس، الشرقي، فقط "حتى لا تتغير نظرة إسرائيل إليهم باعتبارهم مخلصين ويعملون بجد". فهم ليسوا "مزراحيين" يصوتون وفقاً لأصل المرشح، بل هم "إسرائيليون" يصوتون وفقاً لمعايير موضوعية!

وحتى يصل مرشح يهودي شرقي إلى رئاسة الحكومة، ومرة أخرى وفق بارنياع، يجب تغيير كلا السببين، أو أحدهما على الأقل، بصورة جذرية. ففي "إسرائيل"، ما تزال القاعدة السائدة هي: "أنك لا تُنتخب إما لكونك مثلياً، أو امرأة، أو مزراحياً، بينما حين تُنتخب يكون السبب هو قدراتك"!

إن حقيقة أن "دولة إسرائيل الديمقراطية" لم تحظَ برئيس حكومة شرقي حتى يومنا هذا دليل على التفوق العنصري المتأصل للأشكناز، الذي لم تتمكن "إسرائيل" من التخلص منه بعد، حتى وإن بدا، شكلاً، أن آيزنكوت يكسر هذا المحرّم. وحقيقة أن "الليكود" لم يترأسه يهودي شرقي إطلاقاً ليست أقل فظاظة، ولا سيما أنه حزب قائم على أغلبية مميزة من الناخبين الشرقيين.

الاستطلاعات لا تضمن رئاسة الحكومة

حتى اللحظة، ومع ابتسام استطلاعات الرأي له، لا تُعرف بعد حظوظ آيزنكوت الواقعية في الوصول إلى منصب رئيس الحكومة. كما أن تقدمه في استطلاعات الرأي لا يستند إلى بنية حزبية متماسكة ذات إرث في العمل السياسي، كتلك التي يمتلكها "الليكود" أو أحزاب المعارضة التقليدية، بما يمنحه القدرة على الحفاظ على تقدمه وتحويل نيات التصويت إلى حقائق على الأرض.

فلم يسبق لآيزنكوت أن شغل أي مناصب سياسية قبل دخوله الكنيست عام 2022، ثم انضمامه إلى حكومة الطوارئ ومجلس الحرب برئاسة نتنياهو، بعد أيام من بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023. ويضاف إلى ذلك أن ترشحه لتولي هذا المنصب يبقى مرهوناً باتفاق المعارضة على زعامته لتشكيل الائتلاف الحكومي، وهو أمر لا يبدو محسوماً حتى الآن. فلا نفتالي بينيت ولا أفيغدور ليبرمان سيقرّان بسهولة بزعامته لمعسكر المعارضة.

وسيكون وصول يهودي شرقي إلى رئاسة الحكومة حدثاً نادراً، إن لم يكن مستحيلاً، في "إسرائيل"، التي ترأس حكوماتها، منذ نشأتها، قادة ينتمون في معظمهم إلى النخبة الأشكنازية الغربية.